السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 كأنه القول الفصل الذي جاء في توقيت حاسم ليقطع كل شك وليسد كل الطرق أمام اللاهثين وراء سراب السلام العادل الذي ستطوع بمنحنا إياه إسرائيل لو قدمنا المزيد والمزيد من التنازلات، جاء بحث علمي خطير ليكشف بجلاء السيناريو السوداوي الذي تخشاه إسرائيل وترفض بسببه كل مساعي السلام والتسوية. الكتاب الهام الذي استعرضته منذ أيام جريدة «هآرتس» بشكل موسع ضم 14 بحثا. خطورة البحث الجماعي تتضح من مجرد مطالعة غلافه فهو يحمل اسم «اليوم التالي لعصر السلام ليس المدينة الفاضلة». الأبحاث الأربعة عشر استشرفت الأوضاع المتوقعة في إسرائيل في أعقاب توقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين، واطلقت تحذيرات تبرر الخوف الإسرائيلي من السلام فقد نظرت لعصر السلام بصورة سوداوية تكشف أن المجتمع الصهيوني سيتضرر بشدة من السلام لذا يحاول بكل قوة أن يجهضه. الأبحاث انطلقت من فرضية أن السلام سيكون سلاما باردا وأن ثماره ستكون محدودة، بل ولن يؤدي لتغيير في المجتمع الإسرائيلي، لكن سيعمق «ظواهر سلبية» موجودة حاليا فيه. محرر البحث الجماعي، «ميرون بنفنشتي»، أكد في مقدمة الكتاب توقعه لما هو أسوأ حيث ذكر : ما نتوقعه بعد البحث أن السلام لن يكون باردا فقط بل أن الوصف الدقيق له هو «سلام الظًلمة» وهو السلام المتاح في منطقتنا. ما هي ملامح «سلام الظلمة»؟ كان هذا هو السؤال المحوري الذي دارت حوله الأبحاث وحاول الباحثون أن يجيبوا عنه كما يلي: ستظل إسرائيل في حاجة لقوتها العسكرية، وستمنح صلاحيات واسعة للقادة في حالات الطواريء، وسينطلق «عرب إسرائيل» «فلسطينيو ال48» في نضال مطالبين بالمساواة، الدولة الفلسطينية ستظل متعلقة ومرتبطة بإسرائيل، سيزيد بالفعل حجم الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل لكن ستتفاقم معها مشاكل العمالة الأجنبية من ناحية والبطالة من ناحية أخرى. التلوث البيئي سيتفاقم بشكل خطير، الفروق بين الطبقات الاجتماعية «الناتجة عن العنصرية» ستتعاظم، وسيتنامي التشرذم والانقسام على خلفيات دينية وطائفية وقومية. الاحتفاظ بأسلحة الردع الباحثون وجميعهم أكاديميون حاصلون على ماجستير أو دكتوراه» أعمارهم تتراوح بين 30 و50 سنة «حذروا بشكل مباشر من احتمال نشوب حرب أهلية في إسرائيل في حالة التوصل لاتفاق سلام مع الفلسطينيين، فعلى سبيل المثال ذكر دانيال لويز (31 عاماً) حاصل على ماجستير في الاستراتيجيات الأمنية من جامعة تل أبيب ثم سافر لإعداد الدكتوراه في الولايات المتحدة: السلام البارد هو نقطة إنطلاق يجب أن نصل بعدها للسلام الدافيء، لكن حتى نصل لهذه المرحلة يجب أن تحتفظ إسرائيل بقوة رداعة تؤمنها. الارتكاز للقوة وفقا للباحث الإسرائيلي لن ينطلق فقط من فقدان الثقة،لكن سينطلق كذلك من حالة عدم الاستقرار الدولي والإقليمي المتوقعة! وبسبب الأهمية الفائقة للقوة ـ والكلام لايزال للباحث ـ يجب تدعيم الجيش الإسرائيلي مع إعادة انتشار قواته بشكل جديد، وبناء قواعد عسكرية بديلة والاعتماد على أسلحة متقدمة ومعدات إنذار مبكر مع الاعتماد بشكل أكبر على الاستخبارات وهو ما يعني في النهاية زيادة ميزانية الجيش والأمن في إسرائيل عما عليه الآن! وذلك على عكس ما يتوقعه الكثيرون الذين ينتظرون عصر السلام حتى يحصدوا أولى ثماره ألا وهي توجيه ميزانيات الدفاع الضخمة لقطاعات أخرى في المجتمع مثل التعليم والتشغيل والتنمية ناهيك عن توقعه عدم خفض الضرائب أو خفض فترة الخدمة العسكرية الإجبارية. الباحث شرح ما كتبه في بحثه بقوله للجريدة الإسرائيلية: الحديث حول حلوى السلام التي سيتم تقسيمها على شرائح المجتمع انطلق من معسكر اليسار في إسرائيل وقد ثبت بالبحث أنه لن يتحقق وأنا أقول هذا على الرغم من أنني من أنصار معسكر اليسار. النتائج الإيجابية الوحيدة ستتمثل في خفض نفقات الاحتلال وتحسن وانتعاش الاقتصاد بشكل طفيف. الباحث أكد أن ميزانية الجيش لن تنخفض بل ستزيد لكن سيزيد بشكل مواز الدخل العام لإسرائيل. الباحث طالب في هذا الإطار بحصول إسرائيل على مساعدات إضافية من الدول الغربية لإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي! الدراسة توقعت في النهاية أن يقل نفوذ الجيش الإسرائيلي في المجتمع بشكل تدريجي. لا لحقوق الإنسان! البحث تطرق للنواحي القانونية في إسرائيل من خلال دراسة ل«إيلان سابان» «44 سنة متخصص في الدراسات القضائية» حاول فيها أن يستشرف التشريعات القانونية المتوقعة في عهد السلام فقال: على الرغم من أن إسرائيل ستبدو أكثر ديمقراطية بعد أن تكف عن احتلال شعب آخر إلا أن التشريعات التي تمنح الأولوية للأمن وتتعارض مع حقوق الإنسان لن تلغى طالما لم تتحقق مصالحة تاريخية بين الشعوب. الباحث توقع استمرار سياسات العقاب الجماعي واستخدام القوة بشكل قاتل مع الاعتقال الإداري بدون محاكمة لكنه عبر في نفس الوقت عن قلقه من المبالغة في هذه السياسات في ظل وجود المحكمة الجنائية الدولية. كما حذر أيضا من رفض المعارضة الفلسطينية لاتفاقية السلام «التي توقع أن تقوم على أساس اقتراحات كلينتون في كامب ديفيد» ومقاومة قوى دينية يهودية متطرفة للحكومة الإسرائيلية بشكل مسلح لإفشال الاتفاق. حجم المعارضة والإرهاب اليهودي المسلح ـ حسب وصف الباحث ـ للاتفاق سيتماشي مع نسبة تأييد اليهود للاتفاق منذ البداية على أن يكون مرتكزا على أغلبية يهودية وليس على تأييد فلسطينيي ال48. الباحث توقع أن تنطلق المعارضة اليهودية المسلحة للاتفاق من ترديد مقولة عدم شرعية الاتفاق والحكومة الإسرائيلية التي أقرته لعدم ارتكازه على أصوات اليهود فقط. نتائج دراسة الدكتور «هليل كوهين» أتت متسقة مع التوقعات بشأن إرهاب يهودي عنصري من شأنه أن يتحول لحرب أهلية فقد كتب عن أوضاع فلسطينيي ال48 في عهد السلام: لن يرضى عرب إسرائيل بأن تغبن حقوقهم بينما أقر السلام في المنطقة واستطاع أشقاؤهم في غزة والضفة الحصول على دولة وإقامة مؤسساتها، لذا سينطلقون يناضلون حتى لا يظلوا للأبد يعانون من الاضطهاد والعنصرية.أ ما دكتور نيرون حشاي المحاضر في إدارة الأعمال بالجامعة العبرية بالقدس (37 سنة) فكتب بحثه عن «السلام البارد والبيئة الاقتصادية في إسرائيل» فذكر: حقا سيكون لعصر السلام ثمار إيجابية لكنه في المقابل سيتسبب في مشاكل خطيرة، نتوقع بعد انتهاء الصراع ازدهار حذر على مستوى البورصة، وعلى مستوى الاستثمارات الأجنبية وفي مجال السياحة، لكن في المقابل لن تقل النفقات العسكرية.