الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 خطاب الرئيس العراقي الأخير يؤكد قراءة طارق عزيز للأحداث بأن الحرب أصبحت حتمية وتجنبها معجزة. بغداد لا تحتاج في هذا التوقيت على وجه الدقة التداعيات التي ستنداح عن الخطاب الموجه على النحو الذي صدر الى الشعب الكويتي. الرسالة تؤكد ان الرؤية العراقية الرسمية للأزمة السابقة والماثلة لم تبارح عتبة تسعينيات القرن الفائت. ربما كان العراقيون يتوقون أكثر من الكويتيين خطاباً من قيادتهم على نحو يفرّج سحب الحرب التي تتجمع فوق المنطقة. من الممكن أن تحدث الرسالة العراقية صدى طيباً لدى الكويتيين وعلى صعيد المنطقة العربية بأسرها لو انها ارتدت قماشة غير التي ظهرت فيها. من الممكن أن تحدث كذلك ارباكاً وسط الحلف غير المتماسك بعد لإثارة العاصفة المرتقبة تجاه العراق. الرسالة لم تفصح عن اعتذار عراقي صريح عن الغزو، لكن صدام اعتذر إلى «الله عن أي فعل يغضبه سبحانه، ان كان قد وقع في الماضي مما لا نعرف». ثم يضيف مخاطباً الكويتيين و«نعتذر لكم على هذا الأساس أيضاً». من المؤكد ألا تقابل الرسالة العراقية بترحيب كويتي. الرسالة تضع في حرص بالغ حاجزاً حاداً وعالياً بين الشعب والمسئولين في الكويت. في حين وصمت المسئولين بقائمة مطولة من الآثام والاتهامات فإنها لم تبريء في الوقت نفسه الشعب الكويتي من الجهل على الأقل، كذلك عمدت الى فرز وسط الكويتيين فأطرت «الفتية المؤمنين الذين يحملون على الأجنبي المحتل بالسلاح، لتطهير الوطن والشعب». بينما قال صدام «وجدنا أنا ورفاقي في القيادة» جاء الخطاب خالياً تماماً من عبارة القيادة الكويتية بل ركّز على الاشارة اليها ب«المسئولون» في ما لا يقل عن 13 موضعاً. المسألة تتجاوز اللباقة الدبلوماسية الى التقليل من شأن القيادة الكويتية وهي ممارسة تخترق اطار العائلة الحاكمة الى الرعية. أكثر من ذلك ألحقت الرسالة العراقية بالمسئولين الكويتيين أكثر من 20 صفة ذميمة من الناحية الانسانية والوطنية والقومية، فاعتبرتهم ـ مثلاً ـ «بلوى موغلين في السوء، ربطوا مصيرهم بالأجنبي». و«الارتماء في أحضانه» وهم «مصابون بطيش الطاغوت والغدر والخيانة» ويعملون «مدراء لشركة نفط أميركية». «ذهب بهم التجاسر لارضاء أسيادهم وحماية خيانتهم بخيانة أخرى للعملاء». من المؤكد انه ما من شعب يرتضي لنفسه قيادة من هذا الطراز، رغم ان الخطاب العراقي يعترف «بذكاء ووعي» الكويتيين. مع ان الخطاب العراقي يقول للكويتيين مستميلاً «كنا ومازلنا نعتمد على ذكائكم ووعيكم» غير انه يخاطبهم من موقع العارف المدرك للجاهل الغافل «لقد ظلمتكم وظلمتنا ظروف تسارع الأحداث وعدم اتاحة الفرصة لكم لتعرفوا ما عرفناه» ثم يضيف «ان تصوركم واجتهادكم لو لم يهتد الى الصواب كما ينبغي في السابق فإننا واثقون من انكم ستهتدون اليه الآن أو في المستقبل» ويختتم قائلاً «هل مازال يحجب عنكم التفسير الصحيح لما سبق الثاني من آب وما أعقبه؟». وهو بهذا يضع الشعب الكويتي خارج دائرة الإدراك بما يجري حوله فيتجاوز هنا مجرد تحريضه على قيادته الى رميه بالغفلة، اذ لا يكتفي بمحاولة اضاءة منطقة خفية على العلاقات الكويتية الأميركية بل يذهب أبعد من ذلك في توصيف هذه العلاقة بالاحتلال في مساواة تامة مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين ونهب الثروات. وبدلاً عن التشديد على علاقات الجوار والاخوة بين الشعبين العراقي والكويتي يمارس الخطاب امتناناً متعالياً على الكويتيين اذ يقول «إذا كان النفط هو أساس الثروة وما يملك أصحابها في الكويت فإن النفط ليس إلا جزءاً من الثروة في بلدكم العراق، وإذا نضب النفط عندكم أو تحول الناس عنه كمصدر أساسي للطاقة فإن عناصر الثروة في العراق ذات طابع مستديم الى ما شاء الله». ويتوغل الخطاب في التعالي على الكويتيين قائلا «أما ضعف حال الاقتدار في شعب صغير عندما ينعزل عن أمته فقد جربتموه في الكويت»، فبغض النظر عن الحقيقة من المغالطة في فرضية العزلة فإن الاتكاء على حجم الكويت يستثير غضب الشعب الكويتي ولا يثير تعاطفه. من المفارقة أن يتجاهل الخطاب العراقي «الأسرى» التي يعتبرها الشعب الكويتي قضيته العالقة من زمن الغزو. هذا التجاهل المتعمد يزيد بالطبع الهوة بين البلدين الجارين. الأسوأ من ذلك ان هذا التجاهل يفتح الباب على مصرعيه أمام الادارة الأميركية التي تنقب عن كل ما يمكن أن تدرجه على قائمة مخالفة القرارات الدولية لترفعه في وجه بغداد لتبرير حربها التي أكد طارق عزيز أن عدم حدوثها يعتبر «معجزة». لن تبذل الدبلوماسية الأميركية جهداً لقراءة كل الآثام التي ألحقها الخطاب العراقي بالقيادة الكويتية بمثابة تهديد مباشر لجارته، هذا مبرر آخر يضعه العراق تحت امرة أميركا بل لايزال العراق ينصب نفسه حامياً للشعب الكويتي من الاحتلال. لكن الذريعة الكبرى التي تأتي في أوانها هدية عراقية لإدارة بوش فتتمثل في الاشادة بالفئة التي ترفع السلاح في وجه الأجنبي، وهي اشادة صريحة بحادث فيلكا واخواتها، ففي هذا بيان للناس بأن العراق يحرض ويساند الارهاب وهو اعتراف تبحث ادارة بوش عن شبهة تدمغ بها النظام العراقي في هذا التوقيت أكثر من سابقه. من المؤكد ان خطاب الاعتذار خدم أعداء النظام العراقي كثيراً، ولم يحقق له غاية واحدة على الصعيد الوطني أو الاقليمي أو الدولي. وكان الصمت في هذه الحالة أجدى من الكلام. القراءة المتأنية للخطاب العراقي تجبر المرء على استعادة السيناريوهات التي سبقت «عاصفة الصحراء» إذ بدا واضحاً ان النظام العراقي لم يستوعب من دروس الماضي ما يعينه على تأجيل الحرب المرتقبة، دع عنك اجهاض فرصها، كان طارق عزيز واقعياً أكثر من خطاب الاعتذار حين قال ان تجنب الحرب أصبح «معجزة». كتب عمر العمر: