السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 أتاحت الظروف للفريق صلاح حلبي رئيس أركان الجيش المصري السابق أن يتعامل ويشاهد عن قرب القدرات العسكرية العراقية حيث كان قائداً للقوات المصرية المشاركة في حرب الخليج الثانية ولذلك فهو يعرف الكثير عن هذه القدرات وكذلك عن القدرات العسكرية الأميركية، كما أن شغله لهذا الموقع جعله حريصا على دراسة وتأمل كل مايتعلق بقضايا المنطقة وبخاصة القضية العراقية.. وفي هذا الحوار يقدم الفريق حلبي لــ «البيان» رؤية مستقبلية لما يمكن أن يحدث من تداعيات في حالة شن الولايات المتحدة الأميركية هجوما ضد العراق حيث أكد ضعف إمكانات القوات العراقية مقارنة بما كانت عليه في حرب الخليج الثانية عام 1991، وقال ان القوات الأميركية إذا دخلت هذه الحرب فإن هدفها الأساسي سيكون إسقاط بغداد، وإحتلال العراق لفترات طويلة وان الهدف ليس اسقاط نظام صدام الرئيس العراقي. ـ كيف ترون الفارق بين الأزمة القائمة وإحتمالات الحرب المرتقبة، وبين أزمة سنة 1990؟ ـ الأزمة القائمة تختلف عن أزمة 1990 لأن أزمة 90 كانت تتمثل في احتلال دولة وإعلان ضمها، ووقتها كان لابد من فرض القانون الدولي، والشرعية الدولية، لكن اليوم الأمر يختلف تماما فهدف الحملة التي يعد لها حاليا هو السيطرة على البترول وبالتالي الموقف الحالي مختلف عما كان عليه في عام 1990، فالعراق لم يحتل دولة جارة، بل أقدم على تنفيذ العديد من القرارات الدولية التي الزمته بها الأمم المتحدة. والتهمة الموجهة حاليا إلى العراق أنه لم يلتزم بكل القرارات وأعتقد أنها في مجملها تهمة غير صحيحة، وذلك بشهادة الكثير من المنظمات الدولية التي أشرفت على تنفيذ العراق لهذه القرارات. ـ هل تعتقد أن العراق مازال لديه أسلحة كيماوية؟ ـ العراق لا يملك هذا النوع من الأسلحة، وهذا ما ذكرته لجان التفتيش في عام 1998، والتي أكدت عدم إمتلاكه، وليس قدرته على الإمتلاك، لأن القدرة معناها إحتمالات إمتلاك هذه الأسلحة في المستقبل، والعراق لديه القدرة على ذلك من خلال القدرات المادية، وكوادر بشرية قادرة على العمل في هذا المجال، والحصول على بعض المواد الأولية للإنتاج والعصابات الدولية لها دور هام في هذا المجال، إضافة لهذا فالعراق قد إمتلك هذه الأسلحة من قبل، وجربها بالفعل في حربه مع إيران وكذلك ضد الاكراد، ومعنى أنه إستخدمها فهذا دليل قوى على مدى إمكانيات العراق، وقدرته على تصنيع هذه الأسلحة من جديد. ـ لكن هل تستبعد امتلاك العراق أو قدرته على انتاج سلاح نووي؟ ـ لا أعتقد أن العراق يمتلك سلاحا نوويا ولكن لديه إمكانيات ولو قام بتطوير إمكاناته لإستطاع تصنيع القنبلة النووية خلال ثلاث أو أربع سنوات. ـ هل هناك إمكانية لدى العراق لإستخدامه هذه الأسلحة في حالة تعرضه لهجوم أميركي.. باعتبار أن السلاح الكيماوي هو السلاح الأخير في يد صدام؟ ـ لا أعتقد أن صدام سيتمكن من إستخدام هذه الأسلحة في حالة وقوع هجوم أميركي على العراق، لأن هذا الموقف هو نفس الموقف في حرب الخليج الثانية، وكنا متأكدين أن هناك احتمالات قوية لإستخدام السلاح الكيماوي ضد الجيوش المقاتلة ولكن الأمر مستبعد تماما نظرا لوجود أسباب في التقنية العسكرية العراقية أولها: ان هذه الأسلحة يجب أن تحمل على صواريخ متطورة، والعراق ليس لديه هذا النوع من الصواريخ، لأنه لو كان لديه هذه الإمكانيات لقام باستخدامها في حرب الخليج الثانية. بالإضافة إلى أن إستخدامها عن طريق القوات الجوية أمر مستبعد، نظرا لضعف السلاح الجوي العراقي، مقارنة بالقوات الجوية الأميركية التي ستسيطر على ميدان العمليات العسكرية عند قيامها. كما أن الولايات المتحدة تمتلك التكنولوجيا العسكرية الحديثة القادرة على ضرب فاعلية الصواريخ، وهي في الجو وقبل إصابتها لهدفها. وأخيرا فإنه في حالة إقدام العراق على إستخدام مثل هذه الأسلحة، حتى لو كانت في حالة الدفاع عن النفس، سيزيد من حالة العداء الدولي له. ـ هل تعتقد أن أميركا ستقوم بالغزو البري للعراق، أم أنها ستعتمد على الضربات الجوية، كما فعلت في حرب تحرير الكويت؟ ـ أعتقد ان الحرب المقبلة ستختلف عن حرب تحرير الكويت، لأن الحرب السابقة تمت في وجود قوات للتحالف الدولي سهلت لأميركا إستخدام تلك القوات في حربها ضد العراق، إضافة إلى أنها اعتمدت بشكل كبير على القوات الجوية، أما الحرب المقبلة فتستدعى إستخدام جميع الأسلحة الممكنة، لتحقيق الهدف الأميركي في دخول إلى العراق، والاستقرار فيه ولذا فلن يتم الاعتماد على القوات الجوية فقط، كما حدث في حرب تحرير الكويت. فالهجمات الجوية البريطانية الأميركية مازالت مستمرة منذ حرب الخليج الثانية، دون جدوى.. وحتى في أثناء حرب الخليج قصفت القوات الجوية للتحالف القواعد العراقية لمدة 34 يوما، وفي النهاية لم يحدث شئ، حتى جاءت القوات البرية، وحققت الهدف المطلوب بإخراج القوات العراقية من الكويت. ـ كيف ترون سيناريو الحرب التي ستقوم بها القوات الأميركية وأهم الأسلحة التي سيتم إستخدامها في هذه الحرب؟ ـ سيسبق الغزو البري الأميركي تكثيف للعمليات الجوية ضد المواقع الدفاعية العراقية، مما سيكون له تأثير سلبي كبير على المعنويات والماديات العراقية، وسيسهل فيما بعد دخول القوات البرية الأميركية، وهذا ما تم تنفيذه من قبل في حرب الخليج الثانية القصف المستمر لأكثر من شهر سهل للقوات البرية مهمة دخول الكويت فهي التي قامت بالدور الرئيسي في مسرح العمليات، وإستسلم بعدها العراقيون الذين كانوا في حالة إنهيار كامل. ـ هل تعتقد أن الجيش العراقي سيصمد كثيرا أمام الهجوم الأميركي المرتقب؟ ـ لا أعتقد أن الجيش العراقي يملك القدرة على أي صمود تجاه الحرب القادمة وتصريحات النظام العراقي تجاه قوة الجيش العراقي وقدرته على الصمود هي أكذوبة، وروجت لها وسائل إعلامية، ولنا عبرة في حرب الخليج الثانية، فبعد الهزيمة الساحقة التي تعرض لها صدام حولها إلى نصر من نسج خياله، وسماها «أم المعارك». وأنا أعتقد انه مع بداية أي عمليات ضد العراق سينقلب الشعب العراقي بأكمله ضد صدام لأنني لا أعتقد أن الشعب العراقي الذي عاني من المخاطر على أيدي صدام حسين، سيبقى مساندا لنظامه.. ولقد رأينا في حرب 1990 القوات العراقية وهي في حالة إنهيار كامل. ولا أعتقد أن الشعب العراقي سيرضى بهذا كثيرا، بعدما أوصله نظامه إلى ما وصل إليه، نظرا لسوء إدارة حكمه ونظامه. ـ إذا بدأت الحرب المرتقبة هل تعتقد أنها ستكون من الشمال من خلال القوات الموجودة في تركيا، أم من الجنوب من خلال القوات الأميركية المرابطة في الخليج والكويت؟ ـ هناك هدف محدد ومرسوم لإنجاح الحملة الأميركية على العراق، وهو الإستيلاء الكامل على العراق، وليس تلقين صدام هزيمة نكراء، ولكن إزاحة النظام بأكملة. وهذا لن يتم إلا بدخول بغداد، لأن السيطرة على العاصمة معناه السيطرة على العراق بأكمله، حتى لو لم يكن صدام موجودا بها. ولنا عبرة في حرب أفغانستان الأخيرة، فعندما سيطر الأميركان على كابول، وأحكموا فيما بعد السيطرة على جميع البلاد، ولذلك أرى أن المعركة الأساسية هي دخول بغداد، ومن أجل دخولها يستدعى الامر اجراء عمليات عزل كاملة لها عن المناطق الأخرى. ويتم ذلك من خلال توجيه قصف صاروخي عنيف يقطع أوصال الأقاليم العراقية التي ترتبط ببغداد وبعد ذلك سيكون هناك إستخدام إبتدائي للقوات المحمولة جوا من خلال قوات الإنتشار السريع للسيطرة على مداخل بغداد، وأعتقد أنه سيكون هناك إتصال مع عناصر داخلية داخل العراق، وأعتقد من القوات المسلحة، بحيث أنها تبدأ العمل الداخلي خلال مرحلة القصف الجوي، وتقوم بمعاونة القوات الأميركية في الدخول.. أما المرحلة الأخيرة، فهي دخول قوات برية نمطية من اراض قريبة من بغداد. ـ هل يمكن أن يكون للأكراد دور كبير في هذه الحرب ويشاركون في الهجوم البري على بغداد؟ ـ لا أعتقد ذلك، لأن تركيا سيكون لها موقف حاد تجاه تنامي أي دور للأكراد، لأنهم سيمثلون مشكلة كبرى في حالة زيادة دورهم. وإذا كان للأكراد دور متوقع فهذا سيكون من خلال التنسيق ما بين الولايات المتحدة وتركيا. ـ كيف ترون دور المعارضة الخارجية التي تدعمها أميركا في هذه الحرب المرتقبة؟ ـ أرجح أن يكون هناك إتفاق مع المعارضة العراقية الخارجية والداخلية، سواء كانوا مدنيين أو في القوات المسلحة، لدعم القوات الأميركية الأولية المنقولة جوا، من خلال دعمهم لهذه القوات وسيقومون بلعب دور ما يسمى «بالطابور الخامس». ـ هل ترون أن الجيش العراقي اختلف كثيرا عما كان عليه الحال في حرب سنة 1990، من حيث قدراته القتالية واعداده؟ ـ أعتقد أن حالة الجيش العراقي حاليا أسوأ مما كان عليه سنة 1990، لأنه في سنة 1990، وبعد إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية، خرجت بغداد وهي قوية عسكريا نظرا للدعم الضخم الذي حصلت عليه من دول الخليج والذي وصل إلى ما يقرب من 36 مليار دولار، وقامت بتنمية هذه القدرات وتم تدميرها في حرب الخليج الثانية ولا أعتقد أن العراق قد تمكن من إعادة التوازن لهذه القوات مرة أخرى، فلم نسمع عن صفقات سلاح مع أي دولة من الدول، نظرا للحظر المفروض عليها منذ حرب الخليج، والجيش العراقي يحتوي على 54 فرقة وإستكمال كل فرقة لا يزيد على 40% عن السابق وهذا معناه أنها أقل من قدراتها. إضافة إلى أن العراقيين ليس لديهم خبرة القتال على بعض الأسلحة، مثل القوات الجوية! ـ بعد اسقاط النظام العراقي إلى أي مدى ستبقى القوات الأميركية بالعراق؟ ـ أميركا إذا دخلت، فلن تترك العراق، سواء «حربا أو سلما» لأنها لا تأمن على مصالحها في المنطقة إلا بوجود قوات كثيفة لها داخل العراق. القاهرة ـ ماجدة عبدالبديع: