الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 في إحدى مقابلات طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي مع التلفزيون السويدي قالت له المذيعة: لدينا في الغرب نكتة، تقول بأن الرئيس صدام سألك كم الساعة الان، فأجبته في الحال دون النظر الى ساعتك: كما تشاء سيدي، كل الاوقات لك. يمثل طارق عزيز لغزا كبيرا، فهو المسيحي الوحيد بين اركان القيادة القطرية، وهو المدافع العتيد عن النظام امام الغرب، وهو اكثر من تلاحقه الشبهات بالتعاون مع جهات غربية ومع ذلك ظل قويا ونافذا وعصيا على التصفية او الاقصاء. صباح امس تم تداول معلومات متناقضة في اوساط المعارضة العراقية تشير الى فرار نائب رئيس الوزراء العراقي من بغداد ودخوله منطقة كردستان العراقية، البعض وصل الى ما هو ابعد من ذلك قائلا: انه تعرض لاطلاق نار اثناء دخوله الى كردستان. ولان الشائعات وقت الحروب جزء من الحرب النفسية التي يشنها الخصم للارباك، فربما لايتعدى شائعة استهدفت تصوير القيادة العراقية وكأنها اصيبت بالذعر. لاشك ان هناك بعض الاقصاء حصل لطارق عزيز في الايام الاخيرة، وتقول معلومات انه طلب من الرئيس العراقي اتخاذ خطوة نحو الديمقراطية لسحب الذريعة من يد الغرب وان هذا تسبب في خلاف. عزيز الذي طالته شائعات عن فراره يبلغ من العمر سبعة وستين عاما، عمل عام 58 محررا بجريدة الجمهورية ثم مترجما للافلام في محطة تلفزيون بغداد وعام 72 اصبح وزيرا للاعلام ثم تولى منصب نائب رئيس الوزراء بين 79 و 83 واضيفت اليه حقيبة الخارجية حتى نزعت منه مؤخرا بعد الحكم بالسجن لمدة 20 عاما على نجله الاكبر زياد الذي ادين بتهمة استغلال النفوذ في عقد صفقات تجارية بين شركات اجنبية ومؤسسات حكومية. في ذلك الحين ترددت انباء عن اعتكاف نائب رئيس الوزراء داخل مزرعة يمتلكها بمنطقة النهروان غير ان سرعان ما عاد الى الاضواء بمقابلته البابا يوحنا بولس الثاني وعدد من القادة الاوروبيين منتصف الشهر الماضي، وهي المقابلة التي اكد البابا بعدها انه حرب العراق ستكون هزيمة للانسانية. الشكوك التي تحوم حول طارق عزيز قائمة منذ الستينيات، فالرجل لم يعتقل ولو مرة واحدة في حياته رغم التنكيل بالبعثين في بعض الفترات، وحينما تم توقيفه في سوريا قرر في الليلة الاولى لاعتقاله ان يعتزل العمل السياسي، حتى البعثيين انفسهم اتهموه بالتعاون مع مدير الامن اثناء الفترة من 58 ـ 63 وتسليمه معلومات بطريقة منتظمة، ونسخا من المنشورات التي كان مسئولا عن طباعتها، وفي نوفمبر 63 هرب الى بيروت اثر صراع مرير بين جناحين لحزب البعث بعدما ادرك ان الحكم يوشك على السقوط، وسقط الحكم فعلا بعد ان وصل الى فندق الريفيرا البيروتي بثلاثة ايام فقط، بعدما عاد عام 68 طلب من عبدالله سلوم وزير الثقافة والاعلام في حينه ان يتوسط له لدى الرئيس احمد حسن البكر حتى يعينه في الملحقية الصحفية بموسكو لكن البكر رد على وزيره قائلا: طارق ليس شخصا يستحق الثقة، انه انتهازي وارتباطاته الخارجية كثيرة ومريبه. خلال عام 1984 ذهب طارق عزيز لمقابلة الرئيس الاميركي ريغان كما اجتمع مع نائبه انذاك جورج بوش «والد الرئيس الحالي» وعاد ليتحدث عن حسن استقبال الاميركان له ونعومة تعاملهم معه وظن صدام ان الباب قد انفتح لعلاقات واسعة حتى اكتشفت المخابرات العراقية اشارات فسرها صدام بأنها دليل على خطة تعدها المخابرات الاميركية لقلب نظام الحكم عام 89. بعد زيارة عزيز لواشنطن تنبه السوفييت الى وجود تعاون وثيق بين الخارجية العراقية والادارة الاميركية وبلغ الشك السوفييتي بطارق عزيز الى حد قيام الـ «كي.جي.بي» برصد العاملين في مكتبه وتتبع اتصالاتهم ولقاءاتهم، وتوصل الجهاز الى ان هناك تعاونا بالفعل وان صورا من محاضر اجتماعات السفراء الاجانب في بغداد مع وزير الخارجية العراقي كانت ترسل تباعا الى وكيل المخابرات الاميركية في بغداد ومنه بحذر شديد الى مكتب اقليمي يرجح انه كان في القاهرة قبل ان تصل الى فرجينيا. ابلغ السوفييت فاضل البراك مدير جهاز المخابرات وقتها واتضح ان موظفة في مكتب عزيز اسمها اوديت متورطة في التجسس اضافة الى مهندس في الخارجية وحكم على الاولى بالمؤبد والثاني بالاعدام. وهناك مجموعة كانت مقربة من الحكم بينها عدي صدام وحسين كامل صهره المقتول اجتهدت في ملاحقة طارق عزيز لالتقاط خيط امني يفسر كثيرا من التصرفات الغامضة وساعدهم على ذلك ان واحداً من اقارب عزيز فر بطائرته الميج لاسرائيل قبل سنوات قليلة. وظلت المخابرات العراقية طوال عهودها باستثناء عهد برزان التكريتي ـ تتبع خيوط صلات طارق عزيز الخارجية. لاشك ان الصراعات الشخصية تلعب دورا في توجيه اتهامات كهذه. فعلى خلفية صراع بين طارق عزيز وعدي قامت وسائل الاعلام العراقية بشن هجوم حاد على سياسة العراق الخارجية واتهمت طارق عزيز بالفشل. كما كان عزيز على خصومة كاملة مع حسين كامل وزير التصنيع العراقي زوج ابنة الرئيس صدام. اذ كان يصفه بأنه واحد من البرامكة (وذلك لقربه الشديد من الرئيس صدام) ولم يسترح عزيز الا بعد ان تم قتل حسين كامل اثر هروبه إلى الاردن ثم عودته من جديد. ليست المرة الاولى التي تثور فيها شائعات حول هروب طارق عزيز اذ تكرر الامر نفسه عام 1994 بعدما ارسل المسئول العراقي اشارات متضاربة عن رغبته في مغادرة العراق وصعوبة لقائه بالرئيس صدام، وكانت هناك مخاوف فعلية من هروبه لدرجة ان الرئيس منع ان يكون مع عائلته في وقت واحد خارج البلاد. كان طارق عزيز اول مسئول عراقي يخترق الحظر الجوي على بلاده ويصل إلى العاصمة السورية على متن طائرة اقلته من بغداد مباشرة عام 20000، فهل اراد من روح الشائعة ان يكرر الامر نفسه ويكون اول من يهرب سعيا لاخلاء المسئولية؟. ام يكرر طارق عزيز نفسه بالفعل ويفعل نفس ما فعله عام 63 بعد ان يتأكد ان النظام سيسقط لا محالة بفعل العدوان الاميركي؟. في هذه الظروف كل شيء محتمل، حتى يخرج في مؤتمر صحفي ينقل من بغداد كما فعل تكذيبا لشائعات هروبه قبل سبع سنوات من الآن.. وقد كان