الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 أثار محمود عباس (أبو مازن) عاصفة من الجدل بعد محاضرة ألقاها الاسبوع الماضي أمام رؤساء اللجان الشعبية في مخيمات قطاع غزة. أبو مازن، المرشح المفضل أميركياً واسرائيلياً لتولي منصب رئيس وزراء فلسطين تحدث بدون لف أو دوران عما يعتقده، قال ان اسرائيل وجدت لتنتصر وان الانتفاضة خرجت عن مجراها وانحرفت عن مسارها، ليس ذلك فحسب، بل أكد ان مشاركة عرب 48 في الانتفاضة كانت خطأ فادحاً وركضاً وراء الأوهام والغوغاء، ووصف حرب التحرير الشعبية بأنها عيش في الماضي، كما دعا من يطلقون النار والبيانات الى التحلي بشيء من المسئولية الوطنية وقال ان سنتي الانتفاضة حدث فيهما تدمير كامل لكل ما بنيناه واننا بالقوة لن نصل الى أهدافنا الوطنية وان شارون بفضل اطلاق النار على الاسرائيليين أصبح أهم زعيم في تاريخ الحركة الصهيونية.. قائلاً كفى. وبلهجة ساخرة علق أبو مازن على منتقدي الاتفاق الذي وقعه ويراه البعض سبب كل المصائب وذلك بقوله: هل كانت الدبابات العربية تطوق تل أبيب حينما وقعنا أوسلو؟! هذا نص المحاضرة المثير للجدل: سأتحدث معكم بعيداً عن لغة الدبلوماسيين ولغة السياسيين وسنتحدث مع بعضنا البعض حديثاً من القلب إلى القلب وبكثير من الصراحة والوضوح، فأمام مصلحة الوطن وأمام مصلحة القضية وأمام مستقبل الأجيال، أجيال الشعب الفلسطيني لا يجوز لنا أن نبقي الأمور غامضة أو أن نبقيها مبهمة، ونضيع الوقت، ومعه يضيع الحلم الفلسطيني الذي طالما حلمنا به نحن وآباؤنا وأجدادنا منذ قرن أو أكثر، لنقول إلى أين نحن ذاهبون؟ لنقف وقفة صريحة مع النفس ونطالب أنفسنا ليس بجلد الذات ولكن بإعادة النظر وبإعادة الرؤية وتصويب الخطى التي نخطوها في هذه الأيام، لذلك أرجو أن تسمحوا لي بأن أكون أكثر من صريح معكم حتى نتمكن من معرفة الحقائق على الأرض ومن ثم البحث في علاجها. بعد مضي عامين على الانتفاضة يجب أن نطرح تساؤلاً مشروعاً: ماذا حققنا؟ ماذا أنجزنا سلباً وإيجاباً؟ ماذا فعلنا في هاتين السنتين؟ وما هي النتائج التي ترتبت عليها هذه الأعمال وما هي المثالب والأخطاء والخطايا ـ إن وجدت ـ وبنفس الوقت ما هي الإنجازات التي حققناها خلال السنتين من أجل أن نستخلص العبر : كيف نواصل، وبأي أسلوب وإلى أين ؟ لقد قام الشعب الفلسطيني بانتفاضة، كنا نجلس على الطاولة لنقول كيف نكمل المسيرة، الآن بعد مرور سنتين على هذه الانتفاضة نقول أنها لم تكن خطأ، لأنها جاءت تعبيراً شعبياً ينبع من ضمير الشعب ضد الممارسات الإسرائيلية، ويمكن لنا أن نذكر أن هناك أسباباً ثلاثة للانتفاضة الحالية تتمثل في حالة الإحباط التي أصيب بها الشعب نتيجة تعثُر المفاوضات، واستمرار الحكومة الإسرائيلية بالاستيطان، وزيارة شارون للمسجد الأقصى. هذه الأسباب الثلاثة تجعل بل وتدفع الشعب ليقول كلمة غاضبة ويرفع صوته عالياً ويتظاهر ويقول للعالم أن ما تقوم به إسرائيل هو جرائم حرب لابد وان تتوقف. ونحن ندخل من هذا المدخل أيضاً، لا ننسى أننا عندما جئنا عبر أوسلو جئنا من أجل إستكمال مسيرة السلام، إذن في الأساس هناك هدف لابد أن نستكمله، وقد بدأ بغزة وأريحا أولاً ثم انتقل إلى مدن الضفة الغربية، ثم وصل إلى 42% من أراضي الضفة الغربية بين (أ ـ ب) تحت السيطرة الفلسطينية، وبدأنا مرحلة الإعمار والتعمير وبدأنا نستقبل رؤوس الأموال والمستثمرين وبدأ العالم يقدم لنا المعونات والمساعدات لتؤهلنا لبناء الوطن وإستكمال مسيرتنا للوصول إلى الإنجاز الكامل في بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وإنهاء الإحتلال وإنهاء الإستيطان، وحل مشكلة اللاجئين طبقاً للقرار 194. ولكن ما جرى في هاتين السنتين، كما نراه الآن تدميراً كاملاً لكل ما بنيناه ولما بني قبل ذلك، واصبحنا الان دون مستوى الفقر في كلٍ من غزة والضفة، واصبح شعبنا في حالة ضياع وجوع ومعاناة يعرف الله والبشر مداها وحدودها، والسبب في ذلك ان كثيراً من الناس استجابوا للاستفزازات الاسرائيلية وبذلك خرجت الانتفاضة عن مجراها الطبيعي وبدأوا بطريقة لا قبل لنا بها، وبدأوا باستعمال السلاح وما توفر لديهم من اختراعات مثل الهاون والقنابل وغيرها، واطلاق النار من البيوت والحارات، وقضايا الملثمين والمسلحين. وامام هذا الواقع ونتيجة هذه الاعمال اصبحنا امام معركة عسكرية وليس امام انتفاضة شعبية تعبر عن غضب شعبي، لا يستطيع احد ان يعترض عليه ولا يستطيع احد ان يستعمل ما يستعمله الان من كل انواع الدمار، ولأنه اعطى الذريعة والسبب ما دام هناك سلاح لأن يستعمل في مقابله الدمار. وكما ترون اليوم فأن كافة مدن الضفة الغربية رام الله، جنين، نابلس، طولكرم، رفح، بيت لاهيا تتعرض يومياً لعمليات تدمير بسبب استغلال اسرائيل لأعمال لا اعتقد انها ضرورية، ولا اعتقد انها مفيدة ومجدية. قد يسألني سائل انت لا تعرف ان شارون لا يريد سلاماً ولا يريد امناً، اقول هذا صحيح ان شارون لا يريد سلاماً ولو جلس على الطاولة وقدم مشروعه السياسي الذي نعرفه وسبق ان قدمه لنا في اكثر من مناسبة، لسنا نحن وحدنا الذين سنرفضه وانما جزء كبير من الشعب الاسرائيلي سيرفضه لأنه لا يعني بأي حال ان الرجل يريد سلاماً وسيكون في هذه الحالة مصيره مثل مصير نتانياهو الذي عارض واعترض ورفض وكانت نتيجة ذلك ان الشعب الاسرائيلي هو الذي اسقطه. لذا كان من المفروض ونحن نعرف هذا، ان نجلس على الطاولة لنكشف اوراق شارون وان نجره الى الخانة التي نحن قادرون على العمل فيها ونحن اقوى منه فيها، ولا يجرنا الى النقطة التي يتمتع بها او يمتاز بها ليس علينا فحسب بل وعلى كل العالم العربي وهي نقطة القوة العسكرية وقوة السلاح. ان ما لدينا من سلاح هو البنادق التي أُدخلت على اساس انها سلاح قوات امن وطني، هذا كل ما لدينا وما عدا ذلك تهريب من هنا وشراء من هناك، وهذه بأي حال من الاحوال لن تؤدي الى تحقيق الغرض الذي نريده، اذن كان من المفروض ان نستغل هذه الفرصة عندما قال ابو عمار في 11 سبتمبر : انا ضد الارهاب فقالت اميركا هذا الرجل نريده، صفقوا لهذا الرجل، ولكن بعد قليل جاء شارون وقال كيف تصفقون لعرفات! انتم بعتم اسرائيل فقالوا له : اصمت. إلا ان الامور تطورت للاسوأ نتيجة لتدهور الاحداث ووقوعنا في اخطاء دفعت شارون الى استمرار عدوانه، ومن هذه الاخطاء اعلان الجبهة الشعبية مسئوليتها عن قتل زئيفي، كان على الجبهة الشعبية عدم اعلان مسئوليتها لأن النتيجة الاولى والمباشرة لذلك الاعلان معروفة سلفاً وهي الحصار الاول الذي فرض على الرئيس ياسر عرفات، واستمر منذ ذلك التاريخ متقطعاً حتى يومنا هذا في المقاطعة التي بنيت منذ الانتداب البريطاني، وتطورت وتوسعت بعد ذلك في عهد السلطة الفلسطينية حتى اصبحت شبه قرية كبيرة، الا انها تحولت مع الاسف الى ركام وعبارة عن كسارة من الحجارة ولا يوجد فيها الا غرفة وحيدة، ولذلك من المفروض ان يتحلى اولئك الذين يطلقون النار والبيانات بشيء من المسئولية الوطنية. إصلاح لذلك كان لا بد من وقفة، وهذه الوقفة تحدثت عن اصلاح الوضع. اثناء الحصار كنا نرى الكل يتكلم ويتحدث عن الكل ولا يوجد مسئول يعمل ولا وزارة، لكن نتكلم عبر الفضائيات، المخول وغير المخول وغير المعروف وكلها اقوال متناقضة. وكان لا بد من وقفة لنقول اين نحن ذاهبون ؟ من هنا جاءت المطالبة بالاصلاح باعتباره مصلحة فلسطينية، لإصلاح اوضاعنا وتصويب مسيرتنا ومسارنا لنعيد شعبنا مرة اخرى الى الحياة والنهوض بأعبائه، ولا يكفي ان السلطة تدفع رواتب للموظفين فقط، ماذا عن باقي فئات الشعب من عمال وفلاحين واصحاب المتاجر والفنادق والمزارعين وغيرهم؟ انهم جزء من الشعب ولا بد من مراعاة ورعاية شئونهم والتفكير بمصيرهم ومعاناتهم. لقد بدأ الحديث عن تشكيل حكومة منذ الحكومة السابقة وليست الحالية، ولقد بدأ المجلس التشريعي بأخذ دوره كممثل عن الشعب الذي اختاره طواعية وبحرية كاملة ويجب عليه ان يتحمل مسئولية ما يجري، ولكن قبل تشكيل الحكومة المستقيلة وقف المجلس التشريعي واعلن انه لا بد من الاصلاح... ولا بد من تشكيل حكومة مصغرة ودخل في معركة حامية كانت نتيجتها استقالة الحكومة الحالية والتشاور حول الحكومة الجديدة، وعندما بدأنا نتشاور في الحكومة الجديدة قلنا ما يلي: أولاً : لا بد ان تكون هذه الحكومة مصغرة بقدر الامكان، لأن امامها مهمتين رئيسيتين هما: المهمة الاولى: هي الاصلاح. المهمة الثانية: هي الانتخابات التي حددت في العشرين من يناير المقبل بصرف النظر ان كان هذا الموعد موعداً منطقياً وواقعياً ام لا، ولكن علينا ان نعمل من اجل ان يكون هناك انتخابات سواء جرت في العشرين من يناير المقبل أو العشرين من يوليو المقبل، المهم ان تقوم هذه الحكومة بواجبها وبالتالي هي حكومة انتقالية وعندما تجري انتخابات وتنشر النتائج نقول هذا الذي اختاره الشعب وبذلك لا بد ان يكون الناجح وزيراً او يكون مسئولاً. اذن الهدف الاول للحكومة الجديدة هو ان تجري الاصلاح المالي والاداري والامني، اضافة الى ذلك فإن الحكومة امامها استحقاقان مهمان وخطيران هما: الاستحقاق الاول، يتعلق بما هو مقبل على العالم بسبب العراق والتوجه الاميركي لضرب العراق، فأذا جاءت الحرب واوضاعنا بهذا الشكل ستضيع كل انجازاتنا وحلمنا، ولذلك لا بد من اصلاح اوضاعنا. الاستحقاق الثاني، يتمثل بالاجهزة المدنية والامنية التي تدمرت في الضفة الغربية وباتت السلطة جراء ذلك غير قادرة على ممارسة مهامها، وهناك خطر محدق قادم على قطاع غزة خاصة وان قطاع غزة بينه وبين الاجتياح قاب قوسين او ادنى، واسرائيل وضعت في مخططها اجتياح غزة وليكن ما يكون، وحتى يأتي الوقت المناسب لأجتياحه الكامل فهي تجتاح اجزاء منه يومياً مرة في رفح ومرة في بيت لاهيا، مرة في الجنوب ونخرج بحصيلة عشرات الشهداء ومئات البيوت المدمرة. وهكذا أصبحت هذه النتائج بمثابة حالة إنذار، وعبارة عن أرقام نقرؤها يومياً، وربما سيأتي الأفدح والأخطر والأكثر إذا تم الاجتياح. إن الأمانة التي يتحملها من يتولى القيادة والمسئولية، تفرض علينا جميعاً أن نتدبر أمرنا ونحتاط ونعمل على تجنيب شعبنا في غزة، مخاطر الخسارة البشرية والمادية والسياسية التي ستحصل في قطاع غزة، وهو المكان الوحيد بين كل أراضي السلطة الفلسطينية الذي ما زال فيه رمق، بمعنى أنه حتى الآن لم يدمر كل شيء فيه وما زالت بعض الأجهزة موجودة والمؤسسات والوزارات تواصل أعمالها وهذا لا يحصل في الضفة الغربية. إذن كيف يمكن أن ننقذ القطاع وبسرعة، وبدون تباطؤ من مأساة حقيقية تنتظره؟ هذا يتطلب جهوداً سريعة ومتسارعة من أجل وضع النقاط على الحروف ومن أجل ضبط الأجهزة، ومن أجل ضبط التعليمات وضبط الأمن في القطاع حتى لا يأخذ الإسرائيليون ذريعة في استمرار عدوانهم وتصعيده على شعبنا. لذلك أمامنا ثلاثة احتمالات: إما أن ننجح في ضبط الوضع، ولا اعتقد أن هناك ما يمنع هذا النجاح، وبالتالي نحمي هذا الجزء العزيز من الوطن من الدمار، ولنا في الضفة الغربية مثل واضح، وإذا نجحنا سنقول للعالم أنه في المكان الذي نتمكن فيه من العمل عَمِلْنا، ونطالب العالم بإخراج الجيش الإسرائيلي من مدن الضفة الغربية ونحن قادرون على العمل، وبالتالي ستُجبر إسرائيل على الخروج من جميع مدن الضفة الغربية لنعيد بناء المؤسسات، وإما أن نفشل، وتكون تلك تجربة لا نخسر فيها شيئاً، بل نكرر المحاولة مرة أخرى ويعرف العالم أننا حاولنا جدياً ضبط الأمور، وإما أن نفشل وهذا وارد أيضاً لأن شارون لا يريد كما قلت لا أمناً ولا سلاماً. ولكن عندما نفشل بفعل إجراءات الحكومة الإسرائيلية سيعرف العالم أننا بذلنا جهدنا وعملنا ما علينا وأن إسرائيل هي التي يجب أن تحاسب وبذلك نعيد إسرائيل إلى الزاوية بدلاً من أن نكون نحن في الزاوية وعندها تتجه الأنظار إلى شارون الذي فعلاً لا يريد سلاماً. لكن الآن كُلّ الضغوط منصبة علينا، نحن الجانب الفلسطيني بأننا لا نعمل، وأننا وراء كل هذه العمليات، لأننا نسكت على الإرهاب وهذا يرجع لعدم ضبط الأمور، للآسف نحن في غزة لسنا جميعاً على قلب رجل واحد، تعالوا نتحاور ونتفاهم أيها الفتحاويون أولاً ثم التنظيمات الأخرى والشعبية والديمقراطية ثم حماس والجهاد، لنقول إلى أين نريد أن نذهب. من خلال الحوار يمكن أن نصل إلى صيغة اتفاق، صيغة هدنة من أجل أن نحمي هذا البلد ولا أعتقد أن أحداً لديه ذرة من وطنية يرفض دعوة صريحة لحماية هذا البلد من دمار شامل، وأشير هنا إلى ما يصرح به كبار المسئولين الإسرائيليين ويقولون إن ما ننتظر ليس الأوامر بل ننتظر الفرصة المناسبة (لقد صدرت الأوامر ولكنهم ينتظرون الفرصة المناسبة) إذن كيف نفوت على هؤلاء الفرصة من أجل أن لا يتحقق ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه. الحكومة أمامها الإصلاح وأمامها الانتخابات، وتضع في الاعتبار قضيتين رئيسيتين هما الاستعداد لما يمكن أن يؤدي إليه ضرب العراق وكيف ننأى بأنفسنا عن عواقبها، والنقطة الثانية كيف نحمي قطاع غزة، وهذا يتطلب إجراء مشاورات معمقة وصريحة وواضحة مع كل المؤسسات: اللجنة التنفيذية، اللجنة المركزية، المجلس التشريعي، المجلس الثوري، المنظمات، ليس من أجل المشاركة في الحكومة بل لنسأل أنفسنا أيضاً إلى أين نحن ذاهبون؟ إن أرادت التنظيمات أن تشارك في الحكومة أهلاً وسهلاً وإذا أرادت أن تكون معارضة بطريقة ديمقراطية فأهلاً وسهلاً المهم أن الناس لم تعد قادرة على تحمل أعباء الحياة في هذه الظروف والأوضاع، وتوجب علينا بذل كل جهد ممكن لتغيير هذه الظروف والأوضاع. اننا لن نستطيع من خلال استعمال القوة الوصول الى الهدف وواجب الحكومة الجديدة ان تحدد الطريق وتعلنه وان تقنع شعبنا ان هذا الطريق يؤدي الى الهدف المنشود وعندها قد يبقى هنا او هناك بعض الخارجين على الاجماع الفلسطيني الذين نحاول الزامهم بوضع المصلحة الوطنية العليا فوق مصالحهم الفردية والشخصية وذلك باستخدام القوة اذا لزم الامر ايضاً. قيل في البداية من البعض ان هذه الانتفاضة تسقط شارون لأنه جاء من اجل الامن، سنفشل مهمته الامنية وسيسقط، وها هو شارون لم يسقط لأن الانتفاضة انحرفت عن مسارها الصحيح، واعتقد ان شارون الان هو اهم زعيم عرفته الحركة الصهيونية منذ هرتزل الى الآن ولأن هرتزل لم يتمتع ب80% من التأييد كما تمتع به شارون. وقيل ان هذه الانتفاضة لمنع الاستيطان والنتيجة ان الاستيطان تضاعف مرات عديدة في الفترة الماضية، وبدأ الترويج حول الاستيطان الشرعي والاستيطان غير الشرعي وان عمليات توسيع وبناء المستوطنات مستمرة في ظل الانتفاضة ولم تمنعها. البعض قال : هرب المستوطنون ونحن نعرف ان لهؤلاء بيوتاً هنا وهناك، وهذا كلام فارغ. الحجة الثالثة والاخيرة قال البعض نريد ان نحرر القدس والاراضي المحتلة، كانت النتيجة ان اراضينا التي حررت بالمفاوضات والسلام اعيد احتلالها وبالقوة ولم يبق لدينا الا ارض قطاع غزة والذي نتمنى ان ننقذه قبل ان يفوت الاوان. يجب عدم تحميل الانتفاضة فوق طاقتها ونقول الى اين نحن ذاهبون، نقولها دون خجل ودون ان ننجر وراء من له هدف شخصي، لا يجوز ان يُرهن مستقبل الوطن كله لمصالح افراد او تنظيمات، بعض التنظيمات لها رؤية تقول لا نريد السلطة ونريد ان ندمرها ونحل محلها، النتيجة لن تحل محل السلطة ولن يكون هناك سلطة عندما يأتي ويعم الدمار على الجميع دون استثناء. كفى! اذن ما هو المطلوب؟ المطلوب ان نقول بوضوح وحزم : الى هنا كفى، لأننا اذا وقفنا الان نستطيع ان نستمر ( ولا اقول ان كل ما ذهب ضاع هباءً منثوراً ) هذه الضحايا، هذه الخسارات لنقول للعالم نحن ذُبحنا، نحن دُمّرنا وهذه جريمة يجب ان تتوقف ونحن نريد السلام، لكن المؤمن بالسلام الحقيقي حينها سيقف معنا، وهنا أُريد ان انوه ان العالم ولأول مرة اصبح يقول دولة فلسطينية وهذا لم يُقل سابقاً، وانسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلت في حرب 1967 وقد اصبحت المقولات ثابتة في المجتمع الدولي. نحن متأكدون ان شارون بعد ثلاثة الى ستة اشهر من التفاوض سيسقط لأنه لا يستطيع ان يقدم شيئاً، لأنه ضد ازالة أي مستوطنة، هو ضد اعطاء الفلسطينيين اكثر من 50% الى 60% فقط من الضفة الغربية وبالتالي العالم كله لن يسمع منه وسيقولون له انت شخص غير مقبول وسيكون مصيره مصير نتانياهو : الهزيمة وخروجه من الحكومة. كلنا يذكر ان نتانياهو كان يرفض ويرفض ويرفض ثم جاء كلينتون الى هنا وقال انا اشكر الفلسطينيين فقد عملوا ما عليهم وذهبنا الى ايرز في اليوم التالي وبدأ نتانياهو يخترع اسباباً ومطالب جديدة، وقال كلينتون انا مسافر الان وغادر، وبعد شهر ذهبنا الى اميركا وقال كلينتون لمن حوله عن نتانياهو ان هذا الرجل عقبة في طريق السلام وبصراحة لم يعد الامر يُحتمل، اما الان فأن الدنيا تغيرت وقد اصبحنا نحن المنبوذين واصبحنا مطالبين بأمور غير معقولة لم تكن مطروحة علينا في السابق، مثلاً عليك ان تفعل كذا او عليك ان تفعل كذا او عليك ان تعمل دستوراً ( واسرائيل لا يوجد لديها دستور ) وعليك رئيس وزراء، واعمل كذا وصلاحياتك كذا وتزايدت الشروط حتى نقول (لا) وبصراحة بدأت البرمجة بهذه الطريقة حتى يتخلصوا من السلطة. تضطر السلطة الآن أما أن تطبق الشروط وإما أن تمنع المساعدات والمعونات، وإذا أبلغناهم أننا لا نستطيع القيام بما يطلبونه فسيقولون لنا مع السلامة، من هنا أقول لا بد أن نسأل إلى أين نحن ذاهبون؟ هل ما نفعله صحيح؟ و لا بد أن نتكلم بجرأة وبشجاعة وألا نخشى في الحق لومة لائم، وأن تكون مصلحة شعبنا هي الأساس، وعندما عملنا اتفاق أوسلو لم يكن أحد معنا وقد قالوا حينها انه كان علينا أن نسأل الناس وأن نسأل بعض الدول العربية ونأخذ آراءها وتعرفون ما هي الاتهامات التي وجهت لنا، والنتيجة أننا جئنا وعُدْنا لبلدنا وحصلنا على جزء من الوطن وأخذنا جزءاً، وها نحن موجودون فيه (على الأقل جمعنا الوطن) وانتهت ظاهرة الفلسطيني التائه في المطارات والحدود وأصبح بإمكان الفلسطيني العودة إلى وطنه إذا أراد، لقد عاد من 250 ألفاً إلى 300 ألف إلى أرض الوطن، لا تزال مشكلة اللاجئين ومشكلة النازحين قائمة ولكن على الأقل ظاهرة التشرد انتهت بالمفاوضات وبالسلام ولم يكن بالإمكان إنهاؤها عن طريق الحرب، وإذا كنا نتحدث عن الحرب يا إخوان، فقد عملنا حروباً كثيرة وتعرفون ماذا كانت النتائج، هل كانت الدبابات العربية تطوق تل أبيب، وعملنا أوسلو. إن إسرائيل دولة تم بناؤها لتنتصر على العالم العربي مجتمعاً بلحظة واحدة، وقد أكدت أميركا هذا الكلام وتردد في الصحف الأميركية أن إسرائيل صممت على أساس أن يكون في مقدورها مواجهة العالم العربي مجتمعاً. لقد انعقدت القمة العربية وأقرت المبادرة التي تتضمن مشكلة اللاجئين وكانت من أنجح المبادرات التي ظهرت في التاريخ الحديث، إن هذه المبادرة هامة لأن السعودية تقف وراءها، وهذا يعني أن العالم العربي والإسلامي هو أيضاً يقف وراءها وهي واضحة: الأرض مقابل السلام والتطبيع ولذلك كان الإغراء الشديد للإسرائيليين أن هناك علاقات طبيعية مقابل الإنسحاب الكامل وكانت النتيجة أن 60% من الإسرائيليين أيدوا هذه المبادرة، وأميركا في كل مناسبة أصبحت تقول مرجعيات السلام هي 242، 338 والأرض مقابل السلام والمبادرة العربية. نحن استطعنا تثبيت حق اللاجئين في العودة من حيث المبدأ في المبادرة العربية. وفي موضوع آخر لا بد من الإشارة إليه، حيث لدي تحفظ حول مشاركة أهلنا الفلسطينيين (عرب 48) في الانتفاضة مع تقديري الكبير لتضحياتهم، حيث ان مشاركتهم كانت خطأ فادحاً جداً. نحن رفضنا مشاركتهم في الانتفاضة الأولى والثانية، وقلنا لهم أنتم لكم خصوصية وتميز، ولكم دور آخر غير دورنا، لكم دور هام في إسقاط حكومات وإنجاح حكومات. ابقوا على هذا الطريق إذا أردتم أن تساعدونا، فساعدونا عبر تزويدنا بالمواد التموينية والمظاهرات السلمية مع حركات السلام في إسرائيل، ولكن الذي حصل كان غير ذلك، حيث انطلقت مع بداية الانتفاضة أول موجة مظاهرات لهم واستشهد ثلاثة عشر شخصاً وجرح ثمانون شخصاً، وقف الإسرائيليون حينها وقالوا هؤلاء لهم 50 سنة بين ظهرانينا ويتصرفون هكذا، كيف يمكن أن نرجع اللاجئين؟ وهذا صار مثل النار في الهشيم لدى الإسرائيليين وأصبح كل إسرائيلي يسأل نفسه هل أوافق على عودة مثل هؤلاء الناس؟ ولذلك ما هي الفائدة التي جنيناها؟ الله يرحم ال13 شهيداً والله يشفي ال80 جريحاً، والحقيقة هي أنها خسارة فادحة. وعندما تحدثت معهم أول مرة وبصراحة ووضوح غضبوا، قلت لهم أنتم أخطأتم خطأ كبيراً، لأنكم أنقدتم وراء الشارع ووراء عواطفكم ولم تحكموا العقل البارد، وكان بإمكانكم مساعدتنا بطريقة أخرى وبأسلوب آخر، ولا تنسوا أنكم تحملون الجنسية الإسرائيلية، وهذا مكسب لكم ولنا لتدافعوا به عنا وذلك عبر حجب الثقة عن حكومات إسرائيل، وعن طريق نوابكم تستطيعون أن تغيروا الحكومة وهذا ما حدث بالفعل عندما تم إسقاط شامير وكان حينها حزب العمل قد حصل على 56 عضواً وأصوات العرب حينها كانت خمسة أصوات من 5-6 أصوات بهذه الأصوات تم منع شامير وتولى حزب العمل رئاسة الحكومة ولو انهم يدخلون الانتخابات بشكل جدي مثل الانتخابات المحلية يمكن الحصول على نسبة من 15-18 نائباً تمنع حينها ايصال اي حكومة لا نريد لها ان تصل الى سدة الحكم، وعندما كان رابين يريد مصادرة بعض الاراضي في القدس هدد النواب العرب بحجب الثقة عنه مما ادى الى تراجعه عن القرار، وانت تستطيع ايها المواطن العربي في اسرائيل ان تفعل الكثير بشكل عقلاني وبشكل سياسي وبدون الركض وراء الاوهام والغوغاء، وكانت النتيجة على موضوع اللاجئين سلبية للغاية. كنت استمع بصراحة لبعض النواب والوزراء الاسرائيليين، كانوا يقولون كم عدد اللاجئين الذين يريدون العودة ؟ عندما يقولون هذا الكلام فهم يوافقون على المبدأ، وقلت لهم اعطوني المبدأ اعطيكم العدد. وفي كامب ديفيد طلبوا الرقم قلنا لهم اعترفا بالمبدأ نعطيكم الرقم الان. اقرار المبدأ هو البداية، اي اعتراف اسرائيل بحق كل لاجيء فلسطيني بالعودة الى اراضيه، ثم يُترك الخيار للاجيء الفلسطيني ان يختار العودة ام لا، ويبدأ البحث والتفاوض حول التطبيق وحول البدائل الممكنة في كل حالة وحالة. استثمارات هاربة الانتخابات التي جرت في يناير 1996 كانت نزيهة، راقبناها لتظهر امام الناس والعالم بصورة مشرقة ولنثبت للعالم اننا شعب حضاري، لم نتحيز لأحد ولم يُقبل هذا لأنه من فتح واخر من خارجها، هذه امانة غالية وعلينا ان نحّكم ضميرنا، لذا الغينا صناديق واعدنا الانتخابات في صناديق اخرى. الاستثمارات الخاصة التي جاءت من الخارج هربت وعادت من حيث اتت في كل انحاء العالم، بما وصلنا من اموال استطعنا ان نبني شيئاً على الارض، اصبح لدينا شوارع وفنادق وبنايات ومدارس وجامعات نظيفة، لكن هناك اموال كثيرة هربت والسؤال لماذا هربت؟ هذا شيء مؤسف، هذه مأساة، يجب ان نسأل انفسنا لماذا؟ هناك تنظيمات لا تريد السلطة حقيقة، وتريد تدميرها وتحل محلها وشاركت بعض اطراف من فتح في تحقيق ذلك، شاركت في اغلب الاماكن وهذا خطأ كبير، لماذا شاركت فتح ؟ هل عدنا الى الوطن لندخل حرباً؟ أمس سألني شاب في المخابرات عن حرب التحرير الشعبية، ترى هل ما زلنا نعيش الماضي. قلت لكل السفراء العرب في موسكو نحن اخطأنا وانتم ابتعدتم عنا، واسألكم لو قالت لكم اميركا عليكم ان تغعلوا امراً ما، هل ستقولون وتوجهون الشتائم لأميركا لأنها تتحدث عن امر غير صحيح ؟ اذا كان ما تقول اميركا في مصلحتك لا تسير عليه، بداية عليك ان تقرر وترى هل هو في مصلحتك ام لا، علماً بأن الاصلاح ليس من اختراع اميركا ولا اسرائيل، نحن اول من رفع شعار الاصلاح والدليل قرار المجلس الثوري في دورته السابقة الذي تبنى برنامج الاصلاح كله، ثم اخذه الاميركيون وعرضوه علينا، لكن الاسرائيليين لا يريدون اصلاحاً او استقراراً أمنياً، بدليل انهم يضربوننا كل يوم حتى في الايام التي لا يوجد فيها استفزاز لهم. اعتقد انه اذا لم نرد على ضربات الاسرائيليين سيرى العالم كله هذا ويكشف حقيقة نوايا شارون. عندما دخل شارون بيت حانون العام الماضي ودخل الى اريحا قال له بوش أُخرج فوراً وخرج. في ندوة عامة برام الله قالوا ان شعبنا صابر، صامد، قلت لهم شعبنا كفر بكل هذه الممارسات، الناس يريدون ان يأكلوا وان يطمئنوا على حياتهم وممتلكاتهم، الناس ترى ان رجال السلطة فقط من يأخذ راتبه اما البقية فليس لديها شيء تقتات منه. جار لي تاجر كبير لا اعرفه، جاءني ذات يوم واخبرني انه يسكن بجواري، عرض علي اعماله وتجارته الواسعة قلت له ما شاءالله وبعد الانتفاضة جاءني وقال لي أُنظر كل ما حدثتك عنه ضاع بسببكم، وانا الان لا اجد ما اقتات منه. مظاهرة الطناجر في غزة، لماذا خرج الناس بهذا الشكل الى الشوارع، طبعاً ليقولوا لنا «نريد ان نأكل» هل يعرف هذا الكلام من يقول شعبنا صابر، صامد لقد وصلنا الى هذا الحد! انا افهم عمل المالية من حيث انه لا يجوز ان يأتي قرش واحد ولا يدخل الميزانية العامة ولا يخرج قرش واحد من الموازنة دون سند قانوني او امر من مصدر واحد. اذا انجزنا هذا الامر سنبدأ اولى خطواتنا الناجحة ثم يجب ان ينتهي موضوع اوراق الصرف من هنا وهناك.اعرف ان هناك سفراء لنا لم يستلموا ميزانياتهم منذ عشرة اشهر. نحن لا نقول وقف الانتفاضة بل تصويبها وتخليصها من المظاهر السلبية وخاصة ظاهرة العسكرة. يمكن ان تقوم بمظاهرة، مسيرة، اما كلمة شلال الدم فأنا لا احبها، شلال دم من ؟ دم اولادنا... دم اولادكم... وقلت هذا في ندوة تنظيمية في رام الله حضرها كوادر وقيادات فتح وغضبوا مني وقالوا لي هذه خطوط حمراء وانتقدوني. «الاسرائيليون اقصى ما يمكن ان يزعجهم الامن، لذلك يرتدون من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، كل يهودي الان في اسرائيل مع شارون لأنهم يعتقدون انه يحميهم، وانا اريد ان اسحب منه هذه الذريعة من منطلق اننا نريد حقوقنا ولا نريد الحرب، عندها سيتعاظم عدد الاسرائيليين الذين سيقفون معنا». يجب ومن مصلحتنا الآن، أن نتوقف، وأن نعطي نفسنا فرصة، عسى أن ننجح، نحن لسنا هواة قتل، نحن نريد الوصول إلى الهدف، هذا هو السؤال الصحيح الذي يجب أن يوجه إلى كل إنسان يقول نريد أن نستمر في ذلك. شيء آخر، ما وقع لنا ليس قضاء وقدر. هذا ما كتبت أيدينا. الله سبحانه وتعالى مدبر هذا الكون ومسيره يقول لك اعقل وتوكل وعندك عقل لكي تعرف هذا صحيح وهذا خطأ. يجب أن نفكر كثيراً قبل أن نقول: الذي حصل لنا قضاءً وقدراً، لذلك عندما عملنا أوسلو لم نشرك أحداً ولو قمنا بإشراك أحد معنا لما أنجزنا شيئاً. وعندما نقول غزة أولاً لا يعني أننا نفرط بباقي الوطن، ولكن لأننا هنا لدينا إمكانيات ويجب أن نبدأ من حيث لدينا إمكانيات أرجو الله أن يأخذ كل مسئول صلاحياته حتى تُضبط الأمور ولا يوجد مستحيل إذا توفر التصميم. وإذا لم يجد الوزير المعني المسئولين الكبار متجاوبين معه سيجد أبناء الشعب يدعمونه. وعندما أقول ذلك لا أعفي نفسي من المسئولية، في النهاية أنا أمين سر اللجنة التنفيذية ومسئول عن المفاوضات ودائرة اللاجئين وكنت مسئولاً عن الانتخابات مع أنني لست ممن يسعون إلى المناصب أو يحبونها لذلك بدأت أتخلى عنها واحدة واحدة. عمان ـ توفيق أبو بكر: