الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 الرعاية الاميركية للشأن السوداني، وحال التجمع الوطني وغيابه عن الساحة السياسية، ومذكرة التفاهم الاخيرة بين الحكومة والحركة، كانت هي أبرز علامات الاستفهام التي حملتها «البيان» إلى التجاني الطيب، عضو هيئة قيادة التجمع الوطني (تحالف المعارضة في المنفى)، وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني. وتحدث الطيب منتقدا الاجتماع الذي يعقد حاليا في واشنطن بين الحكومة والحركة، الشعبية لتحرير السودان لأنه مازال يواصل حصر مناقشة القضية السودانية بين طرفين فقط، وتطرق الحوار بالتفصيل إلى بنود مذكرة التفاهم التي وقعت الشهر الماضي في ماشاكوس، وألمح الطيب الى وجود قصور في أداء التجمع إلا ان هذا القصور ـ كما قال ـ لم يحرم التجمع من المشاركة في صنع الأحداث. ونفى الطيب أن تكون الانتفاضة في السودان قد فقدت مقومات قيامها، مضيفا ان ما حدث ويحدث حاليا هو «دعاش انتفاضة» ستحقق بمجرد توافر باقي العناصر الموضوعية من انهيار تام في علاقة الحاكم بالمحكومين. وهنا نص الحوار: ـ لقاء واشنطن بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية هل هو مواصلة لما بدأ في ماشاكوس منذ يونيو الماضي، أم اتجاه جديد؟ أم هو نوع من الترغيب أو الترهيب؟ ـ بالطبع هو استمرار للنهج الذي بدأ بالفعل، وهو حصر القضية على طرفين فقط من الحركة السياسية السودانية هما: النظام والحركة الشعبية.. ولدينا موقفنا المعلن والرافض لهذا النهج، وعموما كل القوى السياسية متفقة تماما أن مثل هذا النهج لن يؤدي فعلياً الى حل شامل. ربما يفتح الطريق للحل الشامل، ولكنه طالما استبعد القوى السياسية السودانية الأخرى فهو سيؤدي الى حل ملئ بالثغرات التي يمكن أن يدخل عن طريقها الفشل. دعوة الحركة والنظام الى واشنطن هي استمرار لهذا النهج. نحن لا نريد للمحادثات أن تتوقف عند خانة الفشل أو القصور. بل نحن مع استمرار البحث عن مداخل للحل السياسي، وبالتالي فعمل محادثات خلال فترة توقف المفاوضات ربما هو شئ مفيد بشكل عام، لكنه من الجهة الاخرى يعكس الجانب السلبي وهو الإصرار على عزل القوى السياسية الاخرى والاستمرار في نفس النهج، الأمر الذي لن يساعد في الحل. ـ ماذا عن حليفتكم ـ الحركة الشعبية ـ وتبريراتها للمشاركة في هذا الاجتماع؟ ـ لم نجد فرصة للتفاكر حول هذا الأمر، فقد جاءت الدعوة بسرعة، وكذلك كانت الاستجابة لها، وعموما التفاكر فيما بيننا يأخذ عادة وقتاً لترتيب لقاء مشترك، ومشاورات الحركة مع بقية هيئة قيادة التجمع، يعنى بالضرورة عقد اجتماع، ودائما ما تعترضنا مشاكل حول التوقيت بما يتناسب مع كافة أطراف التجمع. ـ حتى ولو تجاوزت الأحداث ذلك الاجتماع؟ ـ اذا تجاوزته الأحداث.. خلاص!! ـ هل ترى ان عدم زيارة رئيس التجمع لواشنطن في مارس الماضي كان سببا في ان تتجاوز الدعوة التجمع؟ ـ كان هناك اتفاق عام فيما بيننا على ضرورة ذهاب وفد من هيئة قيادة التجمع لواشنطن وأوروبا، وكذلك التشاور مع الاخوة في مصر وليبيا والبلدان العربية الاخرى. فالذهاب لواشنطن وأوروبا بالتأكيد مفيد لو تم، لكن لعوامل كثيرة لم يتم، وقد حرمنا بذلك من فرصة تقديم وجهة نظرنا على مستوى عال.. سواء عن طريق رئيس التجمع أو وفد هيئة القيادة، أو مجموعة من قيادات التجمع مع رئيس التجمع أو مع د.جون قرنق. عدم الذهاب لم يتح لنا الفرصة لأن يسمع الأميركان أو الأوروبيون وجهة نظرنا حتى نتمكن من خلق «رأي عام» لن يكون أقل وزناً عما يجري الآن من مفاوضات بل سيكون موازياً لها. ـ لجنة الاسناد والمتابعة التي تكونت عقب اجتماع اغسطس، والتي كلفت بالتنسيق والتشاور بين قيادات التجمع وقيادات الحركة اثناء المفاوضات، ماذا فعلت؟ هل كان هناك أي تنسيق على أي مستوى بين الطرفين؟ ـ كان هناك تنسيق لمدى محدود للغاية، وهي الفترة التي ذهبت فيها لجنة مكلفة من هيئة القيادة مكونة من د.شريف حرير والتوم هجو ود. تيسير محمد أحمد ود. الشفيع خضر، ولكنهم اضطروا لأسباب مختلفة لمغادرة نيروبي.. وفي النهاية بقي فقط د. الشفيع حتى علقت المفاوضات. وكان أثر هذه المتابعة محدوداً، أما لجنة المتابعة التي كان مقرها هنا في القاهرة فلم يتم أي اتصال بينها وبين مفاوضي الحركة. ـ لماذا..؟ ـ هذا شئ تسأل عنه الحركة، ويسأل عنه المفاوضون. ـ هل هذا يعني انه لم يكن هناك تعاون من الحركة؟ ـ قلت إنه لم تحدث أي متابعة، اننا لم نناقش هذا الأمر بعد، ما أستطيع قوله إنه لم يأت أي شئ للجنة المتابعة لتقديم المساهمة المطلوبة من جانبها لمفاوضي الحركة في نيروبي. ـ هل يمكن القول ان هذا أدى إلى مزيد من «تغييب التجمع» من المشاركة بأي صورة؟ ـ ما في كلام، باستثناء التبرير ان ناس الحركة هم اعضاء في التجمع، وباستثناء انهم قالوا انهم ملتزمون بقرارات التجمع، وباستثناء انه هناك شواهد تدل على انهم التزموا بهذا الجانب، وهو انهم يتفاوضون وهم ملتزمون بقرارات التجمع، غير هذا فعلا التجمع كان غائبا تماما. ماشاكوس أهلية ـ شهدت مفاوضات ماشاكوس الاخيرة نقاشا حول قضايا كل السودان برؤية طرفين فقط، لم نسمع أو نر أي رد فعل من التجمع حيال القضايا التي طرحت، بماذا تفسر ذلك؟ ـ بالعكس، في كل اللقاءات والتصريحات الصحفية لقيادات التجمع كان هناك تعبير عن اشياء كثيرة نوقشت وورد ذكرها، مثلا عبروا عن رأيهم في موضوع حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي، والحكومة القومية، وتصور التجمع للحكومة الانتقالية، والفترة الانتقالية وما يجب توفره اثناءها. وقد شهد اجتماع هيئة القيادة في اغسطس نقاشا حولها. ولكن باعتبارنا لسنا طرفا في المفاوضات، فإن النقاش لم يتم بنفس الطريقة. وكان هناك اقتراح من عدة أطراف داخل التجمع، وبالذات داخل الحزب الشيوعي، ان يتم التعبير بصورة جماهيرية عن وجهة نظر التجمع في القضايا التي تجري مناقشتها في ماشاكوس. وهذا ما أدى الى كتابة مذكرة الحركة السياسية التي وقعت عليها قوى واحزاب كثيرة في السودان، وكذلك التعبيرات التي ظهرت سواء من أفراد أو مجموعات منفردة، كلها عبرت عن وجهة نظر فيما يخص القضايا التي نوقشت في ماشاكوس. أيضا كان اقتراحنا بتنظيم «ماشاكوس أهلية»، وقد تعرض سكرتير الحزب الشيوعي محمد ابراهيم نقد لهذه الفكرة في حديثه النادر لصحيفتكم، وكذلك في ندوتين في لندن شاركت في أحداها ود. الشفيع خضر في الأخرى، اقترحنا ان تكون هناك «ماشاكوس أهلية». وفي بعض المهاجر مثل كندا وأميركا وانجلترا وغيرها تجري تحضيرات تنظيم «ماشاكوس أهلية». التجمع ليس صامتا، ولدينا وجهة نظر وأفكار ومقترحات. هنالك بعض الجهات تحاول اثبات ان التجمع ليس موجودا، والمعنى هنا هو ان يكون موجودا في ماشاكوس، وان يتم التعبير عن افكاره بنفس طريقة ماشاكوس. هذا الأمر غير متاح. نحن طالبنا بالمشاركة في مبادرة «إيغاد» منذ 1994 ومنذ مؤتمر القضايا المصيرية، وارسلنا قبل عامين وفداً إلى كينيا.. ولكن الجهة الوحيدة التي اصرت على عدم مشاركتنا كانت نظام الجبهة الإسلامية الحاكمة، وهي تردد اليوم دوما أن الحركة هي التي ترفض مشاركتنا. الواقع يقول العكس. وفي حديث د.أمين حسن عمر ل«البيان» نجد فيه انهم لا يرغبون في القوى الاخرى لأن كثرة المتفاوضين «تشوّش» كما يقول. في حين ان الحركة تطالب دوما بضرورة اشراك التجمع. أو على الاقل لم نسمع منها انها رافضة مثلما يحدث من الحكومة. ما نسمعه ـ ويقال علنا وعلى الملأ ـ هو موقف الحكومة الرافض لمشاركة القوى الاخرى. لسان حال الحكومة يقول انهم لا يعقدون مفاوضات الا مع من يحمل السلاح!! ولا يرغبون في مشاركة كاملة توصل الى حل شامل. وهذه هي حقيقة الأمر، يرفض النظام الحل الشامل، ولا يريد إلا هذا الحل الناقص، وهو بهذه الطريقة يقدم الدعوة لكل من لا يحمل سلاحا بأن يحمله!! دعوة لكل من لديه وجهة نظر يريد توصيلها أو حل قضيته عبر مفاوضات رسمية بأن يحمل سلاحا. وعندما يحدث ذلك التحرك العسكري، مثلما حدث في أكتوبر الماضي في شرق السودان، نجد النظام يصرخ بأن ذلك تدخل أجنبي.. الخ. الجبهة الاسلامية تحبذ من أجل تفاوض شامل ان تكون هناك حرب أهلية شاملة! ـ المراقب يرى ان التجمع الوطني لا يصنع الأحداث، وانما يلهث وراء تلك التي تحدث.. ماهو تعليقك؟ ـ لا أفهم معنى جملة «لا يصنع أحداثا».. التجمع هو الذي صاغ «مقررات اسمرا» بما فيها مسألة الحل السياسي. كذلك عقد مؤتمره الثاني في «مصوع» تحت شعار وقف القتال، كما ساهم مساهمة أساسية في المبادرة المصرية الليبية المشتركة، حيث صاغ وأصر على المبادئ الاساسية التي ظهرت في شكل 9 نقاط عرضتها الدولتان في يوليو 2001. كذلك المذكرات التي قام بتقديمها تجمع الداخل. كل هذه محاولات من التجمع لصنع الأحداث. ويشهد على دور التجمع أن جل الأفكار والمقترحات التي يتم تداولها الآن مأخوذة ـ حتى بألفاظها أحياناً ـ من برنامج التجمع ومقرراته. أنا طبعاً أكثر من متعاطف مع الذين يأخذون على التجمع ضعف أدائه، وقلة ما يفعله في جهة التحضير للانتفاضة الشعبية الواسعة. اذا كان ذلك هو القصد من عبارة «صنع الأحداث» فإن الانتفاضة لها شروط تستحق أن يفرد لها لقاء خاص. ـ كيف قرأتم مذكرة التفاهم الاخيرة بين الحكومة والحركة؟ ـ البنود التي وردت في المذكرة يمكن تناولها مجتمعة أو منفردة وتلخيص ما دار حولها بين اعضاء التجمع. وبداية كان التعليق بالنقد على مواصلة مناقشة قضايا اساسية تهم كل الشعب السوداني بين طرفين، وعزل بقية القوى السياسية والاصرار على ذلك. كل القضايا التي ضمنت في مذكرة التفاهم، سواء كانت حكومة الوحدة الوطنية أو الانتخابات أو الديمقراطية، أو حقوق الإنسان، أو استقلال المؤسسات، أي قضية من هذه القضايا لا تهم فقط هذين الطرفين. ولا يوجد أي سبب يمنح هذين الطرفين حق احتكار مناقشتها والبت فيها. ومثلما ذكرت في وقت سابق، فإنه من الجائز في القضايا الخاصة بوقف القتال والاعمال العدائية، ان يحصر النقاش والاتفاق بين طرفين أو بين الاطراف المتحاربة عموماً، رغم حقيقة ان كل الشعب يهتم بوقف القتال واحلال السلام. وأول بنود المذكرة كان الاعتراف بالسيادة الوطنية للسودان. هذا ليس شأنا خاصا بين الحركة والنظام. لا.. أن هذا الأمر يخص كل الشعب السوداني، ولا يعني ذلك أن يأتي كل سوداني الى طاولة المفاوضات، لكن يجب ان تسمع وجهة نظره على الاقل، ولا توجد طريقة لإسماع وجهة النظر هذه الا بإطلاق الحريات العامة، وحرية الصحف، وحرية الاجتماع وتبادل وجهات النظر. بهذا فقط يكون الشعب السوداني مشاركا. أيضا هنالك وسائل اخرى، مثل قياس الرأي العام والاستبيانات والاستفتاءات، يمكنها أن تساعد المفاوضين.. المفاوضات سواء كانت بين الطرفين أو كل أطراف الحركة السياسية السودانية تتوصل في النهاية الى نتائج عن طريق المهارة وقوة العارضة والحجة وتوازن القوى.. الخ. الا ان المزاج العام للشعب السوداني يجب ان يكون متواجدا. قد يقول المتفاوضون ان المزاج العام للشعب السوداني غير مبني على حقائق موضوعية وملموسة ومدروسة، ولذلك يمكن ان يفضلوا طريقاً مخالفاً.. لكن على الاقل يجب ان يقول الشعب السوداني وجهة نظره بمختلف الوسائل التي ذكرتها. وهذا يعيدنا الى الاقتراح ب«ماشاكوس الاهلية». ولكن في النهاية يعتمد كل شيء على الحرية في التعبير، اصدار الصحف، الندوات، عقد الاجتماعات العامة، وهذا بحاجة الى إلغاء القوانين المقيدة للحريات، إنهاء حالة الطوارئ، وإلغاء كل ما يمنع الناس من التعبير عن وجهات نظرهم وتبادلها بحرية. تماشياً مع ماذكرته، توجد في مذكرة التفاهم نقطة عن «اطلاق حملة اعلامية في مختلف ارجاء السودان لنشر وتعريف الشعب باتفاقية السلام من خلال بروتوكول ماشاكوس».. هذا يعني ان يمثل الشعب السوداني دور المستمع والمتلقى فقط، فستقوم الحكومة والحركة بابلاغ الشعب. المزمع عمله هو فقط «اطلاق حملة». اذا كان مقصودا بالفعل ان يقول الناس وجهة نظرهم في عملية السلام ونتائج المفاوضات، فالمفترض ان يحدث (Feed back)، أن يبلغوا الناس ويسمحوا لهم بالتعبير عن وجهة نظرهم وتعليقاتهم.. وان تتاح لهم تلك الفرصة. هذه هي الطريقة الديمقراطية الوحيدة لاطلاق مثل تلك الحملة. لكن ما نراه في وسائل الاعلام هو وضع الامر في صيغة «الحقائق التامة» ويصبح فقط مجرد تظاهر بالديمقراطية والشفافية. أما ما حدث فأعتقد ان الشعب يعرفه بوسائله الخاصة. أيضا هنا إشارة إلى اتفاق حول المبادئ العامة لاقتسام السلطة والثروة.. وشعار الاقتسام العادل للسلطة والثروة من الشعارات الأساسية التي طرحها التجمع في ميثاقه ومقرراته، ولم يكن مطروحاً من قبل النظام.. كما لم يكن قط ضمن توجهه الحضاري. وقد اضطروا الآن لمناقشته.. التجمع في مقرراته طرح «الاقتسام العادل للسلطة والثروة»، وهذا يضعنا أمام حقيقة ان هناك اقتساماً غير عادل، اقتساماً ظالمأ للسلطة والثروة. عندما نتحدث عن الاقتسام لم نكن نقصد مسألة حسابية، أو عدد الجنوبيين كذا، وعدد الآخرين كذا وكذا، نحن نتحدث عن سياسة، عن مبدأ العدالة للشعب ككل وليس لجهة معينة، لا يمكن ان نحسب الجنوبيين كثلث السكان، لذلك لابد ان يمثلوا ثلث البرلمان، أو ثلث الوزارة، أو يكون نصيبهم من القطن الثلث أو من البترول الثلث.. لا، لا نتحدث عن ذلك، اننا نتحدث عن سياسات تؤدي الى عدم التمييز، هذا هو ماعنيناه في «مقرارات اسمرا» فيما يتعلق بالاقتسام العادل للسلطة وللثروة. رأينا في الحزب الشيوعي فيما يخص الثروة، ان توضع كل موارد البلد في «الماعون» القومي الواحد، ويتم تقسيمها بحسب الاحتياجات، السياسية والاجتماعية، فمثلا، اذا كان وجود المستشفيات غير متوازن في المناطق يعالج هذا الخلل.. هنا لا يدخل الحساب وانما السياسة، وهي تعني بوجوب وجود عناية طيبة أو تعليمية أو خدمية أو تنموية.. الخ. هذا هو ما عنيناه بالاقتسام. اقتسام الثروة يكون بوضعها في ميزانيتين: ميزانية تنمية وميزانية عامة، في ميزانية التنمية نبحث عن احتياجاتنا، وكيف يمكن ازالة المظالم الموجودة. وفي الميزانية العامة التي تشمل الصحة والتعليم.. الخ، نرى ايضا كيف نقسمها، وهنا يمكن اعطاء أفضلية أو اسبقية أو أولوية للمناطق التي وقع عليها الظلم حتى تصل الى مستوى المناطق الاقل ظلما، وكلنا يعرف ان السودان ككل تعبان، لكن هنالك جهات اكثر حظا. لجنة قومية ايضا النقطة التي تحدثت عن صياغة الدستور، من ما هو موجود في مذكرة التفاهم ان النظام والحركة سيصوغان الدستور، ويوافقان عليه، ويشكلان لجنة المراقبة الدستورية.. الخ. الدستور لكل السودان.. فيجب إذن ان تكون هنالك لجنة وطنية عامة تكلف بصياغة الدستور، كدستور انتقالي يحكم السودان في الفترة الانتقالية. السودان لا يمكن ان يحكم بواسطة طرفين فقط. وايضا يجب البحث عن كيفية لإجازة ذلك الدستور من الشعب بكل طوائفه وتياراته، وليس من الطرفين فقط. الدستور لا يصاغ بمراجعة الدستور الموجود حاليا، لأنه دستور صيغ وفرض بالقوة في غياب الشعب. اذا كان المقصود إنجاز عمل وطني يحقق الديمقراطية والوحدة الوطنية فيجب ان تكون هناك لجنة قومية لصياغة الدستور الجديد. أما النقطة المتعلقة بحكومة وحدة وطنية، فينبغي أن تعني مشاركة كل القوى الوطنية اصالة عن نفسها. هذا لا يعني اشراك حلفاء الطرفين وانما مشاركة كل القوى السياسية. لكن اذا كان الطرفان هما اللذان سيشكلان حكومة الوحدة الوطنية ويشركان فيها حلفاءهما، فالتجربة تقول ان من يعيّن يمكن ان يعزل، وإذن يمكن للنظام والحركة عزل تلك الحكومة في أي وقت. النقطة الخاصة ب«ضمان ان تكون الخدمة القومية والوزارات ممثلة للسودانيين لاسيما مواطني الجنوب.. الخ»، اذا كنا نريد انصافا فالشيء الأولى هو انهاء الوضع الراهن وهو إعادة تنظيم الخدمة المدنية ومؤسسات الامن والجيش والشرطة والقضاء بحيث تكف عن ان تكون تابعة لحزب واحد. يجب ان تعكس هذه الاجهزة الطابع القومي، سواء من الناحية الحزبية أو الثقافات أو الأقاليم. لابد ان تعكس هذه المؤسسات الطبيعة المتعددة للسودانيين. الإشارة إلى تمثيل السودانيين في هذه المؤسسات «بشكل منصف» تعكس في الحقيقة الغياب التام للإنصاف في الوقت الحالي. وهذا اعتراف مهم. لو كان المقصود ان يتم اقتسام هذه المؤسسات بين النظام والحركة الشعبية فسيظل الوضع كما هو، ولن تكون مختلفة عما هو موجود حاليا. وهذا أيضا شئ ضار مثل الضرر الحالي. كسر احتكار الجبهة الاسلامية لهذه المؤسسات لا يعالج بدخول الحركة فيها إلى جانب النظام. فالسودان لكل السودانيين، والخدمة المدنية والجيش والشرطة والقضاء لكل السودانيين، لا تميزهم سوى مؤهلاتهم. ثم نأتي إلى نقطة «تعزيز وحماية حقوق الإنسان.. الخ»، التي تثير العجب. اذا كانت مذكرة التفاهم قد صيغت بموافقة الحكومة.. فماذا تتنتظر حتى تبدأ في التنفيذ؟ ولماذا لا تعزز الديمقراطية وتحترم حقوق الانسان في الوقت الحالي؟. اذا كانت الحكومة تدعي ان حقوق الانسان مصانة، فلماذا وضعت هذه النقطة من جملة مااتفق عليه؟ ألا يعني وضعها هنا كشيء يجب تنفيذه، انه شيء غير موجود في الواقع الحالي؟.. ولماذا تصر الحكومة على عدم التنفيذ حتى يتم الاتفاق النهائي مع الحركة؟ لماذا لا تبدأ من الآن، ما لم يكن في قلب الحكومة «حرقص» ولديها نوايا اخرى؟ المطلوب، الآن وليس غدا، اطلاق الحريات سواء في التعبير او تكوين الاحزاب، أو النشاط السياسي أو حرية الاجتماع وحرية الصحافة، ووقف الاعتقالات ووقف الاستدعاءات، ووقف عمليات التعذيب التي تتم واحترام حقوق الإنسان حقيقة.. اذا كان في نيتها التنفيذ غدا فلماذا لا تبدأ من الآن؟ أما في يتعلق بمنصب «نائب الرئيس»، فنحن حقيقة لا نعرف كيف تسير هذه المناقشة، أو لا نعرف كيف دخلت الحركة في هذه «الغلوتية». فالتجمع ـ والحركة من ضمنه ـ لديه رؤية خاصة بالرئاسة. فموقفنا ان يحكم السودان بنظام برلماني لا رئاسي. وسواء عندنا نحن الشيوعيين أن كانت رأس الدولة آنذاك مجلساً أو فرداً. لكن المهم أن تقتصر صلاحياته وسلطاته على المسائل السيادية. لكن الحكم والسلطة التنفيذية موجودة لدى مجلس الوزراء، والسلطة التشريعية لدى البرلمان والسلطة القضائية لدى القضاء. إن النظام الرئاسي الذي عانينا منه مايقارب الـ 35 سنة لابد ان ينتهي إلى غير رجعة. النظام الرئاسي في بلادنا هو صنو الاستبداد، من عينة ما نرى في الكثير من الدول العربية والإفريقية. ليس من مصلحة بلادنا ولا شعبنا إقامة نظام رئاسي، لا على النمط الفرنسي أو النمط اللبناني أو النمط الاميركي. نحن نريد نظاماً برلمانياً، والنظام البرلماني يتيح للوحدة الوطنية أن تترسخ.. ولا يدع فرصة لأي فرد، سواء كان من الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب.. او من هذا الحزب أو ذاك، ان يقود بلادنا إلى الدكتاتورية عبر المؤسسة الرئاسية. ونفضل دائما في الرئاسة ان يكون هناك «مجلس رئاسي» لأن به تمثيل لكافة القوى والاطراف. وللآن لم يدخل في رؤوسنا سبب الخلاف الذي دار في ماشاكوس فيما يخص نائب الرئيس، وهل سيكون على عثمان أو جون قرنق، مع ملاحظة ان كل هذا يتم مع الابقاء على عمر البشير رئيسا. هذا شئ غير مقبول، لا من حيث شخصه فقط وانما من حيث المبدأ في الأساس. ومن اللافت للنظر أنه في كل ماتم نقاشه حول هذا الامر في «ماشاكوس» لم يتطرق احد لصلاحيات الرئيس، وانما كان التركيز على صلاحيات «نائب الرئيس». فيما يتعلق بموضوع العاصمة، ومسألة كونها علمانية أو مدنية أو تحكم بالشريعة، هذا للأسف يعود الى ماتم الاتفاق عليه في بروتكول ماشاكوس الأول، وهو ان الشمال يحكم بالشريعة. وهنالك الادعاء المضحك والفارغ الذي يردده النظام، عن ان العلمانية تعني تحويل البلد الى «ماخور». مطلبنا ليس إلغاء الشريعة لاباحة الخمور وجعلها بنداً من بنود الحياة اليومية للشعب السوداني. السودانيون لديهم مواقف في هذه الأمور، وهم لا ينتظرون دروساً في الأخلاق من قادة الجبهة. والنضال ضد ما يسمى ب«الدستور الإسلامي» وضد إقامة دولة باسم الإسلام لم يبدأ اليوم. لقد رفض السودانيون، مسلمون وغير مسلمين، استغلال الدين في السياسة وأن يكون هنالك مواطنون من الدرجة الثانية، أو يكون الحاكم هو الحاكم بامر الله ومن يعارضه يعتبر معارضاً لله. مطلب السودانيين أن يكونوا جميعاً متساوين بغض النظر عن الدين والثقافة والجنس والعرق، وأن تعتمد الديمقراطية. ومسائل الحكم هذه مسائل بشر ويمكن النقاش حولها باعتبارها مصالح للبشر ككل. بالنسبة لاجراء انتخابات حرة ونزيهة اثناء الفترة الانتقالية، لا أظن انها ستكون نزيهة وحرة اذا اجريت مع بداية الفترة الانتقالية.. حيث يعني هذا ان الحكومة وهي التي تتحكم في كل أجهزة الدولة، وتهيمن على الاعلام، وتملك وتهيمن على موارد البلد والتوظيف، فبديهي ان تتحكم ماليا واعلاميا من الناحية التنظيمية في الانتخابات المقبلة ممايفقدها النزاهة والحرية. حتى ولو لم يكن هناك تزوير، وهذا ما اشك فيه، سواء في قوائم الناخبين أو الدوائر أو صناديق الاقتراع أو في عملية الإشراف الإداري والقضائي.. بالوضع الحالي الموجود وعدم ترتيب القوى السياسية الاخرى لأوضاعها ستكون النتيجة لصالح النظام. ولا ننسى انه حتى مجرد الحركة بالنسبة لهذه القوى من مكان لآخر به مشكلة، وبالتالي فأي حديث عن انتخابات «حرة نزيهة» ليس سوى ضحك على الذقون. العلاقة مع أميركا! ـ كيف تصف علاقة التجمع الوطني بالولايات المتحدة؟ المراقب يراها غامضة، حيث يعارض الجميع تصرفات الولايات المتحدة في كل انحاء العالم من افغانستان الى فلسطين والعراق. هل يتغاضى التجمع عن كل هذا؟ ـ مواقف اميركا معروفة سواء كانت من القضية العربية أوقضايا الاستقلال والتحرر، وكذلك مواقف الناس منها محددة، وهي كقوة مهيمنة تريد فرض ارادتها على العالم كله.. وهذا شئ مرفوض تماماً. وأميركا بطل العولمة الرأسمالية المتوحشة، وهي المهيمن الأوحد في السياسة العالمية.. كل هذا يحتم ان تكون هناك معارضة ومقاومة لها، وهناك من يقاوم بالفعل، وبنجاح، وهناك معارك متعددة تدور في كل انحاء العالم ضد هذه الهيمنة، ونحن ضد هذه الهيمنة، وضد المطامع الامبريالية. وليست خافية مطامع أميركا في بلادنا ومنطقتنا. رأينا.. تساعد، أهلا وسهلا، أما عن كيفية المساعدة فنحن لدينا رأي، وهو أن الولايات المتحدة تساعد بمنهج خاطئ في علاج الأزمة السودانية، وهي أزمة عامة وممتدة ولها جذور تعود إلى فجر الاستقلال، تشمل أطرافاً متعددة ومناطق متعددة المنهج المطبق في ماشاكوس ـ والذي تدعمه اميركا ـ يتصور الأزمة السودانية باعتبارها مشكلة بين الشمال والجنوب، ومسلمين وغير مسلمين، ومشكلة الحرب.. هذه ليست القضية، فالقضية ان هنالك نظاماً ديكتاتورياً دموياً يفرض حكم أقلية على اغلبية ساحقة، ومشاكل الحرب هي نتاج من المشكلة الكبيرة. لذلك حل المشكلة يكون بإزالة النظام الدكتاتوري الموجود في السودان، وتحقيق التحول الديمقراطي الذي يؤدي الى حل المشاكل المزمنة في السودان. بما فيها مشاكل التهميش والقضايا التي اثارت الحرب في السودان، وتحقيق العدالة والمساواة بين السودانيين، وخلق تنمية ونهضة ووحدة وطنية. «دعاش انتفاضة»! ـ ما شهده الداخل في الشهور الأربعة الماضية من تقديم مذكرة القوى السياسية، والتحرك الطلابي في جامعة الخرطوم.. هل هذه بشائر لانتفاضة؟ أم أن الانتفاضة في السودان فقدت مقومات قيامها؟ ـ لا يمكن للانتفاضة ان تفقد مقوماتها، لأن الانتفاضة لا تأتي بطلب أو بمقادير مثلما تفعل مع البسكويت والرغيف أوالملاح.. الانتفاضة لها علاقة بالوضع السياسي والاجتماعي والعلاقة بين الحكم والمحكومين ومسألة الحريات ومطالب الشعب الحيوية والاساسية. ولأنها حقيقة سياسية واجتماعية موضوعية فإن القمع لن يزيل أسبابها ومقوماتها. لا يمكن لفرد ان يقول «تعال نعمل انتفاضة» ولا يمكن ان تقوم الانتفاضة في أي وقت، مهما بلغ السخط. صحيح ان بها العنصر الذاتي.. وهو يتمثل في التنظيم والفضح والتحريض، الا ان باقي مقوماتها كلها موضوعية تقود المحكومين الى رفض الظلم وضنك العيش، وكذلك الحاكمين حين يأتي زمن لا يستطيعون فيه أن يحكموا بالطريقة القديمة. مثلا في مواجهة حركة الطلاب الاخيرة لجأ النظام الى قوات تسمى «قوات حرب المدن». هذا شئ جديد. وهذا يعني أولاً ان النظام افترض ان الانتفاضة المقبلة، وبما انها ستكون محمية أو مسلحة،تلزم مواجهتها بقوات جيش. هذا يعني أيضا أن النظام لم يعد قادرا على الحكم بالطريقة القديمة. قوات الشرطة عندما دخلت للجامعة تم ضربها وطردها. لذا كان اللجوء الى «قوات حرب المدن».. هذه القوات لم نسمع عنها الا في الأرجنتين، ولها سجل كئيب حافل بالإجرام.. هذا التصرف يقودنا الى الانتباه الى الأزمة التي بدأت مظاهرها، الناس في الداخل أقدر على معرفة ما إن كانت بوادر انتفاضة، وما إن كانت «دعاشاً» حقيقياً. وأتساءل ما الذي كان قميناً أن يحدث لو انضم طلاب من جامعات اخرى.. ربما كان سيحدث وضع آخر أو «كلام ثاني» كما يقولون. ـ هل عدم انضمام قطاعات الشعب المختلفة لتحرك الطلاب يعكس لا مبالاة لديهم؟ أم يعني قوة النظام ومنعته، وفي نفس الوقت ضعف المعارضة؟ ـ الوضع في جامعة الخرطوم يختلف عن بقية الجامعات. فالأوضاع في السابق كانت مريحة إلى حدود كبيرة، وكانت هنالك داخليات ومعيشة الطلاب مستقرة، حتى في أحلك الظروف كانوا يستطيعون عقد مؤتمرات وندوات داخل الجامعة، ولم ينقطع تنظيمهم النقابي ابدا. ولم يكن هذا حال باقي الجامعات. لذلك كان نضج تجربتهم قبل الاخرين، وبالفعل كانت مقاومتهم في مستوى عال وصل إلى حد تكوين لجنة مركزية من كل التنظيمات الطلابية باستثناء تنظيم الجبهة الحاكمة. الحديث حول اليأس من قيام انتفاضة هو يأس في غير محله. الشارع السوداني لن يستطيع فعل ما حدث في أكتوبر وإبريل ما لم تكن هناك ظروف تحركه. ولنعد لانتفاضة (1985)، فقد سبقتها أحداث مثل اعدام محمود محمد طه، وحركة الاحتجاجات التي تلته، وتكوين التجمع النقابي ثم التجمع الوطني. اذا لم تساعد الظروف الشارع فلن تستمر حركته. وكلنا يعرف ان كل التنظيمات السياسية عانت من مختلف أشكال القمع في ظل نظام الجبهة، مما أثر على أدائها. لكنها بالتدريج تستعيد قواها. الامر يتطلب بعض الوقت. ـ صدر تصريح صحفي من لجنة تسيير المناقشة العامة في الحزب الشيوعي، ذكر فيه ان اللجنة بصدد وضع التقرير النهائي من دستور وبرنامج واسم الحزب الجديد. كيف ستحسم المناقشة العامة؟ ـ غالبا المناقشة العامة تحسم بمؤتمرات، وفي حالة تعذر عقد مؤتمر لابد من وجود «ماعون» يحل محله.. ويتمتع بنفس صلاحياته ويتولى المهمة الاستثنائية لحسم مناقشة عامة. المرة الوحيدة التي حسمنا فيها مناقشة عامة بمؤتمر كانت عام 1970، عندما حدثت خلافات داخل الحزب حول تقييم انقلاب ونظام مايو، وكان ذلك في اغسطس 70، وحسم المؤتمر المناقشة. ـ أين يمكن ان يتم المؤتمر أو ذلك الشكل؟ ـ لا وقته ولا مكانه يمكن الحديث عنه الآن، ليس فقط لأننا تحت نظام معاد لحزبنا وللديمقراطية، ولكن أيضاً لضرورات عملية. ومتى ما أصبحت «أين» سؤال الساعة سيستقر الناس على مكان، وعندما تأتي «متى» سيستقر الناس على موعد. ـ وبالنسبة للاسم؟ ـ هناك كثيرون يرون وجوب تغيير الاسم، وكثيرون يرفضون ذلك. أما أنا فمن الذين لا يريدون ان يكون التغيير لمجرد التزيين. وفي كل الاحوال فإن الحزب هو الذي سيقرر. حوار : رجاء العباسي