الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 امين هويدي واحد من شهود العيان على اهم الاحداث التي شهدتها مصر والمنطقة العربية في اخطر فتراتها التاريخية. شغل هويدي منصب رئيس جهاز المخابرات العامة ووزير الدفاع، ووزير الارشاد القومي وقبلها سفيراً لدى بغداد والرباط وأحد الضباط الصغار في حركة الضباط الاحرار، الحلقات التالية مقتطفات من كتاب يصدره قريباً مركز الاهرام للترجمة والنشر بعنوان «50 عاماً من العواصف.. ما رأيته قلته». ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة مر على الليلة العصيبة التي سوف أتحدث عنها أكثر من 35 عاما بالتمام والكمال. كانت الليلة ليلة 26 أغسطس 1967 وفيها تم نزع سلطات المشير عبد الحكيم عامر وزالت عنه كل صفاته الرسمية، ولم يكن تنفيذ ذلك بالأمر السهل عن طريق إجراءات عادية، خاصة بعد النكسة الخطيرة التي حلت بالبلاد والتي تسببت فيها القيادة العسكرية وعلى رأسها القائد العام للقوات المسلحة الذي هو المشير عامر. كانت الهزيمة وحدها كافية أن تسهل أمر إبعاده وتنحيته، ولكن لم يقبل المشير عامر ـ حتى والآلاف من أفراد القوات المسلحة يذبحون ويؤسرون في سيناء أو يموتون عطشا ـ أن يتخلى عن منصب قيادة القوات المسلحة، بل لم يقنع بمنصب نائب رئيس الجمهورية الذي عرضه عليه عبد الناصر في ذلك الوقت. بل أصر رغما عن كل شيء أن يظل محتفظا بكافة مناصبه وسلطاته، معتمدا في ذلك على أفراد قيادته العسكرية الذين ساندوه دوما في اعتداءاته المتكررة على السلطة الشرعية قبل النكسة، والذين أصبحوا معه في سفينة واحدة بعد النكسة إن تركها قائدها غرقت بمن فيها وحينئذ يصبح وضعهم في قفص الاتهام سهلا ميسرا. فالخوف من المصير جعلهم يتكتلون وراءه مما جعله يتصلب في موقفه ويعلن العصيان. وبالرغم من أن القوات المسلحة فقدت كل شيء في سيناء إلا أنه جمع أعوانه من الضباط في منزله بالجيزة لا يغادرونه ليل نهار، بل شدد وكثف الحراسة على هذا المنزل «بحرس خاص» تكون من وحدات الشرطة العسكرية والعربات المصفحة، كما أحضر من بلدته «أسطال» بمحافظة المنيا أكثر من 300 فرد مدني معظمهم من الفلاحين لتعزيز الحراسة على منزله. وبدأ هؤلاء في تحصين المنزل بشكائر الرمل وإقامة المزاغل وسد الطرق الموصلة إلى المنزل. وأصبح المكان بمن فيه «ورما» خارجا على الشرعية القائمة. والأخطر من ذلك أن الغالبية العظمى من وحدات وأفراد القوات المسلحة كانت متعاطفة معه... وأذكر بعد تعييني وزيرا للحربية في أعقاب النكسة كيف كانت صور المشير عامر معلقة في الوحدات رغم زوال سلطاته الرسمية عنه، ولم تكن أى سلطة في البلاد بقادرة حينئذ على أن تعطي الأوامر بإزاحة صورة الرجل الذي لم يعد له صفة رسمية توجب استمرارها في أماكنها... كما أذكر أنه في أول مؤتمر للقادة الكبار عقدته في مكتبي بحضور الفريق محمد فوزي القائد العام للقوات المسلحة، والفريق عبد المنعم رياض رئيس هيئة أركان الحرب، أننى كنت أعطى تعليماتى بخصوص موضوعات على جانب كبير من الخطورة: الموقف الراهن، إجراءاتنا في المدى القريب، التسليح، إعادة تنظيم القوات، أوضاعنا في اليمن، علاقاتنا العربية... أقول وسط كل هذه الموضوعات الخطيرة تساءل أحد القادة الكبار عما إذا كان «من الممكن تلقى توجيهات بخصوص استمرار وضع صورة المشير في الوحدات؟» كان الرجل وهو يوجه سؤاله يعلم تماما حساسية ما يطلب الإجابة عنه. ولم يكن من السهل في ذلك الوقت معرفة الموطئ الصحيح للقدم... تظاهرت بالغضب وأجبت: «يا أخى نحن نتكلم عن هذه الموضوعات الخطيرة ثم يأتي سؤالك عن هذا الموضوع الفرعي؟! «كتب لى عبد المنعم رياض على ورقة صغيرة دفعها لى سالحمد لله لقد تخطينا أول حفرة». وأحب أن أحدد موقفي من البداية. فإنني أعترف أنني لست ملما بتفاصيل العلاقة المعقدة التي كانت بين الرئيس عبد الناصر والمشير عامر، ولذلك فلن أخوض فيها إلا بالقدر الذي أعلمه تمام العلم. ولكن يمكنني ـ وبكل ثقة ـ أن أتحدث عن تلك الليلة العصيبة بتفاصيلها لأننى كنت، مع آخرين، شهودا على أحداثها بل مشاركين في صنعها. هؤلاء المشاركون لم يكونوا «جماعة واحدة أو شلة متضامنة»، ولكنهم كانوا جميعا ممن يعملون مع عبد الناصر والذين كانت تربطهم به علاقة العمل أو الحب والولاء أو الإيمان بمبادئه. أقول هذا بالرغم من أن كثرة من المشاركين حوكموا بعد ذلك فيما سمى «بأحداث مايو 1971»، والذين أطلق وأطلق عليهم فيما بعد تسمية «مراكز القوى»... وبالرغم من أن هذا حدث لهؤلاء فإنهم لم تضمهم «جماعة أو شلة واحدة» بل كانوا على الأصح متناقضين، ولعل هذا التناقض هو الذي جعل هذه الجماعة تصبح فريسة سهلة للجانب المتربص الذي كان يعرف تماما حقيقة العلاقات القائمة بين هؤلاء، فاستغل ذلك بذكاء في القيام بالثورة المضادة على مبادئ عبد الناصر. وبالرغم من ذلك كان هناك دافع مشترك بينهم للمشاركة في أحداث تلك الليلة، فقد هالهم الموقف الذي أصبحت فيه البلاد بعد النكسة مما كان يحتم تصحيح المسار، ولم يكن هذا ممكنا إلا بتنحى عامر عن السلطة أو على أقل تقدير إبعاده عن القوات المسلحة. ولم يكن هناك لتنفيذ ذلك إلا طريقان : طريق الشرعية بأن ينفذ عامر قرار القيادة السياسية بأن يترك قيادة القوات المسلحة، ولكنه أبى ورفض، وإزاء ذلك لم يكن هناك إلا الطريق الآخر وهو استخدام القوة لإعادة الشرعية لممارسة سلطاتها بالطريقة السليمة. يمكن أن يقال إن الخطوة التمهيدية لهذه الليلة العصيبة التي تم فيها إبعاد المشير تمت يوم 11يونيو 1967 وفي مكتب سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات. دخلت عليه ظهرا في مكتبه والانكسار يثقل أكتافنا من هول ما نحن فيه... العدو على الشاطئ الشرقى للقناة التي تعطلت فيها الملاحة من جديد، وخسرنا سيناء والضفة الغربية وغزة والقدس والجولان، والآلاف من الضباط والجنود يواجهون مصيرهم دون أن يتمكن أحد من تقديم المعونة لهم... الجيش أصبح دون سيطرة عليه وبعض جنوده يهيمون في الشوارع بملابسهم الرثة، وعيونهم الزائغة، وحينما يتعبون يلقون بأنفسهم في الحدائق بالمئات. والبعض الآخر استقل القطارات أو وسائل النقل الأخرى إلى بلادهم التي أتوا منها. والأعزاء الآخرون يقتلون ويؤسرون في سيناء. لقد فقدنا كل شيء... كان هناك كل من اللواء عماد ثابت والعميد أحمد سيد أحمد نصر، وهما من خيرة ضباط القوات المسلحة بوجه عام وضباط المدرعات بوجه خاص. حضرا ومعهما كنز ثمين. إذ أكدا أنه في إمكانهما حشد أكثر من 150 دبابة في الضفة الغربية للقناة لصد أى محاولة يقوم بها العدو لعبور القناة في طريقه إلى القاهرة... مئة وخمسون دبابة!!! قوة كبرى بالنسبة لما كنا فيه. وكتب سامي شرف المعلومات في سالنوتةس ليبلغها للرئيس. وانصرف الضابطان ليؤديا واجبهما. وسألني سامي: «ما رأيك في هذه القوة التي هبطت علينا من السماء؟» وكان ردى: «قوة إيه يا سامي؟ كان عندنا مئات من المدرعات فأين هي؟ لا بد من التغيير ولن يحدث أي تصحيح في ظل الظروف القائمة. يجب أن يترك المشير القوات المسلحة كخطوة أولى لا بد منها إن أردنا مواجهة الهزيمة مواجهة جادة». وقام سامي من كرسيه ليقبلني ويؤمن على ما قلت، ونقل سامى الحوار إلى عبد الناصر وفي نفس الوقت والساعة. وانصرفت وأنا مثقل بهمومى. وكان المشير قد تورط في أحداث كثيرة وكبيرة: الهزيمة النكراء التي منى بها الجيش على يديه التمادي في العدوان على الشرعية القائمة... فبعد أن قبل الرجل أن يتنحى يوم 8 يونيو 1967 عن قيادة القوات المسلحة، عاد فتشبث بمناصبه حتى لا تفسر استقالته تلك على أنه المتسبب في الهزيمة العسكرية. ولذلك فإن الرجل لم يقبل بأي حال من الأحوال أن يكتفي بمنصب نائب رئيس الجمهورية، بل تمسك بكل قواه بالمنصب الأهم ـ خاصة في تلك الفترة ـ وهو منصب القائد العام للقوات المسلحة. بدأ الرجل في تحويل منزله بالجيزة إلى قلعة حقيقية. ولا شك أن هذا التصرف لم يكن حكيما ولا لائقا ولكنه حدث. وكان الخطر الأكبر لهذا العصيان على الشرعية هو الانقسامات التي بدأت تحدث في القوات المسلحة... فقد تحركت بعض الوحدات بقيادة ضباطها في مظاهرات صاخبة تهتف بحياة المشير، وبدأ ولاء الضباط يتزعزع، وأصبحت القوات المسلحة حقلا خصبا للشائعات بل للاستقطاب ـ انكشاف زواجه العرفي من السيدة برلنتى عبد الحميد ـ ثم تحديه لكل التقاليد والقوانين عندما أمر يوم 21يونيو 1967 وبعد أن استقر في منزله بالجيزة بنقل الأسلحة التي كانت موجودة في منزله الأصلى بالحلمية إلى محل إقامته الجديد، وفي الوقت نفسه بدأ في توزيع استقالته التي سبق وقدمها إلى الرئيس في أزمة 1962 والخاصة بتعيينات الضباط من الرتب الكبيرة. ومن الملاحظ أن المشير لم يقدمها إلا بغرض الإحراج والضغط بدليل أنه لم يطالب بما ورد فيها حينما حلت الأزمة، وأيضا أنه لم يعد للمطالبة بما فيها إلا بعد النكسة عام 1967. وللتاريخ نثبت هذه الاستقالة: عزيزى الرئيس جمال عبد الناصر بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أرى من الواجب وأيضا الوفاء يقتضيني أن أكتب إليك معبرا عن رأى مخلص رغم الأحداث الأخيرة. فبعد عشر سنين من الثورة، وبعد أكثر من عشرين سنة من الصلة بينى وبينك لا يمكنني أن أتركك وأعتزل الحياة العامة دون أن أبوح لك بما في نفسي كعادتى دائما. إنني أعتقد أن الانسجام والتفاهم بين المجموعة التي تشارك في الحكم أمر ضروري، وأوجب من ذلك الثقة المتبادلة بين أفراد هذه المجموعة. وقد وجدت في هذه الفترة الأخيرة أن الأسلوب الغالب هو المناورات السياسية ونوع من التكتيك الحزبي، فضلا عما لا أعلمه من أساليب الدس السياسي الذي قد أكون مخطئا في تصوره ولو أن الحوادث كلها والمنطق تدل على ذلك. والنتيجة التي وصلنا إليها اليوم خير دليل على هذا التصور، فقد استطاع هذا الأسلوب أن يتغلب على ما كنت أعتقده مستحيلا وهو تحطيم صداقتنا، وما نتج عن ذلك من أحداث لا داعى لسردها فكلها لا تتفق مع المصلحة العامة في شيء. المهم في الموضوع أننى لا أستطيع بأى حال أن أجارى هذا الأسلوب السياسى، لأننى لو فعلت ذلك لتنازلت عن أخلاقى وأنا غير مستعد لذلك بعد أن انقضى نصف عمرى. الذي أريد أن أحدثك عنه بخصوص نظام الحكم في المستقبل. إنني أعتقد أن التنظيم السياسي القادم ليكون مستمرا وناجحا يجب أن يبني على الانتخابات من القاعدة إلى القمة، بما في ذلك اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، وإن أتت اللجان العليا بدون انتخابات حقيقية فستكون نقطة ضعف كبرى في التنظيم الديمقراطي للاتحاد. وإن ما يجب أن نسعى إليه هو تدعيم الروح الديمقراطية بعد عشر سنوات من الثورة والتي لا أتصور بعد كل هذه الفترة، وبعد أن صفي الإقطاع ورأس المال المستغل، وبعد أن منحتك الجماهير ثقتها دون تحفظ أن يكون هناك ما أخشاه من ممارسة الديمقراطية بالروح التي كتب بها الميثاق، وخصوصا أن الملكيات الفردية الباقية والقطاع الخاص لا يشكلان أى خطر على نظام الدولة، كما أنه ليس هناك ما يمنع إطلاقا أن تنسجم هذه القطاعات مع النظام الاشتراكي. كذلك الأمر بالنسبة للصحافة فيجب أن تكون هناك ضمانات تمكن الناس من كتابة آرائهم، وكذلك تمكن رؤساء التحرير والمحررين من الكتابة دون حذف أو تحفظ، وقد تكون هذه الضمانات عن طريق اللجنة التنفيذية العليا مثلا أو أى نظام آخر يكفل عدم الخوف من الكتابة وتوهم الكاتب أنه سيطارد أو يقطع رزقه، وخصوصا أن الآراء التي ستعالج لن تخرج عن مشاكل الناس والمسائل التنفيذية وبعض المناقشات في التطبيق الاشتراكي، وفي هذا فائدة كبيرة لأنه سيعبر عن الآراء التي تدور في خلد المواطنين. دعني وأنا أودعك أن أحدثك عن الحكومة ورأيي فيها. قبل كل شيء لا يمكن أن تسير أي حكومة في طريقها الطبيعي وهو الحكم السليم إذا كان نظام الحكم في حد ذاته ممسوخا ومشوها، فيجب أولا أن نستفيد من تجارب العالم وحكوماته التي عاشت مئات السنين مستقرة منتظمة دون حاجة لتغيرات شاملة كل فترة قصيرة من الزمن. ففى رأيي أن النظام الطبيعي للحكم يكون كالآتي: إما حكومة رئاسية ويرأس الوزارة فيها رئيس الجمهورية ويكون مسئولا أمام البرلمان مسئولية جماعية مع وزرائه، وبدون الدخول في التفاصيل يمكن أن يكون هناك نائب للرئيس، ويجب أن تكون أنت رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة، أو حكومة برلمانية يرأسها رئيس الجمهورية ويكون رئيس الاتحاد الاشتراكي هو رئيس الوزراء أو ربما يكون رئيس الوزراء ليس رئيسا للاتحاد الاشتراكي، ولا أريد أن أدخل أيضا في التفاصيل لكن تكون أيضا مسئولية الوزارة جماعية أمام البرلمان كما ورد في الميثاق. على كل، أى من هذه الحلول ووجودك في النظام أو على رأسه على الأصح ضرورة وطنية. أنا لا أقول ذلك مجاملة، فهناك كثيرون مستعدون للمجاملة أو الموافقة على رأيكم بمجرد إبدائه، ولكن أعتقد أن أى تصرف غير ذلك سيكون بداية لنهاية لا يمكن معرفة مداها. ودعني أيضا قبل أن أودعك إن أقول لك إن اختلاطك الشخصي بالناس ضروري فإنه يعطي الثقة المتبادلة، ويعطي احساسات متبادلة، ويعطي أيضا أفكارا متبادلة. وهذا هو الطريق الطبيعي للارتباط بأفراد شعبنا في المستقبل، أما انعزالك التام فإنه سيجعل صور البشر عندك اسطر على الورق أو أسماء مجردة لا معنى لها. وهذا في رأيي لا يمثل الواقع. فالعقل والعاطفة من مكونات الإنسان ولا نستطيع أن نفصل بينهما كلية، لكن يجب الجمع بينهما في الطريق الصحيح، وهذا لا يمكن إلا بالاتصال الشخصي. وهذا أيضا هو الطريق الوحيد لإظهار شخصيات قيادية نعتز برأيها دون خوف، ولكنها في الوقت نفسه تثق بقيادتها وتحترمها. وهذا النوع من الناس أنت في أشد الحاجة إليه بل وبلدنا كلها محتاجة إليه. نوع جديد لم يتمكن منه حب المنصب ليسكت على الخطأ، ولم تأخذ الأضواء نور بصره فيضحي بكل القيم ليعيش فيها. وأنا أودعك أيضا أرجو من الله ألا يحدث منى أو منك ما يجعل ضميرنا يندم على الإقدام عليه ويجعلنا صغارا في أعين أنفسنا. ويكفي في رأيي ما حققه أهل السوء حتى الآن، فقد نجحوا فيما تمنوا وفيما كانوا يعتبرونه مستحيلا. لا أريد أن أطيل عليك ولكنني أبديت آرائي لك فيما أعتقده بأنه المصلحة العامة، وليكن فراقنا بمعروف كما كانت عشرتنا بالمعروف. والله أسأل أن تتم حياتنا بشرف وكرامة كما بدأناها بشرف وكرامة. ورغم كل شيء ورغم كل ما أعلم فإني أدعو لك من قلبى بالتوفيق، وأتمنى لك الخير، وأدعو ربي أن يوفقك في خدمة هذه الأمة ولخيرها والسلام. عبد الحكيم عامر القاهرة في 1 ديسمبر 1962 وثبت بعد ذلك في التحقيقات أن الذي طبع الاستقالة هي السيدة برلنتى عبد الحميد وقد ضبطت آلة الطباعة في قريتها. وكان يتولى توزيعها بعد النكسة بعض ضباط القوات المسلحة داخل الوحدات، وبعض أعضاء مجلس الأمة، وهم ما أطلق عليهم «مجموعة المنيا»، والذين فصلهم السيد أنور السادات الذي كان يرأس المجلس من عضوية المجلس، كما فصل آخرين غيرهم. بل أخذ المشير يلجأ إلى وسائل ما كان يجب أن يلجأ إليها مهما كانت الظروف، فقد سلم عباس رضوان 5000 جنيه ذهب داخل خمسة أكياس لحفظها طرفه... وقد تم ضبط الذهب مدفونا في أرض زراعية «بالحرانية» بلدته داخل حقيبة جلدية. وقد تبين نقص بعض الأكياس، ولكن تم ضبط الباقى منها في قرية نزلة السمان. ثم وبعد أن توليت رئاسة المخابرات العامة صباح يوم 26 اغسطس 1967 اعترف لى مدير مكتب صلاح نصر الرئيس السابق للجهاز بأن «سيادته» تسلم 60000 جنيه من المصروفات السرية للجهاز دون إيصال، وأنه يحاول منذ أيام أن يقنعه بكتابة الإيصال حتى يودعه ملف المستندات إلا أنه رفض!! وأضاف المسكين: «أودعنى السجن لأن خزنتي ناقصة». وقد أبلغنا جهات التحقيق وكانت المخابرات الحربية قائمة به، وتم العثور على حقيبتين مدفونتين «بالحرانية» أيضا، وبفتحهما تبين أن بهما مبلغ 49360 جنيها، وكذلك عدد 40 رشاشا قصيرا، 5 صناديق ذخيرة، 108 طبنجات. وقد اعترف السيد عباس رضوان في التحقيق بأنه تسلم المبلغ والأسلحة والذخيرة من صلاح نصر لإخفائها في «الحرانية»، ولكنه لم يتمكن من إعطاء التبريرات المقنعة لاختفاء باقي المبلغ وقدره نحو 11000 جنيه. كان المشير عامر يريد أن يهدم المعبد على كل من فيه... فلم تكفه النكسة الثقيلة التي أصاب بها الأعمال العظيمة لثورة يوليو والتي أضاعت وغطت على حلاوة انتصاراتها الكثيرة والكبيرة، ولكنه تمادى في أعماله تلك وأخذ يتورط في أعمال أخرى خطيرة. فبعد أن قدم المشير استقالته ـ والذي عاد وسحبها مرة أخرى ـ بذلت محاولات كثيرة من المحيطين به وبموافقته لإعلان العصيان... فقد قاموا بجمع عدد كبير من الضباط لعمل مظاهرة للمطالبة بعودة المشير، بل قام ضباط حراسة المشير بمظاهرة عسكرية مسلحة بالعربات المدرعة واتجهوا من الحلمية إلى مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة. وفي غضون ذلك كان يتم اتصال أعوان المشير بقوات الصاعقة الموجودة في أنشاص، وكان يتم استدعاء بعض الضباط لمقابلة المشير ليلا في منزله بالجيزة. وكان المشير يستقبل علاوة على ذلك بعض المدنيين سرا في منزله، ولزيادة سرية هذه المقابلات أمر المشير بفتح ثغرة في السور الذي يفصل بين المنزل والمشتل المجاور، وأخذت المقابلات تتم في هذا المشتل كل ليلة. وأخذ بعض الضباط يزودون المشير بتقارير عن أوضاع وحداتهم، ويتلقون منه الأوامر لنشر الشائعات وتوزيع استقالته السابق الإشارة إليها. كما لوحظ تردد أعضاء مجلس الأمة عن محافظة المنيا وبعض محافظات الوجه القبلى على منزل المشير، وكلف البعض منهم بإثارة مناقشات سياسية بقصد إحداث بلبلة سياسية في نفوس أعضاء مجلس الأمة والشعب، ووزع على بعضهم صورة من الاستقالة مع تحريضهم على القيام بنشر أنباء مضللة عن أسباب الهزيمة العسكرية... وبذلك أصبح منزل المشير والمنطقة المحيطة به منطقة عصيان. لكل هذه الشواهد تم وضع المنطقة كلها تحت المراقبة بواسطة الأجهزة المختصة، بل تم عمل كافة الترتيبات الدقيقة لمعرفة كل ما يجرى داخل المنزل في كل وقت. وتم تجهيز سرسم كروكيس للمنزل من الداخل والخارج وللمشتل ولكل المنطقة المحيطة بالمنزل تحسبا للظروف. وبدأت هذه التجهيزات والترتيبات التي يقوم بها المشير تتبلور في مؤامرة حقيقية لقلب نظام الحكم، حدد لتنفيذها يوم 27اغسطس 1967 وكان الغرض منها الاستيلاء بالقوة على القيادة العامة للقوات المسلحة. محاولة الانقلاب والشيء الغريب أن جهازى المخابرات العامة والمخابرات الحربية كانا على علم بما يدبر، وأبلغت إدارة المخابرات الحربية ما لديها من معلومات للجهات المختصة. ولكن المخابرات العامة وكان يتولى رئاستها صلاح نصر حتى مساء 25اغسطس 1967 لم تبلغ ما لديها من معلومات إلى الجهات المسئولة... ويعد هذا التصرف إخلالا كاملا بمسئولية وأمانة المسئولين عن ذلك... واستمر هذا التكتم حتى توليت رئاسة الجهاز في يوم 26 اغسطس 1967. وضعت خطة المؤامرة لتتم على شقين: الشق الأول: وهو الجانب التمهيدى والدعائى داخل أفراد القوات المسلحة لإحداث بلبلة في الأفكار وإثارة الفتن ببث الدعايات، والسعى إلى نيل تأييد أكبر عدد ممكن من الضباط، وتهيئة الأذهان لتقبل الوضع الجديد، ودعوة الضباط إلى منزل المشير وتقصى أحوال القوات المسلحة وأسرارها منهم، وتوزيع استقالة المشير وإقناعهم بأن للمشير قضية عامة هي مطالبته بالديمقراطية وإطلاق الحريات. الشق الثاني: ويتمثل في الجانب العسكري التنفيذى، ويعتمد على قوات الصاعقة الموجودة في «أنشاص» والتي كان عليها تأمين وصول المشير إلى القيادة الشرقية في منطقة القناة، ثم تنصيبه قائدا عاما للقوات المسلحة، ثم يقوم المشير بإعلان مطالبه لرئيس الجمهورية من هناك... فإذا لم يستجب له الرئيس تحركت قطاعات من القوات المسلحة لفرض هذه المطالب بالقوة، وذلك بمعاونة القوات الجوية لضمان نجاح الخطة... وتم تحديد القوات اللازمة لتنفيذ العملية، ودرست الطرق التي سوف تتحرك عليها الوحدات، وحددت التوقيتات اللازمة للتنفيذ، كما وزعت المهام والواجبات لكل منهم... فكان موكولا إلى شمس بدران مثلا تأمين الشرطة العسكرية والفرقة المدرعة، وعثمان نصار تأمين منطقة دهشور العسكرية، وعباس رضوان تأمين منطقة القاهرة واعتقال بعض المسئولين في الدولة بمعاونة أطقم المخابرات العامة ـ بعد موافقة صلاح نصر وكان على رأس من سيتم اعتقالهم شعراوى جمعة وسامى شرف وأمين هويدى، وهؤلاء تم اعتقالهم بعد ذلك أيضا بواسطة السادات. وازداد موقف المشير حرجا إذ ثبت أنه اشترى منزلا في «كينج مريوط» مركز القسم الشرقي بالعامرية الصحراء الغربية، بحوض برنجي وايكنجي مريوط رقم 3 ضمن القطعة رقم 209، وهو المنزل الذي اشتراه من أنطوانيت جريك، واختار لنفسه اسما هو محمد عبد الحكيم على بن على حفيد عامر أثناء إتمام الإجراءات الرسمية. كان هذا المنزل هو الأقرب إلى قلبه للاختلاء بزوجته وبعض الأصدقاء... كانت هذه العلاقة سرية تماما لا يعرفها إلا القليلون جدا من دائرة المشير الضيقة ومطبخه الداخلي لأن زواجه من برلنتي عبد الحميد تم بعقد زواج عرفي. إذن كان المشير متورطا في أكثر من اتجاه، وكان بذلك مهيأ للقيام بأي إجراء غير محسوب أو خطوة يائسة إذا ظل هكذا مطلق الحرية يفعل ما يريد، ولذلك فإنه كان الواجب إيقاف الأمور عند حدها حتى لا تتطور وتتضخم... ويا ليته تم منذ وقت طويل قبل أن تصل الأمور إلى هذا الحد، ولكن لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب. بعد اجتماعي مع سامي شرف يوم 11يونيو1967 الذي تحدثت فيه عن ضرورة إبعاد المشير، صدرت تعليمات الرئيس عبد الناصر إلى كل من شعراوى جمعة ـ سامي شرف ـ أمين هويدى بوضع خطة لمواجهة الموقف وتحديد إقامة المشير عامر. وكان اقتناع الرئيس باتخاذ هذه الخطوة في حد ذاته عملا إيجابيا حقيقة، إذ لم ينجح في إثنائه عن ذلك أحد من زملائه من الحرس القديم رغما عن تكرار المحاولة... وكان هذا يرجع إلى أن الأمور وصلت إلى منتهاها، وأن الصراعات على القمة التي كانت موجودة داخل «الحرس القديم» لم يكن لها أثر في «الجماعة المختارة»، فكانت حسابات الرئيس هنا أسهل وأيسر. وكانت المأمورية دقيقة وصعبة ولكنها كانت واجبة، وكانت المناصب التي يتولونها في ذلك الوقت كالآتي: أمين هويدي وزيرا للحربية، شعراوي جمعة وزيرا للداخلية، سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات. كانت المأمورية دقيقة لأنها كانت تتعلق «بالمشير»... كان الرجل بسلطاته التي ما زالت تترك بصماتها على كل أجهزة الدولة يمثل قوة حقيقية لا بد وأن نعمل لها حسابا، ثم كان لابد من التصرف بحكمة تامة حتى لا نجعل من التصفية صداما حقيقيا يمكن أن يتسع فيشعل الحرائق في كل شيء. وكانت المأمورية صعبة لأن الأجهزة الحساسة كلها كانت متعاطفة مع المشير عامر... فالمخابرات العامة وعلى رأسها صلاح نصر كانت قد حددت موقفها إلى جواره، القوات المسلحة متعاطفة وإن كان البعض أظهر جانب الحياد إلا أنه لم يكن ليتردد في اتخاذ موقفه إلى جوار المشير عند أول بادرة نجاح لجهوده في سبيل الاستيلاء على السلطة، أما أجهزة وزارة الداخلية فلها حساباتها المعقدة في مثل هذه الأحوال ولا داعى للخوض في تلك الحسابات حتى لا نخرج عن الموضوع. وكانت المأمورية واجبة، فالعدو في شرق القناة والبلاد تمر بأخطر مراحلها وكان لا بد من ترتيب البيت الداخلي حتى يمكن البدء في مواجهة العدوان. ولذلك فقد قررنا أن نلتزم بالسرية المطلقة في اتخاذ إجراءاتنا وبالسرعة المعقولة، لأننا كنا في سباق خطير مع الزمن، فلم يكن الجانب الآخر عند بداية وضعنا الخطة قد حدد موعد تحركه بعد وكنا بذلك نتحرك في المجهول. من ناحية السرية، لم يخطر أحد غير ثلاثتنا في المراحل الأولى بهذا الأمر، وأي قول غير هذا عار تماما من الصحة وادعاء باطل تورط فيه البعض حتى يظهر أنه كان على علم ببواطن الأمور. واتفقنا أن نطلق الاسم الكودى «جونسون» على العملية كلها خوفا من التورط أثناء حديث أو مكالمة تليفونية، كما اتفقنا على أن تكون اجتماعاتنا في «نادي الشمس» بمصر الجديدة. وكانت الاجتماعات تتم في وقت متأخر من الليل بعد أن يكون النادى قد أغلق أبوابه حول حمام السباحة وأمامنا لفائف من ساندويتشات الفول والطعمية التي كان يحضرها من يكلف بذلك. وكنا نصل دائما إلى مكان الاجتماع في مواعيد متقاربة وبطريقة فردية. وكان تقديرنا الأول أنه إذا استدرج «المشير» بحيث يكون منفردا أو معه أقل عدد ممكن من الحراس، فإنه في هذه الحالة يمكن بسهولة تدبير طريقة نتحفظ بها عليه في أى مكان أمين حتى يتم تصفية الجيوب الباقية في منزل الجيزة مثلا. واستقر الرأى على أن أصلح مكان لذلك هو طريق صلاح سالم حيث كان المشير يستخدمه ذهابا وإيابا للقيام ببعض الزيارات الخاصة، ويمكن تحديد الوقت بالتقريب بمراقبة تحركاته على الطريق عدة مرات. كانت هذه هي الخطة العامة التي وضعناها، والتي قام سامى شرف بعرضها على الرئيس الذي وافق عليها وأمر بدراسة تفاصيلها مع زكريا محيى الدين وقد تم ذلك في منزله. ولكن حينما تكررت اللقاءات بيننا نحن الثلاثة بدأت عيوب كثيرة تظهر أمامنا لهذه الخطة. وهنا قررنا إلغاءها من أساسها واستبدالها بأخرى تتلافى عيوب الخطة السابقة. وتوالت الاجتماعات وأغلبها في نفس مكاننا في «نادي الشمس» بمصر الجديدة، وكنا في سباق مع الزمن لعدة أسباب: فمؤتمر القمة العربى سوف يعقد في الخرطوم في 29 اغسطس 1967 ولابد أن يحسم الموضوع قبل سفر الرئيس إليها... وكان الجانب الآخر قد ضاعف نشاطه وأصبح ظاهرا أن عملية ما قد أصبحت جاهزة للتنفيذ... وكان الموقف في القوات المسلحة يزداد سوءا فحالة القلق والتميع كانت سائدة. ولن أنسى في هذه المرحلة زيارتي إلى القاعدة الجوية في أنشاص وبرفقتي الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والفريق مدكور أبو العز قائد القوات الجوية. كان مقررا للزيارة ألا تستغرق أكثر من ساعة نفتش فيها على إنشاء الدشم والدفاعات الأرضية والجوية، وحالة المواصلات والخطط الموضوعة، وطريقة إصلاح الممرات في حالة ضربها بواسطة العدو، وخطط التمويه والخداع، واستكمال النقص في الأفراد والأسلحة والمعدات. إلا أن موقف البلبلة السائد بين ضباط القاعدة جعلنى ألغى زياراتى للقواعد الجوية الأخرى، وصممت على عدم ترك أنشاص إلا والاقتناع سائد بين كل الأفراد. فقد كان العدو يركز على انهيار الجبهة الداخلية كوسيلة لإسقاط النظام. وكان لا بد من رأب التصدع الذي حدث بأسرع ما يمكن حتى تعود الجبهة الداخلية إلى تماسكها، وتعود القوات المسلحة إلى وحدتها وانتظامها، ويتفرغ الجميع للمسئولية الثقيلة التي تواجههم. إذن كان لابد للخطة أن تكون بسيطة وشاملة كل الجيوب التي تشارك في حالة العصيان القائمة: المشير بشخصه على رأس القائمة، قلعة منزل المشير بالجيزة، جهاز المخابرات العامة بعد أن أصبح من المؤكد أن رئاسته تلعب دورا خفيا في تغذية وتأييد العصيان. وكانت الخطة في إطارها العام كالآتي: 1- يستدعى المشير إلى منزل الرئيس في منشية البكرى ليلا لأى سبب يراه الرئيس صالحا لهذا الاستدعاء حيث يبلغ بتحديد إقامته. 2- في الوقت نفسه تتجه قوة من القوات المسلحة إلى منزل المشير بالجيزة لحصاره والقبض على من فيه على أن يتم ذلك قبل أول ضوء. 3- في اليوم التالى مباشرة يعاد النظام إلى جهاز المخابرات العامة على أن أقوم بهذه العملية بمفردى. ووافق الرئيس على الخطة، ورأى أن يحضر معه أثناء لقائه بالمشير في منزله كل من زكريا محيى الدين وحسين الشافعي وأنور السادات. ولم يكن أحد من الثلاثة يعلم بما سوف يتم إلا زكريا محيى الدين فقط... ويظهر هذا واضحا من رواية أنور السادات في كتابه «البحث عن الذات» في الصفحة 248، فبالرغم من أنه على عادته المعروفة يميل إلى أن يجعل نفسه دائما مركز الأحداث أيام عبد الناصر ـ وهذا غير حقيقى بالمرة، إلا أنه قال: «بعد ذلك في أغسطس أثناء زيارة» تيتو «لنا استدعاني عبد الناصر في قصر رأس التين، فذهبت إليه ووجدت علامات الحيرة على وجهه وقال: والله أنا عايز أقول لك على موضوع يا أنور.. أنا مشغول قوى بحكاية عبد الحكيم وأنا تكلمت مع تيتو وحكيت له الحكاية كلها.. تيتو قال لي ضروري تأخذ إجراء في العملية دى وإلا البلد مجروحة وبعدين أي صراع داخلى وخصوصا إذا كانت فيه القوات المسلحة حيتوسع وينقلب إلى صراع كبير. قلت له: يا جمال أنت سمعت منا كلنا رأينا في الموضوع ده.. وفعلا ضرورى أنت بالذات تواجه عبد الحكيم باللى بيعمله وتحسم الموضوع نهائيا. فقال: فعلا أنا لازم آخذ إجراء. كان ذلك في 13 أغسطس ولم يفصح عبد الناصر عن نوع الإجراء الذي سيتخذه، كل ما حدث أن الإجراء تأخر إلى يوم 25 أغسطس. لماذا تردد رغم خطورة الموقف؟ هنا مرة أخرى تظهر علامة الاستفهام الكبيرة في كل ما يختص بالعلاقة بين عبد الناصر وعامر. ثم قال السادات: «في هذه الأثناء كان عامر قد جعل بيته المطل على النيل في الجيزة قلعة بكل معنى الكلمة، مما جعل عبد الناصر يقرر أخيرا إقامة عامر في بيته بعد أن تسحب منه جميع الأسلحة. وبناء عليه أرسل إليه يطلب حضوره للقائه في منزله مساء الجمعة 25 أغسطس، وقال لنا: اسمعوا يا جماعة أنا عاوزها جلسة مواجهة وأنتم تكونوا موجودين، وأنا وزكريا محيى الدين وحسين الشافعى كنا موجودين في هذه الجلسة». وبعد ذلك أخذ السادات يسرد القصة ويركز على أنه هو الوحيد الذي كان يتكلم في الجلسة، وهو الوحيد الذي اصطحب المشير إلى دورة المياه، وهو الوحيد الذي بقي معه. وكل هذا لم يحدث لأننى كنت موجودا هناك وأرى كل شيء وأسمع كل شيء. ربما خانته ذاكرته، فكثيرا ما خانته هذه الذاكرة وهو يقص أو يكتب التاريخ والذي كان يؤيده دائما بأشخاص انتقلوا إلى رحمة الله !!! وصف السادات لعبد الناصر بالتردد هنا ومحاولته إثارة علامات استفهام فيه مبالغة كبيرة لأنه لم يكن يدرى أن الترتيبات كانت تعد قبل 13 أغسطس الذي تحدث عنه بوقت طويل. ثم واضح من حديثه أنه كان يجهل كل شيء حتى استدعاه الرئيس يوم 25 أغسطس إلى منزله في المساء. ويلاحظ في قصة السادات أنه أغفل ذكر أسماء الثلاثة الذين قاموا بالعملية لسبب مهم جدا سيظهر من سرد الأحداث لأنه يتعلق تماما بأحداث مايو 1971. فكان إسقاط الأسماء الثلاثة عن قصد وعمد. ولا نريد أن نسبق الأحداث. وعذرا لهذا الاستطراد، قرر الرئيس أيضا أن أتولى رئاسة المخابرات العامة بعد حسم موقف المشير وجماعته علاوة على منصبى كوزير للحربية، وقلت للرئيس في ذلك الوقت إنه ليس في مقدور بشر أن يقوم بالمسئوليتين في وقت واحد خاصة في هذا الوقت العصيب، فأكد لى الرئيس أن هذا الجمع بين المسئوليتين بصفة مؤقتة حتى ينجلى الموقف. وأصبح كل شيء معدا للتنفيذ...