السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 أصبحت تجاوزات إسرائيل ضد الصحفيين والإعلاميين مثار انتقاد دوائر واسعة ومؤثرة في العالم الأمر الذي واكبه جدل حول جدوى تلك الإجراءات الإرهابية، القمعية المكشوفة وضررها البالغ على إسرائيل. «هآرتس» اعترفت بأن التعسف ضد الإعلاميين الغربيين تجاوز كل حدود وكشفت عن تفاصيل أحدث تلك الإجراءات التعسفية. آخر من تعرض للمضايقات الإسرائيلية هو جيف رجينس مراسل شبكة «أن بي سي» الشهيرة الذي ابلغته السلطات الإسرائيلية مؤخرا بأنه معرض للطرد باعتباره يعمل بدون تصريح، وذلك بعد رفض الحكومة الإسرائيلية تجديد تصريح إقامته بعد قرابة سبعة أعوام متصلة قضاها في إسرائيل. اصطياد جيف تم عندما حصل على تأشيرة زيارة لمصر لمدة شهر، وبعد انتهاء إجازته ومحاولته العودة لإسرائيل رفضت السلطات الإسرائيلية السماح له بالدخول وظل في مصر لثلاثة أيام أخرى استطاع فيها أن يجري اتصالات رفيعة المستوى لم تسفر سوى عن السماح له بالدخول لجمع متعلقاته ثم مغادرة إسرائيل نهائيا، وعن هذا التعنت قال مارتن فلاشر مدير مكتب «ان بي سي» في إسرائيل : ما تقوم به السلطات الإسرائيلية جنون حقيقي فمراسلنا يعد من أفضل المصورين في العالم. ولم أصدق نفسي في البداية لكن اتضح فيما بعد انهم يريدون التحكم في أفواهنا وكان مصورنا هو أول الضحايا. حجج عنصرية وفاء عمار، الأردنية التي تعمل لصالح وكالة «رويترز» منذ نحو ثمانية أعوام مهددة أيضا بالطرد بعد رفض طلبها تجديد التأشيرة. داني سيمان المسئول عن متابعة أنشطة المراسلين رفض التدخل،وبمناقشته اتضح أنه وراء الاتجاه لطرد المراسلين مؤكدا انه تم تتبع ما يبثونه من تقارير وخلصنا لقرار بأنهم معادون لإسرائيل خاصة «وفاء» التي نرى انه من الأفضل لنا أن تبقى في الأردن. عنصرية إسرائيل وراء الإبعاد الذي تم التخطيط له منذ بضعة أشهر عندما تم استدعاء المراسلين العرب للقدس للقاء مع بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، وعندما توجهت المراسلة «وفاء» فوجئت بعمليات تفتيش مهينة قبل التصريح بدخول مكان الاجتماع فقررت بعد استشارة المسئولين في وكالة «رويترز» التي تعمل لصالحها أن تنسحب وترفض لقاء وزير الدفاع خاصة وأنها ذات سمعة طيبة وتنتمي لعائلة كبيرة لها فروع في رام الله. «وفاء» ابلغت المسئول عن تنظيم اللقاء «داني سيمان» بقرارها وأسبابه ولذا اضمر في نفسه التخلص منها بزعم انها ليست صحفية وأنها جاسوسة لصالح الأردن! تضييق واتهامات تجاوزات إسرائيل ضد «وفاء» دفعت وزير الإعلام الأردني مروان المعشر والسفارة الأردنية في تل أبيب للاحتجاج على هذه المعاملة. وصرح مدير مكتب «رويترز» في إسرائيل: نحن لا نعتقد ان الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع الإعلام الأجنبي ستفيد وتحسن من صورة إسرائيل أمام العالم. ونحن ننكر أية تجاوزات منسوبة ل«وفاء» فهي إعلامية محترفة على أعلى مستوى. مشيراً إلى تضييق إسرائيل على عمل المكتب. وقال: أصبح عملنا غاية في الصعوبة وقد تم منعنا عدة مرات من تغطية أحداث مهمة «بطريقة متوازنة»! المثير للسخرية ان الإسرائيلي الوقح داني سيمان أصر على تجاوزاته وقال عن وفاء: إنها تبث الأكاذيب وتثير مشاكل. ولهذا من الأفضل أن تمارس هذا الأسلوب في الأردن ولا تأتي وقد رفضنا منحها تأشيرة عمل، ومع هذا فقد ابلغنا السفارة الأردنية أننا سنتجاوز عن القانون الإسرائيلي وسنسمح لها بالبقاء لستة أشهر لو وافقت على أن تثبت لنا أنها ستساند مواقف إسرائيل! الأغرب أن المسئول الإسرائيلي اعترف بأنه لا توجد أية شكوك أمنية تحوم حول «وفاء». ثلاثة أقسام تقرير الصحيفة الإسرائيلية أوضح أن تغطية وقائع الانتفاضة تم من خلال 6 آلاف عملية دخول وخروج لصحفيين أجانب على مدار العام الماضي هذا بالإضافة لوجود 350 مكتباً إعلامياً في إسرائيل يعمل بها نحو 800 صحفي وألفي موظف وعامل، كما اعترف بأن استخراج بطاقات هؤلاء الصحفيين والإعلاميين يتم من خلال مكتب الصحافة الحكومية في إسرائيل والذي يرأسه «داني سيمان» ومن المفترض أن من مهامه تسهيل عمليات الحصول على تأشيرات الدخول والخروج وتقديم التسهيلات للصحفيين! إسرائيل تقسم الصحفيين الاجانب لثلاثة أقسام الأول هم الذين يأتون لتغطية أحداث بعينها ثم يغادرون إسرائيل، والثاني يقيم في إسرائيل منذ سنوات ويحمل جواز سفر إسرائيلياً، أما القسم الثالث فهم الفلسطينيون الذين يتم التعامل معهم على أنهم أجانب لمجرد عملهم لصالح وكالات غير إسرائيلية. المتطرف سيمان تم اختياره للتضييق على الصحفيين الأجانب في أعقاب اندلاع الانتفاضة بوقت قصير بعد أن كان موظفا صغيرا وهو يبلغ من العمر (41 عاما) وقد وضع لنفسه هدفين الأول هو منع المراسلين الفلسطينيين المقيمين في الضفة أو غزة من تغطية أحداث الانتفاضة لصالح وكالات أجنبية وطرد المراسلين الأجانب بمنع تاشيرة البقاء في إسرائيل عنهم. سيمان قرر أيضا أن يمنع الفلسطينيين من مراسلة وكالات الأنباء المتعاقدة معهم، باستثناء ثلاثة منهم تحوم حولهم شبهات، الأمر الذي دفع وكالات الانباء للاحتجاج القوي فما كان من سيمان إلا المراوغة حيث أبلغ وكالات الأنباء بقبوله حل وسط يتمثل في منح نسبة من المراسلين الفلسطينيين تصاريح تتيح لهم ممارسة عملهم «نحو 80 مراسلاً» مع الاقرار بمنع بقية المراسلين من مزاولة أعمالهم، والمثير للحنق أن السلطات الإسرائيلية لم تنفذ في النهاية هذا الاتفاق. السلطات الإسرائيلية بررت موقفها العنصري المتعارض مع أبسط قواعد الحرية والديمقراطية بقولها: الإعلام الفلسطيني الرسمي يحرض ضد الإسرائيليين، لذا من غير المنطقي أن نمنح المراسلين الفلسطينيين تصاريح للعمل، وقد أكد المستشار القانوني للحكومة بأن هذا قرار سليم لذا تم تشكيل لجنة من إدارة الإعلام والشئون المعنوية في الجيش الإسرائيلي ومكتب رئيس الوزراء شارون، ووزارة الخارجية لمعرفة المردودات الإعلامية والسياسية من هذا الإجراء وقد أقر كل هؤلاء المسئولون منع المراسلين من ممارسة عملهم، لكننا في المقابل نسمح لبعض المحطات بممارسة عملها ومنها محطة الجزيرة القطرية! وعود كاذبة مدير مكتب محطة تلفزيونية فرنسية في تل أبيب ويدعى جان مارك فيليب، كشف من جانبه أنه في أعقاب رفض السلطات الإسرائيلية لشهور استخراج تصاريح عمل لمصورين ومعدين فلسطينيين يعملون لصالح المحطة توجه بنفسه لسيمان وحاول مناقشته وتذكرته بوعود سابقة قطعها على نفسه إلا أن المسئول الإسرائيلي قال له في وقاحة: الفلسطينيون يهاجموننا ونحن نقتص منهم حتى ولو كانت تحريات المخابرات الإسرائيلية قد أثبتت أنه لا توجد للمراسل أنشطة «تخريبية»، على حد زعمه، نحن لا نريدهم ولن نمنحهم بطاقات لممارسة عملهم الإعلامي. جان مارك أكد للجميع أن المراسلين الفلسطينيين الذين يعملون معه منذ سنوات لم تصدر عنهم أية مشاكل من قبل وأنهم على الرغم من تعاطفهم مع معاناة شعبهم الفلسطيني إلا أنهم يقدمون خدمة إعلامية صادقة وبشكل محترف. ورداً على السؤال هل يلون هؤلاء المراسلون الأخبار قال الإعلامي الفرنسي: أولا المراسل لا يقوم بأية خطوات إلا بعد الحصول على إذن من مدير المكتب، ثانيا نحن اختبرنا المراسلين كثيرا قبل أن نثبتهم في مواقعهم، وهم لا يحصلون على معلومات من طرف واحد ويسارعون عند اكتشافهم بث أي خطأ بالاعتراف به وتصحيحه. المثير للسخرية أن الصحيفة الإسرائيلية واجهت المتطرف سيمان بهذه الحقائق فما كان منه إلا أن قال : الفلسطينيون يستغلون الإعلام الغربي لصالحهم بلا أخلاق ولدي نسخة من كتاب تدريبي للمراسلين الفلسطينيين الجدد يثبت ذلك.الصحيفة الإسرائيلية نفت هذا الاتهام وقالت ان مضمون الكتاب يدل على عكس اتهامات سيمان. فهو ينصح المراسلين بالتزام الحيدة والصدق والأمانة، التقرير الإسرائيلي اتهم سيمان بأنه ينسب للفلسطينيين أموراً غير منطقية في التغطية الإعلامية . تقرير يسخر التقرير الإسرائيلي سخر أيضا من ارييل شارون لرده على الإعلاميين الذين اشتكوا من سوء المعاملة بالحديث عن جمال الطبيعة واعتدال المناخ. وطالبه بالكف عن المراوغة واتخاذ خطوات من شأنها تحسين صورة إسرائيل أمام العالم بدلا من إثارة عداء الإعلام العالمي، كما اعترفت مصادر إسرائيلية بأن هناك مراسلين تم اعتقالهم بدون محاكمة أو تحقيق وبعد شهور اضطرت سلطات الأمن للإفراج عنهم. عمليات الإرهاب الإسرائيلي وتكميم الأفواه تتم بالتوازي مع مضايقات الجيش الإسرائيلي لمعظم المراسلين حيث تحتجزهم لساعات طوال عند الحواجز الأمنية وترفض دائما السماح لهم بالمرور بسياراتهم الواقية من الرصاص وتأمرهم بدخول مناطق الاشتباكات مترجلين. والأخطر هو وقوع 40 حادثة إطلاق نار على المراسلين من قبل الجيش الإسرائيلي. والهدف هو منع المراسلين حتى من تصوير معاناة الفلسطينيين ومظاهر الفقر الناجم عن الحصار الإسرائيلي المستمر. المضايقات تضمنت أيضا فرض مبالغ ضخمة على المراسلين كضرائب وغرامات بحجة حصولهم على رواتب أكبر من المسجلة في عقود تشغيلهم.