الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 المؤتمر الذي شهدته منطقة جبال النوبة السودانية قبيل عيد الفطر اكتسى اكثر من اهمية على نحو يجعله علامة فارقة على مسار مفاوضات السلام السودانية. بادئ ذي بدء هذا اول مؤتمر شامل يجمع شمل مواطني تلك المنطقة وهو في الوقت نفسه الاول على المستوى نفسه الذي تشهده المنطقة التي تشكل برزخاً خاصاً ومتميزاً بين شطري الوطن. جبال النوبة ليست ـ حسب جذورها الاثنية وطبوغرافيتها ـ جزءاً من الشمال او امتداداً للجنوب. بما ان النوبة يعتبرون حليفاً اساسياً للحركة الشعبية التي يتزعمها الدكتور جون قرنق في قتالها مع الشمال فإن الموقف الناجم عن المؤتمر يومئ الى موقع المنطقة في مفاوضات السلام التي تستهدف وضع خاتمة للحرب الاهلية ومن ثم مصير ابناء المنطقة. حضور قرنق للمؤتمر جاء بمثابة رسالة صريحة للمجتمع الدولي المعني بملف السلام السوداني على تمسك الحركة الشعبية بالنوبة حليفاً ومن ثم رفض الحركة اجتزاء المنطقة خارج طروحات الحركة الجنوبية في مفاوضات ماشاكوس. قرنق لم يحضر المؤتمر ضيف شرف وانما شريك تعهد اثناءه بالتزام قاطع تجاه مواصلة تحالفه مع جبال النوبة. ثمة ترتيبات تجري حالياً لاعداد مؤتمر مماثل لمواطني منطقة جنوب النيل الازرق وهي منطقة اخرى تصر الحركة الشعبية على اعتبارها جزءاً من الجنوب في مسعى قرنق لبلوغ مرحلة تقرير المصير. ابيي هي ثالثة مابات يعرف بالمناطق الثلاث المهمشة في ملف المفاوضات. قرنق يريد من مفاوضيه والمعنيين بملف السلام ان يفهموا حضوره مؤتمر جبال النوبة على ذلك النسق. مشاركة الحركة في المؤتمر لم تأت مجاملة وانما استهدفت بناء موقف تفاوضي قبيل الذهاب الى واشنطن والعودة النهائية الى ماشاكوس. من المؤكد ان الحركة ساهمت في الاعداد والحشد للمؤتمر على النحو الاستثنائي الذي جاء، اذ جمعت المناسبة مواطنين من اولئك الذين يعيشون في المناطق التي تقع تحت قبضة قرنق واولئك الذين يعيشون داخل المناطق الواقعة ضمن نفوذ الحكومة. غض الطرف الحكومي عن المؤتمر يؤكد التزامها باتفاقية سويسرا التي تكفل لمواطني جبال النوبة حرية الحركة، كما يؤشر الى سلامة نية تجاه قرنق الذي اعلن دخوله المنطقة ـ وهي المرة الأولى في غضون 20 سنة ـ دون اذن الخرطوم. صحيح ان المؤتمر بحث قضايا تتعلق بالتنمية في المنطقة غير ان قضية السلام تصدرت اجندة عمله وبيانه مما يؤكد انها كانت الغاية التي من اجلها احتشد نحو 3 آلاف شخص يمثلون قيادات حزبية ومنظمات المجتمع المدني بما في ذلك منظمات الطلاب والشباب والنساء. من الواضح ان مسألة رص الصفوف كانت المهمة الاولى للقائمين على المؤتمر وكان ابرز انجاز في هذا المضمار قد تمثل في اتحاد الاحزاب الاربعة النابعة من المنطقة في كيان موحد ثم اسناد رئاسته للاب فيليب عباس غبوش السياسي المخضرم الذي يستند الى زعامة راسخة وسط النوبة اكد صدقيتها في الخرطوم نفسها. قادة الاحزاب الثلاثة الاخرون وهم البروفيسور الامين حمودة، محمد حماد كوه، ويوسف عبدالله جبريل ارتضوا الاصطفاف خلف الاب غبوش. اللواء بابا الله بريمه الحاكم السابق للمنطقة حضر بصحبة مئة من انصاره المؤتمر فزاد ذلك من ثقل المناسبة. اندغام هذه «اللافتات» في واحدة يمثل انجازاً لا يمكن التقليل من دلالاته اذ انه يؤشر الى اتحاد مواطني جبال النوبة تحت مظلة سياسية موحدة. غير ان الانجاز الأكثر اهمية والذي اراد المؤتمرون الافصاح عنه يتجسد في منح قرنق تفويضاً كاملاً لمناقشة مستقبل مصيرهم في مفاوضات السلام. بهذا يكون قرنق انتزع ورقة نافذة لطرحها على طاولة ماشاكوس. هكذا يكون زعيم الحركة الشعبية الرابح الاكبر من مؤتمر جبال النوبة اذ كرّسه بمثابة استطلاع ديمقراطي لرأي ابناء المنطقة ان لم يكن استفتاء على زعامته في المنطقة. ربما يشعر المفاوضون الحكوميون عندئذ ان غض الطرف عن المؤتمر او السكوت الرسمي ازاءه لم يكن حكمة كاملة. واقع الامر ان قرنق لا يستهدف حصر نتائج مؤتمر جبال النوبة على المنطقة ذاتها او اللعب بورقتها على طاولة ماشاكوس فقط. التفويض الذي حصل عليه قرنق سيلوّح به في جنوبي النيل الازرق وربما ابيي لانتزاع تفويض مماثل. كلتاهما خطوتان لهما ما بعدهما في اعلان قرنق العزم على تحويل حركته المسلحة الى حزب جماهيري تمتد قاعدته من حلفا الى نمولي، فعبر هذه المناطق المهمشة يكسر قرنق اقليميته الجنوبية وينفتح منها على الشمال ومن الجنينة غرباً الى كسلا شرقاً. بهذه الخطوات لا يبني قرنق فقط موقفاً تفاوضياً متكاملاً وانما يفصح عملياً عن شعارات يتبناها على طريق «السودان الجديد». قد يحقق قرنق بعد تفويض جبال النوبة وما يعقبه اختراقاً سياسياً غير انه من الصعب القول ان ذلك الاختراق يعينه على تجاوز، مأزقه الجغرافي. بهذا التفويض يحق لقرنق الحديث عن اعتبار المناطق المهمشة الثلاث جزءاً لا يتجزأ من الحركة الشعبية غير ان ذلك لا يبيح له الغاء الخطوط الجيوبوليتيكية واعتبار هذه المناطق جزءاً لا يتجزأ من الجنوب. قرنق يدرك ان هذه الجهة ستشهد معركة حامية داخل ساحة المفاوضات ولذلك عمد الى اعداد عدته السياسية في محاولة لاستباق الاحتمالات المستقبلية بالتجهيز لمرحلة تقرير المصير التي تتضمن بالضرورة خيار الانفصال. ليس من المستبعد ان يطرح قرنق فكرة استفتاءات محلية في المناطق الثلاث للبت فيما اذا كانت تفضل الاندغام في الشمال او الجنوب من منطلق منحها حق ممارسة تقرير المصير. ربما يجد مثل هذا الاقتراح تجاوباً لدى وسطاء المفاوضات. قرنق التزم بوقف النار لكنه يمارس الضرب تحت الحزام. من الواضح ان قضية هذه المناطق الثلاث تبرز احدى 5 عقبات كأداء امام المفاوضين في هذه المرحلة. بل هي الاكثر استعصاء على التسوية مقارنة مع الاربع الاخر وهي عاصمة قومية موحدة وجيشان ابان الفترة الانتقالية وتوافق حول الرئاسة وقبول بمبادئ توزيع الثروة. قرنق يتحرك وخطواته مثل عيونه على كل السيناريوهات بينما يغلب الشماليون خيار الوحدة على الانفصال. في ظل هذه الفرضية نستوعب الصمت الرسمي والشعبي على مؤتمر جبال النوبة. وفي السياق نفسه نستوعب حديث قرنق عن عملة جديدة واذاعة ناطقة باسم الحركة. كتب عمرالعمر: