الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 «أينما استدرت اجد احداً يحاول قتلي! اللعنة على هذا المكان» هذا ملخص لمشاعر القوات الاميركية الغازية تجاه العراقيين مدنيين وعسكريين. يزيد من هذا التوجس ان العراقيين شبه العزل يبتكرون احياناً حيلاً في المقاومة الشعبية تجعل التنين الاميركي البريطاني في حالة ارتباك شديدة مثل التظاهر بالاستسلام ثم اطلاق النار بعدها على الغزاة. كما ان الجنود الغزاة جاءوا وهم متأثرون بما روجته الآلة الدعائية الغربية، مستندة الى خديعة كبيرة. عبر عن فحواها احد القادة العسكريين الاكراد ويقول: «ان هدير طائرة حربية اميركية واحدة كفيل بجعل افراد من الجيش العراقي على قمة احد التلال يتقهقرون رافعين اياديهم». هذا التصور المسبق عن شعب وجيش عراقي يرى في الجنود الاميركيين «محررين» ينبغي استقبالهم بالورود، يجعل كل اولئك الذين التقاهم الغزاة طوال سبعة ايام «ليسوا مدنيين»، فالجميع من المنظور الاميركي إما افراد من الجيش يختبئون وسط السكان او افراد من ميليشيا فدائيو صدام يلبسون زياً مدنياً. والمدني من وجهة النظر الاميركية هو الذي يرحب فقط بالغزاة اما ما عداه طفلاً كان ام شيخاً فلا يستحق غير القنابل العنقودية التي ذاقت منها البصرة كثيراً على امتداد الايام الماضية، او القتل اثناء الشراء من سوق مزدحمة (كما حدث امس في الاغارة على احد اسواق بغداد) او ارتكاب مذابح جماعية ضد طوابير طويلة من السكان بهدف ترويعهم ودفعهم الى ترك ديارهم كما حدث على مشارف النجف وكربلاء امس الاول وأدى الى مقتل 650 عراقياً بحسب المصادر الاميركية، وربما يكون العدد ضعف ذلك. ومما يرجح كون قتلى منطقة النجف مدنيين عدم وجود قتيل واحد او حتى مجرد مصاب من صفوف القوات الاميركية، مع احتفاظ الاميركان بوصف ما جرى على انه معارك طاحنة. وليس هناك اي تفسير لقيام جانب واحد في معركة بقتل 650 شخصاً من الجانب الاخر غير ان يكون المقتولون كانوا عزلاً تماماً من السلاح. يزيد من هذا الاحتمال ان رقماً كهذا من الضحايا لم يقع في مجمل القصف الاميركي الذي صب مئات الاطنان من المتفجرات على المدن الرئيسية عالية الكثافة السكانية ومنها بغداد والبصرة والموصل اضافة الى المواجهات الدامية التي شهدتها ام قصر والناصرية. وهذه المواجهات معارك كان فيها عدد الضحايا متساوياً تقريباً ما بين طرفي الصراع ان لم يكن اعلى على الجانب الاميركي ـ البريطاني بفعل النيران الصديقة، والاخطاء العسكرية التي يتبادلها الشريكان المعتديان. في نفس اليوم استولى مشاة البحرية الاميركية على مستشفى في مدينة الناصرية واسروا نحو 170 شخصاً زعمت اميركا انهم كانوا يقومون بتنظيم عمليات عسكرية.. حتى هذه الذريعة يمكن ان تنطلي على البعض، ولكن كيف تنطلي على احد ذريعة قصف احد اسواق بغداد. ويبدو ان معركة الناصرية التي ستظل لسنوات طويلة عالقة في اذهان الاميركيين وجعلتهم يغيرون استراتيجية الصدمة والترويع من ضربات جوية مكثفة تحدث ذهولاً وتركز على اهداف عسكرية وتمحقها الى مذابح ولترويع السكان المدنيين اعتماداً على الذرائع الاميركية الخاصة بفدائيي صدام وافراد الجيش العراقي الذين يرتدون ملابس مدنية. وبالتالي صف المدنيين واطلاق النار عليهم بالجملة لنشر الذعر في المناطق الاخرى التي يصلون الى مشارفها املاً في ان تستسلم المدن العراقية لهم. ومما يزيد الشكوك حول استهداف المدنيين ما نشر عن قيام خبراء عسكريين اميركيين بدراسة الاساليب التي استخدمتها سلطات الاحتلال الصهيوني في مخيم جنين اثناء مجزرة ابريل الماضي، ومن وجود ميل لدى وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد الى عدم اخذ اسرى.. هذه على الاقل كانت تعليماته للقوات التي غزت افغانستان وبناء على التعليمات تم قصف الاسرى بالطائرات في قلعة جانجي، وماتوا مقيدي الايدي والارجل. كما فضح فيلم وثائقي صورته وكالة الانباء الفرنسية الجنود الاميركيين واظهرهم وهم يطلبون التخلص من جثث الضحايا حتى لا تظهر في صور الاقمار الصناعية. هناك وجه قذر للحرب التي تدور رحاها في العراق.. فالضربات تشكل جحيماً على الارض والقذائف تلحق دماراً واسع النطاق.. لا تفرق بين مقاتل وطفلة بريئة. وعلى حد ما تصف هايد يماري وزيرة التعاون الاقتصادي الالمانية فإنه ليست هناك قنابل ذكية. القنابل دائماً غبية ومدمرة وقاتلة. ربما ان البعض يصدق الهذيان الاميركي السابق حول القيم والاخلاقيات وهو هذيان لا ظل له على ارض الواقع. فالجنود الاميركان يبدون وحشية منقطعة النظير والاسطول الجوي لجأ الى القصف السجادي في الحرب العالمية الثانية ضد مدن مكتظة بالسكان منها رودتردام الهولندية ودرسدن الالمانية وفي فيتنام ايضاً فعل نفس الشيء عام 72 ضد مدينتي هانوي وهايفوغ هناك معضلتان كل منهما تصب في اتجاه الاخرى.. الاولى ان المجتمع العراقي مجتمع لا يمكن فرزه وفق قواعد صارمة.. فهناك غير وحدات الجيش ميليشيات حزب البعث وفدائيو صدام ومقاتلو العشائر وكل افرادها مسلحون مدنيون يمثلون في نظر المجتمع الدولي مقاومة وطنية اذا وقع العراق تحت الاحتلال.. كما ان كل بيت عراقي لا يخلو من قطعة سلاح. الشيء الثاني ان اميركا بعدما لقيت من مقاومة عنيدة يبدو انها استراتيجية تقول «اذا لم تصب الهدف، وذهبت ذخيرتك دون جدوى فلا مانع من ان تكون وغداً قذراً كي تكسب المعركة». كلما لمحت احد جنود اميركا او بريطانيا يحفر في الارض العراقية يرد الى ذهني ان هناك جريمة حرب قد وقعت يراد اخفاءها. في السياسي كما في العسكري تختلط الوجوه.. وفي الظلام لا يسعك ان تميز بين شارون وبوش وبين موفاز ورامسفيلد كلهم على استعداد لفعل كل شيء.. وجرائم الحرب في العادة أول درجة في سلم افعالهم. مجدي شندي