الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 امين هويدي واحد من شهود العيان على اهم الاحداث التي شهدتها مصر والمنطقة العربية في اخطر فتراتها التاريخية. شغل هويدي منصب رئيس جهاز المخابرات العامة ووزير الدفاع، ووزير الارشاد القومي وقبلها سفيراً لدى بغداد والرباط وأحد الضباط الصغار في حركة الضباط الاحرار، الحلقات التالية مقتطفات من كتاب يصدره قريباً مركز الاهرام للترجمة والنشر بعنوان «50 عاماً من العواصف.. ما رأيته قلته». ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة بعد كل هذا المشوار الطويل، والكفاح المرير، وجد الوزير نفسه في غياهب السجون... أبو زعبل والقلعة والحربى... يحاكم بتهمة الخيانة العظمى... خيانة من؟ ولم هي عظمى؟ وهل هناك خيانة عظمى وأخرى غير عظمى؟ تماما كالموت الزؤام... هل هناك موت زؤام وموت غير زؤام؟! سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله!!! بلادى وإن جارت على عزيزة وأهلى وإن ضنوا علي كرام، كان الوزير واحدا من ضحايا الصراع على السلطة ولم يكن شريكا في ذلك الصراع. السلطة في العلالى وطريق الصعود إليها طويل وخطير، والصمود فوق قمتها الباردة صعب وغير مضمون. أما السقوط منها فطريقه قصير نهايته تقود إما إلى مجاهل النسيان، وإما إلى غياهب السجون، وإما إلى حبال المشنقة، وإما إلى متربصين ينهون الأمر بطلقة غادرة. قمة السلطة ضيقة أضيق من سم الخياط، لا تتسع لكثيرين... تتسع فقط للقلة... ولكن طلابها كثيرون يتزاحمون، والكتف الأقوى تزيح الكتف الأقل قوة... ويسقط كثيرون لا يجيدون ممارسة اللعبة، إذ تحتاج إلى خبرة ومكر ودهاء وربما في كثير من الأحيان إلى تجاهل القواعد الأخلاقية... وممارسة السلطة خاصة عند القمة لها قواعدها المعروفة: ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل مصلحة دائمة. لا تثبت على لون واحد فالأبيض اليوم أسود غدا والأسود اليوم أبيض غدا، اللين ممنوع حتى لا تعصر والجمود ممنوع حتى لا تكسر، أصحاب الفضل قريبون حتى أداء المهمة وإذا انقضت يبعدون إما بركلة إلى أعلى وإما بضربة إلى أسفل، أصحاب الولاء قريبون إلى حين وعليهم السير بأذن واحدة حتى لا يسمعوا كل شئ وبعين واحدة حتى لا يروا كل شئ... ولست أدرى لماذا يلح على ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن علاقة المثقف بالسلطة، فهو يصور إلى حد ما جانبا من الصراع الذي يحدث في مجالها، يقول: سأعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره، إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشد من الحاجة إلى صاحب القلم، لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منفذ للحكم السلطانى والسيف شريك في المعونة. كذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتها. أما في وسط الدولة، فيستغنى صاحبها بعض الشيء عن السيف، لأنه قد تمهد أمره ولم يبق همة إلا في تحصيل الثمرات من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الأحكام، والقلم هو المعين له في ذلك فتعظم الحاجة إلى تصريفه، وتكون السيوف مهملة في أغمادها إلا إذا أنابه نائبة أو دعيت إلى سد فرجة وما سوى ذلك فلا حاجة إليها، فيكون أرباب القلم في هذه الحالة أوسع جاها وأعلى رتبة وأعظم نعمة وثروة وأقرب من السلطان مجلسا وأكثر إليه ترددا وفي خلواته تحيا، لأنها حينئذ آلته التى بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه والنظر إلى أعطافه وتثقيف أطرافه والمباهاة بأحواله. هذا يحدث دائما في عالمنا الثالث ونحن إحدى دوله. فنقل السلطة لا يتم إلا عن طريق سعزرائيلس بفعل القدر أو بفعل البشر لعدم الوعى بالمفهوم الصحيح للسلطة... هل هي هدف؟ أم وسيلة؟ إذا كانت هدفا- وهي في غالبية الأحوال كذلك- مالت إلى الخطأ الذي يتحول بمرور الأيام إلى خطيئة، وربما إلى بحور من دماء بين الأخوة والرفاق يضحى فيها بالصداقة والزمالة، ويصبح عدم التعامل بالقواعد الأخلاقية قاعدة لا غرابة فيها... وقد تحدث عن ذلك نيقولا ميكيافيلى في كتابه سالأميرس، الذي لا شك أن نسخة منه قابعة تحت وسادة كل أمير، بل وفي أغلب الأحوال نجده وقد أضاف إليها. أما إذا كانت وسيلة لتحقيق أهداف بعينها، فالأمور تميل حينئذ إلى مسالك الفضيلة ونكران الذات، بما تحدث به أفلاطون وأرسطو وسقراط ومن تبعهم وهم يحاولون بناء المدينة الفاضلة... وهي مدينة لا تبنى إلا في الأوهام فنحن بشر ولسنا ملائكة. أهم من كل ما قيل سابقا أن الحاكم لا يعمل برجال غيره ولكنه يفضل أن يعمل برجال من صنعه... ربما يعمل بمطبخ الحاكم السابق إلى حين حتى يتمكن. وهنا لا بد من التغيير... فهو لا يحب من له فضل عليه- كحالنا مع السادات، ويحب من يغرقه هو بفضله، وحتى هذا يكون إلى حين- مثال الليثى ناصف ومحمد صادق وهيكل مع السادات... كنت أدرك كل هذا حينما انتقل عبد الناصر إلى جوار به، الأمر الذي لم يدركه آخرون، خاصة أن التجربة كانت مجسدة أمام الجميع ولكن لم تكن هناك رغبة لتعلم الدرس. صراع مرير قام بثورة 23 يوليو 1952طليعة ثورية من البشر تريد أن تحقق التقدم والخير للشعب ولمصر العزة والسؤدد، ولكنها وهي تجتاز الطرق الصعبة فرض عليها صراع مرير مع غيرها. وهذا لم يمنع خوضها صراعا مريرا في داخلها بين صناعها وحراسها، لم يكن كله لاختلاف المبادئ ولكن كان في أغلبه سعيا وراء القوة والسلطة. وصل الصراع أحيانا إلى حد تحديد إقامة رئيس الجمهورية محمد نجيب طوال 20 عاما. وترك الصراع يتراكم حتى وصل إلى حد انتحار نائب رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة عبد الحكيم عامر... وغير ذلك كثير... والصراع على السلطة كان موجودا قبل الثورة بأساليب تتفق مع الأوضاع القائمة وقتئذ، لدرجة الاستعانة بالسفير البريطانى اللورد كيليرن لفرض سلطة يريدها. والصراع على السلطة وجد بعد قيامها حتى وفاة عبد الناصر بأساليب اتفقت مع الأوضاع المتغيرة. والصراع على السلطة وجد بعد ذلك ربما بطريقة ظاهرة وربما بطريقة مستترة... ولكنه موجود... والصراع دائما يتم بين إرادات... إرادات واعية قادرة وإرادات عاجزة جاهلة... كان السادات يعرف ما يريد، فقد حدد هدفه ومارس اللعبة بخبرة سابقة اكتسبها من كفاحه قبل الثورة. وقد يسر مهمته أنه واجه إرادة مفتتة غير واعية لا تنظر أمامها إلا لفتات تلقى لها على الأرض فتنحنى الرؤوس لالتقاطها أو بعض منها... هذه الإرادة المفتتة هي التى أطلق البعض عليها خطأ سمراكز القويس... وهي قوى ليس لها إرادة، كل همها كان تحقيق مصالح ذاتية بالحصول على أماكن السلطة، حتى وإن تم ذلك على جثث من كانوا أشقاء وزملاء، غير مدركة أن الطريق إلى السلطة يتصف بالوعورة ويحتاج اجتيازه إلى خبرة ومهارة وإقدام. وليس أدل على ذلك من أن التنظيمات العلنية والسرية التى ثبتت عبد الناصر بعد قراره بالتنحى يومى 9، 10 يونيو بعد الهزيمة النكراء، لم تحرك ساكنا وهم يتهاوون ويتساقطون ويكنسهم السادات «بالمقشة»، على حد تعبير محمد حسنين هيكل الذي كتب يتشفى فيهم في مقالاته بعد أن قفلت عليهم وعلينا أبواب السجون. الصراع على السلطة إذن شئ طبيعى. وما حدث بعد وفاة عبد الناصر، وربما قبل نقل جثمانه إلى مقره الأخير، كان صراعا على السلطة وصل إلى قمته الحرجة في 15 مايو 1971، ودار في أيامه الأولى داخل «الربع» الواحد من الزملاء والرفاق. كان الصراع مقيدا داخل القمقم أيام الرئيس والزعيم، وحينما فتح غطاء القمقم بعد موته، انطلقت الرغبات المكبوتة والأطماع المحبوسة لا تلوى على شئ وبدون حدود. ثم دار بعد ذلك بين السادات وجماعته من جانب، وبين من عرفوا بعد ذلك بمراكز القوى من جانب آخر... حتى حسمه السادات بضربة متوقعة حينما جمع الكل في حزمة واحدة وقذف بها في سجن أبو زعبل في أول الأمر، ثم إلى سجن القلعة الرهيب والذي حدثت في أرجائه مذبحة المماليك أيام محمد على باشا الكبير، ثم بعد ذلك في السجن الحربى وقرة ميدان. ولا يجوز أبدا أن ينكر البعض أن صراعا حدث، أو يصوروا الأمر على أنه لم يتعد خلافا في الرأى استغله السادات للانفراد بالسلطة، فتغدى بهم السادات قبل أن يتعشوا به. وقد جعل هذا الصراع الأخ شعراوى جمعه يوقفنى بعد الإفراج عنه، ونحن نتأهب لدخول ضريح السيدة زينب لصلاة الظهر، ليقول لى: «أكبر خطأ ارتكبته في حياتى أننى تصارعت معك»، وجعله يقول بعد ذلك حينما زارنى في منزلى: «إن كنت تعد شيئا فأنا على استعداد للعمل تحت قيادتك». وقفة أمام «مراكز القوى» فهو في حالتنا اسم على غير مسمى... أى حكم ديمقراطى لا بد أن تتعدد فيه مراكز القوى مما يؤثر في صناعة القرار وإصداره، أما إذا انتهي الأمر إلى مركز قوة واحد فإن هذا هو الحكم الشمولي... مراكز القوى حينئذ تكون مراكز ضاغطة على صاحب القرار وهذا مطلوب ومرغوب... لأن الديمقراطية أولا وأخيرا هي ألا ينفرد صاحب القرار بقراره... في أميركا الكونغرس بمجلسيه مثلا مركز قوة، الحزبان الجمهوري والديمقراطي مركزا قوة، الصحافة وأجهزة الإعلام بأنواعها مراكز قوى، النقابات والجماعات غير الحكومية مراكز قوى، الرأى العام مركز قوة... لماذا؟ لأنها تؤثر على اتخاذ القرار وتشكيله قبل إصداره، بل وتعيد تشكيله بعد ذلك إذا تطلب الأمر القيام بالتغيير... في الوقت نفسه لا يعد وزير الدفاع أو الداخلية أو رئيس المخابرات المركزية أو مدير المباحث الفيدرالية أو وزير الخارجية مراكز قوى لأنهم ليسوا كذلك... وقت انهيار النظام القائم في 15 مايو 1971 كان صاحب القرار لا يقبض على ناصية الأمور، إذ كانت خارج متناوله... القوات المسلحة وأجهزة المخابرات وآليات الأمن والتنظيم السياسى والنقابات... الخ كلها بعيدة عن متناوله، بل كان على رأسها كبار الطرف الآخر في المعادلة، ورغم ذلك حدث ما حدث؟!! فكيف نطلق عليهم «مراكز قوي»؟ التسمية خطأ، إذ لم يكونوا كذلك... كان هناك صراع بين إرادة تعرف طريقها وإرادة لا تعرف وقع أقدامها. ولكن أليس غريبا أن أتحدث هكذا والكثيرون يظنون أننى كنت واحدا من هؤلاء؟! الذين لا يطلعون على حقائق الأمور يظنون ذلك، ولكن الذيين يعرفون طبيعة العلاقات لا يقرون هذا الظاهر... وكان الرئيس السادات ممن لا يعرفون حقائق الأمور وطبيعة العلاقات قبل أن يقفز إلى كرسى السلطان، ولعله تأكد من ذلك بعد فوات الأوان لأنه لم يقبض علي في أحداث سبتمبر 1981 بعد ذلك. ولا أنسى أبدا ما قاله على صبرى وهو في الزنزانة في سجن أبو زعبل حينما رآنى وهم يتجهون بى إلى الزنزانة رقم: 8 «الله وأمين هويدى ماله؟ ده الرجل عاوز يحاكم عهد وليس جماعة»... كان يجمعنى مع بعض هؤلاء طبيعة العمل وتكاليف الرئيس بحكم مناصبنا ومسئولياتنا. ولذلك لم أكن في السلطة يوم الأحداث، إذ كنت خارجها بتدبير الكبار منهم قبل ذلك بشهور... كانت المسئوليات التى شرفنى بها الرئيس عبد الناصر كمستشاره السياسى ثم كسفير ثم كوزير لأكثر من وزارة أهمها وزارة الدفاع وكرئيس للمخابرات العامة في نفس الوقت، وكعضو في جماعة العمل اليومى، ثم تكليف الرئيس لى بتشكيل الحكومة بعد ذلك في أكتوبر 1967. تولى هذه المسئوليات أثار الحقد والضغينة لدى البعض، وشكل الرقم الصعب بعد ذلك عند إجراء الحسابات المعقدة عند بناء الهيكل الجديد للسلطة بعد وفاة الرئيس، خاصة وقد كنت ألح أن طريقة عملنا مع السادات إن اشتراكنا في الوزارة مختلف تماما عن عملنا مع الرئيس عبد الناصر... هذا لا يمنع البتة صداقتى للكثيرين، ولكن يجب ألا تحول هذه الصداقة في الوقت نفسه دون قول الحقيقة... وقول الحقيقة ثقيل على النفس ويغضب الآخرين، إذ يجسدهم كما هم وليس كما يظهرون على المسرح برتوش ومكياج... كنت لبعضهم صديقا وزميلا ولم أكن فردا في حزب أو جماعة. هناك حقيقتان لابد أن نقر بهما: الحقيقة الأولى هي أن انتصار الرئيس السادات في أحداث 15 مايو 1971 كان لصالح مصر، إذ كان أقدر على مواجهة الظروف الصعبة التى كانت تمر بها البلاد سواء في الداخل أو الخارج، وكان في نفس الوقت أكثر حكمة وإدراكا وهو ينتقل بمصر نقلات تواءمت مع التغيرات التى كانت تحدث من حولنا... فرضى بالانتصار الناقص بدلا من استمرار الهزيمة الكاملة، وجنب البلاد تورطها في قتال كانت خططه الموضوعة ناقصة، واختار الوقت السليم والقيادة المناسبة. الحقيقة الثانية، هي أن الأخ العزيز المرحوم شعراوى جمعة هو المسئول عن هزيمة جماعته بعد وفاة الرئيس لحساباته الخاطئة للوصول إلى السلطة المرغوبة، فهناك فارق بين الرغبة الموجودة والقدرة المتاحة... تعطشه لرئاسة الوزارة فاق صداقاته مع آخرين، فلم يعد يميز بين الصديق والعدو... وكذلك تجاوز قدراته الحقيقية، فهو رجل منفذ من الدرجة الأولى وكان يكتسب قوته من الآخرين... وفي الوقت نفسه جعله تعطشه هذا يسرع الخطى فتعثر... قال لى الرئيس ياسر عرفات حينما كان يزورنى في منزلى في مايو 1971 مع كل أفراد قيادته الأحياء والأموات: إنه قادم من زيارة «هيكل» في منزله وقد قال له: « إن شعراوى يتعجل جدا للوصول إلى ما يريد». والعهدة على الراوى الذي نقل، وعلى الحاكى الذي قال، وكلاهما ما زالا على قيد الحياة. هذا كلام قد يصدم الكثيرين... فالسادات هو السجان وشعراوى هو الصديق الذي ما زلت أترحم عليه... أنا لا أكذب ولا أسيس التاريخ، «فأمين يقول الحق ولو على نفسه» كما قال عبد الناصر في أحد اجتماعات اللجنة المركزية وكما كان يقول دائما... قول «أبوعمار» ينطبق على شعراوى الذي عرفته تماما... أذكر أن الأخ أحمد حمروش زارنى في منزلى صباح أحد أيام نوفمبر 1970 قبيل استقالة وزارة الدكتور فوزى الأولى، وسألنى بطريقته الغريبة: «هل تؤيد تشكيل شعراوى للحكومة؟!» دهشت للسؤال وعجبت من أمر السائل بتجاوزه حدوده، وسألته بدورى: «هل هو ناقل رسالة أم سائل يريد أن يعرف»؟ وضحك حمروش تفاديا للإجابة التى كنت أعرفها، واستطردت قائلا: «المشكلة ليست في تأييدى أو رفضى... المشكلة أن أحدا لم يعرض ولن يعرض ذلك على شعراوى. ولكن إذا كلف فأنا مؤيد». وأذكر أيضا أن الدكتور حمدى السيد نقيب الأطباء حاليا، وكان وقتئذ صديقا حميما وطبيبا للعائلة، أخبرنى في زيارة له يوم الجمعة 25 ديسمبر 1970 أن شعراوى استدعاه منذ أسبوعين وكلفه ضمن آخرين بتقديم تقارير عن رأيهم فيما يحدث في الوزارات، وكلفه بوزارة الصحة، وأنه يحضر مع شعراوى ضمن مجموعات بعض أفرادها من الشيوعيين مناقشات سياسية في مكتبه بمصر الجديدة. وسألنى عن رأيى في حضوره الاجتماعات وفي تقديم تقارير عن وزارة الصحة، وأضاف أنه يتردد أن شعراوى جمعة يشكل سحكومة ظلس. وأجبته: «ولم لا؟!!» وظل حمدى يطلعنى على ما يحدث في هذه الاجتماعات حتى دخولى السجن. في الوقت الذي كان شعراوى يخطط فيه لما يريد، وصلتنى معلومات أن أوامر صدرت إلى وحدات الاتحاد الاشتراكى بالمحافظات ألا تطيع التوجيهات التى تصدر من الأمانة... وقد أكد لى ذلك الوزير أحمد سلطان وقت أن كان يشغل منصب محافظ المنوفية... وهذا ليس بالغريب، فقد كان ممدوح سالم يحلف اليمين لتقلده منصب وزير الداخلية دون علم من شعراوى وزير الداخلية بأجهزته المختلفة وعلى رأسها المباحث العامة، ودون علم أحمد كامل رئيس المخابرات العامة صاحب الولاء الكامل لسامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات!!! ويقولون مراكز قوى...!!! نقل السلطة تكلمت في السابق كيف عملنا- شعراوى وسامى وأمين بصفتنا أعضاء لجنة العمل اليومى- على نقل السلطة إلى نائب الرئيس السادات في اجتماعنا ليلا في قصر القبة. وفي اليوم التالى للوفاة اجتمعنا- شعراوى وسامى وأنا- مع الفريق محمد فوزى وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة بناء على طلبه، وكان الرجل قلقا بحق على مصيره في الأيام التالية لمسئوليته عن النكسة بعد أن كشف الغطاء الذي كان يحميه بموت الرئيس، وقال: «كيف التصرف لو اتخذ أى إجراء ضد أحدنا في الأيام المقبلة؟ هل سنتصرف فرادى أم كأربعة؟!!! » كان الاتفاق على ضرورة التكاتف «لمواجهة الذيئاب التى ستتحرك» كما تردد بيننا في هذا الاجتماع، علما بأن هذا يتناقض مع ما كنا قد اتفقنا عليه من التخلى بعد استقرار الأوضاع، الأمر الذي قلناه لهيكل في اجتماعنا معه والذي رحب به أيما ترحيب. كان الحوار الدائر مجرد دخان في الهواء مرهونا بالاتصالات الجانبية والاتفاقيات السرية. السادات كان الوحيد الذي يعرف وقع خطواته، وكان يحنى رأسه لما يدور حوله ويدع الأمور تسير دون اعتراض... فلاح رابض في حقل الذرة... يوافق حتى يتمكن... اتجه أول الأمر إلى تأجيل البت في شغل منصب رئيس الجمهورية إلى ما بعد إزالة آثار العدوان... لم يكن متأكدا بعد أن الطريق أصبح مفتوحا، فلما تأكد من عرضنا- كما سبق القول- وافق وقال: «على بركة الله»... فلما وصل إلى كرسى السلطان وحلف اليمين القانونية أعلن أنه سوف يجمع بين منصبى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء... قرار حكيم اعترض عليه الجميع إلا أننى وافقت معلنا ذلك على الجميع... الراغبون كثرة.. حسين الشافعى يرغب وأعلن عن رغبته، على صبرى يرغب ويلح في الخفاء، أفراد الحرس القديم يرغبون ولكنهم خارج الملعب، شعراوى يرغب ويخطط... إذن كان عليه أن يتفادى هذا الزحام ويعلن الجمع بين الرئاستين... أمام الاعتراضات كان البديل اختيار رئيس وزراء لا حول له ولا قوة... صورة... فوقع الاختيار على الدكتور محمود فوزى. والرجل كان لا يدلى برأى إلا إذا طلب منه... حتى وهو وزير للخارجية لم يتدخل قط في شئون وزارته وأوكل ذلك إلى نائبه السفير حسين ذو الفقار، متخذا مكتبه في جانب بعيد عن مكاتب الوزارة. مكتفيا بالاتصالات أو السفريات، ولا يعلم شيئا عن شئون الداخل... ولكنه كان مدعما من هيكل، وفي الوقت نفسه لا يعترض عليه أحد ولا يخاف منه أحد... كان الرجل المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، وهذا مثال «لقوة الضعف»... وحتى يكسب مزيدا من الوقت رأى السادات أن تبقى الوزارة كما هي عدا تعديل واحد أصر عليه وصرح لى به وهو ضرورة تغيير الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف لأسباب ذكرها، ولكنى أقنعته ببقاء القائمة كما هي... قبل أول اجتماع للوزارة الجديدة قال لى الدكتور فوزى رئيس الوزراء الجديد بابتسامته المرتسمة على وجهه دائما: «أرجوك أن تعد لى بصفتك وزيرا للدولة لشئون مجلس الوزراء كيف ستسير الأمور في الجلسة الأولى، لأننى لا أعرف». وأعددت له المطلوب ولم يخرج الرجل عن النص... وبعد ذلك مباشرة تجاهل وجودى رغم أننى معه في نفس المبنى... تعليمات صدرت له فنفذ... قبل أن يجلسوه على الكرسى تقرب وبعد أن قعد واستقر تباعد... شئ عادى لا يدعو إلى الدهشة أو الاستغراب. في 15 نوفمبر 1970 قدمت الوزارة استقالتها، وكلف الدكتور فوزى بتشكيل الوزارة الجديدة. وكانت الوزارة عائلية... اللاعبان الرئيسيان في تشكيلها: شعراوى جمعة وسامى شرف كانا قد تباعدا، إذ اعتقد شعراوى أننى منافس له في مسعاه، الأمر الذي لم يدر بخلدى... في يوم 16 نوفمبر عرض علي الدكتور فوزى منصب وزير الحكم المحلى... كنت أعرف أن العرض بالوكالة فاعتذرت شاكرا متمنيا له التوفيق، وتعطل إعلان التعديل الوزارى الذي كان ينتظر إعلانه في نفس اليوم. وفي اليوم التالى أى 17 نوفمبر استدعانى السادات إلى منزله وقابلته واستمرت المقابلة حتى منتصف الليل، وعرض على وزارة الحكم المحلى.. «ليكون في معاونتى 20 باشا»، وكذلك عضوية مجلس الدفاع حتى أعمل «على جمع الجبهة الداخلية». وعتبت على سيادته أنه لم يفاتحنى في الموضوع كما كان يفعل من قبل، وعتبت عليه أيضا تباعده بالرغم من أننى كنت أتصل به تليفونيا كل يوم في السابق، وذكرت له أنه يعلم رأيى في إلغاء وزارة الحكم المحلى إذ أنها حلقة زائدة في الكيان التنظيمى للدولة، أما عن اشتراكى كعضو في مجلس الدفاع فإن ذلك شرف لا يتيح لى فرصة العمل الجدى في هذا الوقت العصيب... شعراوى مثلا - قلت له - نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية يتبعه 10 وزارات خدمات، وهذا يعنى أن وزارة الحكم المحلى ستكون تحت رئاسته، علاوة على تكوينه للتنظيم السياسى بصفته المسئول الفعلى عن الاتحاد الاشتراكى...!!! وأنا لا أقبل أن أكون وزيرا وشعراوى الأحدث نائب رئيس الوزراء، وهو يعلم أن الرئيس عبد الناصر كلفنى بتشكيل الوزارة بل كنت وزيرا للدفاع ورئيسا للمخابرات العامة في نفس الوقت... كان الرجل يلمح في كلامه- دون أن يصرح- بكلمات يغرينى بها أن أغير «الربع»، ولكننى فهمت تماما ما يقصد. لم تسمح لى نفسى بأن أكون «شيئا» ينقله البعض على لوحة الشطرنج... كان على الرجل أن يعرض ذلك ولا يتعداه والكل يعلم بأننى سأرفض ذلك عن يقين... كان المطلوب إزاحتى كمنافس محتمل... شكرته وودعنى حتى ركبت سيارتى، وأعلن عن تشكيل الوزارة في صباح اليوم التالى دون أن أكون أحد أعضائها. سامى شرف وشعراوى جمعة كانا وراء تشكيل الوزارة الجديدة. كانا قد اتفقا على تقسيم السلطة مع بقائى دون مسئوليات تزاحمهما، أو تقديم عروض تجبرنى على رفضها فأخرج من الحلبة... أعطاهما السادات أذنيه مؤقتا... الوزارة عائلية فالأقربون أولى بالمعروف... خرج من الوزارة صدقى سليمان بانى السد العالى، ثروت عكاشة واضع أسس وزارة الثقافة، وحسن عباس زكى الاقتصادى الكبير، وكمال رفعت قائد حرب الفدائيين في القناة، وأمين هويدى. سامى يحصن نفسه بالفريق محمد فوزى القائد العام للقوات المسلحة، وبأحمد كامل رئيس المخابرات العامة، فكانت النتيجة أن أحمد كامل قام بعملية التسجيلات الكبرى لتكون دليلا ضد الجميع في المحاكمات. وكنت واحدا ممن سجل لهم إلى جانب على صبرى. وشعراوى أخذ معه في طريقه إلى السجن أقرباءه وحوارييه... شعراوى احتفظ لنفسه بوزارة الداخلية بما فيها المباحث العامة والتنظيم السياسى... اقتسما السلطة، وإن لم يعرفا كيفية استخدامها سواء للأغراض العامة أو الخاصة... زارنى كل الوزراء في منزلى، عدا محمد فائق الذي عاد مرة أخرى كوزير للإرشاد، وليكون الضلع الثالث للمثلث بعد أن سحبت نفسى، وخاف الرجل من أن يفقد رضاءهم إذا جامل رئيسه وزميله... ففضل هذا الموقف الذي لا أرتضيه له. كان محمود رياض في زيارته لى في منزلى مجاملا بحق، وذكر أنه في اجتماعه مع الإخوة شعراوى وسامى كان شعورهم جميعا بأن شيئا ينقصهم، وبأنه شعر أنه لا يوجد بينهم من هو على مستوى مناقشته، وألح في أن أعود لخبرتى في الداخل والخارج، وسألنى هل أقبل أن أعود كوزير دولة للشئون الخارجية؟! وزارنى على صبرى، وتمنى لو أننى بقيت في موقفي رغم كل شئ، وأبدى عدم رضائه عن الحكم... فالسادات يدير الأمور من منزله، والدكتور فوزى ضعيف، وأنه غير راض عن التشكيل الوزارى فهو تشكيل عائلى، وأن شعور الروس سيئ جدا... فهم لا يثقون بالدكتور فوزى، فهو غربى الاتجاه. وزارنى سيد مرعى بعد عودته من إيطاليا، وأبدى دهشته الكاملة لعدم اشتراكى في منصب رئيسى في الوزارة، وأن الإيطاليين اندهشوا أيضا فأخبرهم أنه «سيعين فوق»، وإذا به يفاجأ بالنتيجة. وفي زيارة حسن عباس زكى ذكر أنه سيبحث لنفسه عن عمل في الخليج، وذكر أن ثروت عكاشة رجاه في أن يساعده أيضا ليجد له عملا هناك. ضمير شعراوي لأتفادى كثرة الزائرين ولعدم إثارة الحساسيات بدأت في الاعتياد على حياة «الوزير السابق» في ثلاثة مجالات: مجال مجلس الأمة، إذ كنت عضوا منتخبا فيه عن الدائرة الثالثة ومقرها مركز شرطة قويسنا منوفية في 8 يناير 1969 مجال الكتابة التى أعشقها، وكنت سكرتيرا لتحرير مجلة الجيش ومجلة المشاة في نفس الوقت أيام خدمتى في القوات المسحلة، وحاصل على ماجستير الصحافة والنشر من معهد الصحافة بجامعة القاهرة- ثم مجال الزراعة في قطعة أرض صغيرة أملكها في قريتى بجيرم مركز قويسنا منوفية. وفي يوم 22 نوفمبر 1970 أى بعد التعديل الوزارى بأربعة أيام وصلنى خطاب من شعراوى جمعة مع سائقه، وكان كل سطر فيه يدل على ما يعانيه من تعذيب ضميره... أخذ يسرد فيه بعض أحداث الماضى متحدثا عن الصداقة التى ذبحها، واعترف الرجل بأنه كان على علم بإسناد وزارة الحكم المحلى لى وأنه كان على ثقة تامة من رفضى المنصب!!! واعترف أيضا بأنه كان على يقين من إقدامى على أمر خطير عند اعتكافي في الأيام الأخيرة فلم أداوم على الذيهاب إلى مكتبى!!! وبعد وصول خطابه مباشرة اتصل تليفونيا وردت عليه السيدة حرمى: «لم أكن أتصور أن العناد يصل بأمين إلى حد رفضه الوزارة...!!».. ورددت على خطابه بخطاب أوضحت له فيه معرفتى بنياته وبتخطيطه وبتنافسه معى على غير أساس، وتنبأت له بأنه «سيسحل»، وأن نهايته قريبه... فكما تخلص منى سيتم التخلص منه وأن غدا لناظره قريب... بمجرد تسلمه الخطاب اتصل تليفونيا عدة مرات وقال في إحداها: «إن أمين لن يكمل معه المشوار»!!! وللأسف الشديد قاده مشواره إلى السجن وجرنا معه دون أن يحقق شيئا من أطماعه!!! في نفس الوقت وصلنى خطاب من «سامى» يؤكد فيه صداقته!!! ولا أذكر إن كنت رددت على «الصديق» أم تجاهلته، فمن عادتى ألا أتذكر إلا المهم من الأمور. دعانى وجيه أباظه على عشاء ضيق يحضره شعراوى وسامى لإصلاح ذات البين، فقبلت الدعوة نزولا على مشاعر وجيه، ولكنه لم يتابعها... قال لى ونحن في مصيف «عجيبة».. بعد سنوات إنه لم يتابع الدعوة لأن شعراوى قال له: «يا أخى عقبة وأزيحت عاوز ترجعها ليه...؟»!! رحم الله شعراوى ووجيه فهما الآن بين يدى الله. وقررت السفر وعائلتى إلى الاسكندرية يوم 26 نوفمبر 1970 لأتدبر أمورى. وقبل أن أغادر منزلى قطعت حرارة تليفون منزلي فجأة. وبعد عودتى يوم 3 ديسمبر 1970 إلى القاهرة عادت الحرارة فجأة كما قطعت فجأة، واتصل أحمد كامل ليعتذر عن الإجراء غير المقصود... وقلت له: سيا أحمد أنت ليس في استطاعتك قطع الحرارة عن تليفونى أو إعادته له إلا بأوامر من سامى شرف. أرجو أن نتعامل مع بعضنا باحترام وكبرياءس. ووضع هذا التليفون في قائمة التليفونات المسجلة، وسئلت عن أحاديثى التى سجلوها بعد ذلك في التحقيقات. وفي نفس الليلة زارنى سامى وشعراوى، وتنصلا من كل شئ وألصقا ذلك بالسادات، وأكدا ضرورة عودتى. وكان ردى: «وظيفة لا... مسئولية نعم... اختارنى عبد الناصر لمسئوليات ومارستها بعيدا عن ممارسة الموظفين». كان الرد: «السادات قال لهما اتركوا أمر أمين لى».. ولم يكن لى قضية إذ قررت عدم الركوب في مركب تغرق... زارنى عبد السلام جلود ليبلغنى عدم رضاء الرئيس القذافي عن عدم اشتراكى في الحكم. وزارنى الرائد زين العابدين عبد القادر عضو مجلس الثورة السودانى ومعه سفيرهم بالقاهرة محمد سليمان نيابة عن الرئيس جعفر النميرى، وأبديا دهشتهما مما حدث. وزارنى محمد النعمان نيابة عن الرئيس اليمنى السلال وأبدى سخطه على تخلى الإخوة. ومن ضمن من قمت برد زيارتهم لى عبد المحسن أبو النور الذي عين أمينا للاتحاد الاشتراكى ووجدته ساخطا، وذكر أنه طرطور لا يدرى شيئا وبالرغم من ذلك فهو قابل الوضع!!! وكذلك على صبرى الذي انتقد الجميع، والذي صرح بأنه مغادر إلى موسكو لإقناع الروس هناك بأن يتولوا مسئولية الدفاع المضاد للطائرات عن الصعيد. وأخبرته أن الروس لن يتورطو، وأنهم يفضلون الحل السلمى ولو ببعض التنازلات من جانبنا. وذهب شعراوى جمعه ومعه بعض الأصدقاء ليحضروا الأرواح عند الدكتور عزت خيرى شقيق طلعت خيرى وزير الشباب، وهو أستاذ جامعى. وسأل شعراوى الروح: «ما شعور أمين بالنسبة لنا؟ هل هو الحب أو الحقد أو الكراهية؟ «وردت الروح: «شعور بالمرارة الذي لا يرقى إلى الكراهية». وحينئذ استراح شعراوى... نشرت جلسات تحضير الأرواح في «الأهرام»، وحينما عرضتها السيدة حرمى علي لأقرأها لم أقبل لأننى لم أكن أتصور أن مسئولين يمكن أن يقدموا على ذلك!!