الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 تشاء الاقدار ان تكون المنطقة العربية ضحية دائمة لتفسير القرارات الدولية بطريقة ملتوية.. فقضية القرار 242 تكرر نفسها. مثلما ظلت اسرائيل تدور بالمنطقة في دائرة مفرغة اثر تفسيرها الخاص جدا للقرار الصادر عقب عدوان 1967 وتعطل كل مشاريع السلام في المنطقة، تدخل الولايات المتحدة العالم في دوامة جديدة بإقدامها على خوض حرب ضد العراق وفق تفسير خاص جدا للقرار 1441. دولة واحدة هي التي تتبنى التفسيرات الملتوية في كل مرة، اسرائيل في المرة الاولى واميركا في الثانية، الاراضي ام «اراضٍ» تلك الذريعة التي تمسكت بها تل ابيب لتحقق اغراضها و«عواقب وخيمة» الذريعة التي لاتجد الولايات المتحدة غيرها في مواجهة اجماع دولي على ضرورة العودة لمجلس الامن قبل اتخاذ قرار بالحرب او باستمرار عمليات التفتيش. ويبدو العالم برمته ونظامه الدولي بسبب ذلك على مرمى نيران اميركية تنسف دور المنظمة الدولية ضمن ما تنسف من اهداف داخل العراق ومنطقة الشرق الاوسط. فاعلان الحرب الذي خرق القوانين الدولية وجاء بشكل متفرد مخالفاً لإرادة مجلس الامن والشرعية الدولية، استند وفق التفسير الاميركي للقرار 1441 الصادر في 8 نوفمبر 2002 والذي اعاد المفتشين الدوليين لساحة العراق، وهو نفس القرار الذي استند اليه المعارضون للحرب على العراق. الانقسام على صعيد مجلس الامن بين الولايات المتحدة وحليفتيها بريطانيا واسبانيا من جهة، وبين المانيا وفرنسا وروسيا من جهة اخرى جاء نتيجة لمحاولات واشنطن الضغط على المجتمع الدولي من اجل اسقاط النظام العراقي والذي تمثل بأشكال عدة بدءا بالضغط على المفتشين ثم تقديم ادلة ثبت انها غير صحيحة واخيرا تقديم مشروع قرار جديد يخول استخدام القوة. الفريقان، دعاة الحرب ومعارضوها، استندوا الى القرار 1441 نفسه والذي ينظر اليه على انه سيف ذو حدين، فالاميركيون اتخذوا من ديباجته اربع فقرات محددة ذرائعهم، بينما استند الفرنسيون والروس الى نفس القرار الذي حدد نزع السلاح وليس غيره. ويلاحظ ان منذ البداية جاء فرض القرار على مجلس الامن ومحاولة الضغط الاميركي لاصداره والذي واجه معارضة وتدخلا فرنسيين لفرض التعديل عليه، خدمة لاغراض اميركية، فقد اراد الاميركيون ترسيخ معانٍ محددة تتيح لهم استخدامه كذريعة لشن الحرب يجهزون لها منذ زمن ليس قريبا. واستند الاميركيون اولا الى ان القرار جاء وفق الباب السابع والذي يخول استخدام القوة لتطبيق قرارات مجلس الامن بشكل عام، ثم جاءت ديباجة القرار والفقرات الاولى والثانية والثالثة عشرة والرابعة عشرة بشكل خاص لتشكل الهيكل الذي بنى عليه الاميركيون حججهم. ففي الفقرة الاولى نجد هناك اقرارا رسميا ودوليا بأن العراق كان ولايزال في حالة خرق مادي لالتزاماته المنصوص عليها في القرارات ذات الصلة وهو امر اصرت عليه واشنطن واستندت عليه في ما بعد في كل تبريراتها سواء للكونغرس او لشعبها او في مطالبها لمجلس الامن. كثفت الولايات المتحدة من ضغطها باستخدام اقرار دولي من ان العراق «لايزال في حالة خرق مادي» ولم تنظر الى نتائج التفتيش الدولي لانها لم تشأ ان تغادر الضفة التي تنطلق منها نحو حربها. وعززت الولايات المتحدة من منطقها ذلك بإعلان «فرصة اخيرة» وحددت تلقائيا زمنها رغم ان القرار خالٍ تماما من اي تحديد زمني لنهاية عملية التفتيش ولتحديد الامتثال بنزع السلاح فجعلت العالم برمته يسير على توقيت حسبته وفقا لمراحل حشدها العسكري واستعداداتها، وذلك يؤكد انها كانت تضمر النية بالحرب لكنها احتاجت لقرار دولي. ويزعم الأميركيون أن الفقرة الثالثة عشرة تعطيهم مبررا للحرب اذ نصت الفقرة على : ان المجلس حذر العراق مرارا وتكرارا من انه سيواجه عواقب وخيمة لانتهاكاته المستمرة لالتزاماته، فجاء شكل الفقرة ظاهريا وضمنيا على انه قرار دولي باستمرار انتهاك العراق لالتزاماته وان العواقب الوخيمة يجب ان تحل. تلك هي الذرائع والاسنادات التي استخدمتها الولايات المتحدة. والقرار 1441 لم يحدد مدة زمنية اطلاقا بل على العكس جعل التفتيش ازليا بطلبه تقديم العراق اعلانات للجان الرصد والمراقبة كل سنتين وفق الفقرة الثالثة، كما انه ابقى الباب مفتوحا بالفقرة الرابعة عشرة التي نصت على: «القرار يبقي المسألة قيد نظره». لقد اصر الاميركيون على ان صدور القرار 1441 بحد ذاته يخولهم قيادة حرب تم تخويلهم بها عام 1990 استنادا الى ديباجة القرار التي ربطته بالقرارات 678، 687، و 660 في «1990 ـ 1991» وهي قرارات صدرت متتابعة واتاحت استخدام القوة لتحرير الكويت فقط بينما اشترطت موافقة العراق على نزع اسلحته لوقف اطلاق النار. اليوم يقف مجلس الامن مشدوها من القرار الاميركي الخارج على شرعية الامم المتحدة التي رفضت اصدار قرار جديد يتيح استخدام القوة لم تجد له مبررا او مسوغا، وهو ما دفع واشنطن لاعلان الحرب بشكل منفرد وخارج اطار الشرعية الدولية وبدون موافقة مجلس الامن، كما انه يقف عاجزا عن اتخاذ اي اجراء معارض لحرب اميركا طالما بقي اعضاؤه عاجزين عن الرد او معارضة الحرب. فهل تنجح المنظمة الدولية في درء الحرب وفق منطق شرعيتها وميثاقها وهل ينجح معسكر السلام في وقفها في الساعات الاخيرة، ام ان واقعاً جديداً سيفرض بهذه الحرب يسقط كل القوى وكل المنظمات ويبقى منطقا واحدا سائدا هو منطق القوة المتفردة؟ ذلك ما ستؤشره الساعات القليلة المقبلة وهي ساعات حاسمة للنظام الدولي. ازمتا 242 و 1441 ازمتان متشابهتان، غير ان المعارضة للتفسير الاسرائيلي للاول، كانت في جوهرها عربية وضعيفة وغير قادرة على فرض وجهات نظرها، اما المعارضة لتفسير اميركا للثاني فهي تكتسب صفة دولية، وتقوم عليها دول قوية تصر على ان يكون لها دور وتأثير في المنظومة الدولية لذلك لم تتضرر المنظمة الدولية في المرة الاولى، اما تضرر مجلس الامن والامم المتحدة فهو محتوم هذه المرة. كتبت لهيب عبدالخالق: