الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 تعرض كولن باول وزير الخارجية الأميركي على مدى الشهور الماضية لانتقادات من اليمين واليسار على حد السواء. غير أن الدبلوماسية الهادئة التي اتبعها في ملف العراق باتت تؤتي ثمارها وتدفع بمنتقديه إلى زوايا الصمت. تقضي إحدى القواعد الذهبية التي يتبعها الوزير باول بعدم إضفاء البعد الشخصي على السياسة الخارجية. هذه القاعدة تأتي في المرتبة الثالثة بين حوالي 13 مبدأ آخر وضعهم باول وهو يكتب سيرته الذاتية التي يقول فيها «تجنب أن تجعل ذاتك قريبة جدا من موقعك الرسمي، حتى إذا سقط المنصب لم تسقط ذاتك معه». لكن باول سمح لنفسه بأن يبتسم مبتهجا عندما وافق مجلس الأمن بالإجماع على القرار الخاص بالعراق في الأسبوع الماضي. لقد كان هناك الكثير من المتشككين في قدرات الوزير باول على مدى الأسابيع القليلة الماضية أو بالأحرى منذ تعيينه وزيرا للخارجية قبل 22 شهرا. حتى أن صحيفة «نيويورك تايمز» التي تعتبر آخر قواعد الليبرالية السياسية في الولايات المتحدة هاجمته لأنه لم يهدد بالاستقالة عندما تعرض للتضييق على مواقفه في الصيف الماضي. وقد سخر باول خلال حفل عشاء حضره مؤخرا من تعرضه للانتقاد من اليمين واليسار على حد سواء، وقال إنه بحث تلك المسألة في اجتماع مع الرئيس بوش في المكتب البيضاوي. ومضى «قلت للرئيس: سيدي لا يمكنني التعامل مع الموقف، فالنيويورك تايمز تطالبني بالاستقالة بينما تلح الواشنطن تايمز على ضرورة طردي من منصبي». لكن الرئيس رد عليه قائلا «هذا هو الوضع الذي أريدك أن تكون فيه». وتمثل صحيفة واشنطن تايمز التيار اليميني بينما من المفترض أن تمثل نيويورك تايمز الجناح اليساري. وقد استمتع المتابعون في نيويورك بما كان يتعرض له وزير الخارجية، لكن باول هو من ضحك في النهاية. ويقول المراقبون إنه في الوقت الذي كان يبدو فيه باول على وشك خسارة معركته في صفوف الإدارة الأميركية المنقسمة، بدا واضحا أن الرئيس يقف بجانبه. وطبقا لما تقوله مصادر في واشنطن فإن باول أقنع الرئيس الأميركي في حدود الخامس من أغسطس الماضي بضرورة إشراك الأمم المتحدة في الحملة ضد العراق. وقد اندهش مرافقو وزير الخارجية في ذلك الوقت عندما كان في جولة حول العالم وألغى المحطة الأخيرة منها التي كان من المفترض أن تقوده إلى هاواي، غير أن مرافقيه لم يعرفوا وقتها أنه استدعي على عجل إلى عشاء خاص في البيت الأبيض. واستغل باول تلك المناسبة ليقنع بوش بضرورة العمل من خلال الأمم المتحدة. ويقول المراقبون إن فوائد تلك الخطوة لم تبدأ في الظهور حتى يوم الجمعة الماضي. فقد كسبت الولايات المتحدة تأييدا دوليا ومحليا لسياستها تجاه العراق، دون أن يحرمها ذلك حرية المناورة. لكن الدرس المستفاد من هذه الإدارة ربما يتمثل في أن خطوط وقف إطلاق النار في المعارك الأيديولوجية لا تصمد طويلا. فالجناح اليميني في الإدارة متمثلا في ديك تشيني نائب الرئيس ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع ونائبه بول وولفيتس يحشدون صفوفهم ويراقبون حتى لا يمضي قرار مجلس الأمن لينا على العراق. وربما يثبت أن رموز هذا الجناح كانوا على حق، إذ من الممكن أن يشق صدام حسين الإجماع الدولي في مجلس الأمن ليؤجل أو يمنع الحرب التي يتوق إليها الجناح اليميني. وسيحل الاختبار الحقيقي للعراق في الثامن من الشهر المقبل وهو موعد تقديم العراق إعلانا بما يمتلكه من أسلحة الدمار الشامل. ومن المتعين أن يثبت العراق أمانته في تلك المناسبة، فإذا لم يفعل فإن الأميركيين سوف يتحركون ليثبتوا أن العراق في حالة انتهاك لالتزاماته وهو ما يعتبر خطوة أخرى نحو الحرب. لكن في الوقت الراهن يبدو نجم كولن باول في صعود وهو ما يعني أنه حتى عندما يحين أوان الحرب فإن الأمر سيحتاج إلى جولة أخرى من الدبلوماسية سيقودها أيضا كولن باول. (بي بي سي)