السبت 27 شعبان 1423 هـ الموافق 2 نوفمبر 2002 دعا أساتذة القانون الدولي وفعاليات سياسية بمصر ليبيا إلى التراجع عن قرارها بالإنسحاب من جامعة الدول العربية والحفاظ على وحدة هذا الكيان ، منبهين إلى أن هذا القرار - لو تم تنفيذه - فسوف يزيد الوضع العربي تشرذما في مرحلة يعد العرب فيها أحوج ما يكون إلى التماسك والتضامن. وأشاروا إلى أن الإنسحاب في حد ذاته لا يرتب أية آثار قانونية بالنسبة للدولة المنسحبة: وقال الدكتور إبراهيم العناني أستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس أن المفترض دائما هو أن كل دولة عضو في منظمة دولية تحرص على استمرار عضويتها ، لأن هذه العضوية تمثل العامل الرئيسي لتحقيق أهداف المنظمة. أضاف العناني أن إنشاء الجامعة العربية كان لتعزيز وتوطيد أواصر التعاون بين الدول العربية وأن تحقيق المصالح المختلفة لهذا الكيان لا يمكن الوصول إليه إلا بالتضافر وليس بمجرد العضوية وإنما عن طريق التزامات تتحملها الدول الأعضاء ومن بينها التزامات مالية وسياسية. واشار إلى أن العضوية لا ترتب واجبات فقط ولكنها تعطي حقوقا وإمتيازات للدولة العضو في مقدمتها تقديم المساندة في أية مشكلات إقليمية أو دولية ، لافتا إلى أن جامعة الدول العربية كانت وراء دعم جهود ليبيا من أجل الحصول على الاستقلال ، كما وقفت الجامعة موقفا قويا وإيجابيا بجوار ليبيا في أزمة لوكيربي. ولا ينفي الدكتور العناني وجود سلبيات ومواقف ضعف في عمل الجامعة العربية لكنه يقول ان كل المنظمات الدولية والإقليمية تتعرض لمثل هذا الأمر من سلبيات وإيجابيات وأن خير مثال لذلك هو منظمة الأمم المتحدة ، فلو كانت - والتعبير للعناني - كل سلبية يقابلها إنسحاب لانسحبت كل الدول منها. وأوضح العناني أنه وفقا لميثاق جامعة الدول العربية فإن الإنسحاب هو حق لكل دولة عضو فيها ولا تستطيع الجامعة منع دولة ترغب في الإنسحاب لأنها - الدولة - دخلت الجامعة بإرادتها وتنسحب بإرادتها وهذا هو حقها المتفق مع سيادتها. لكن الدكتور العناني اوضح أيضا أنه وفقا للميثاق أيضا فإن على كل دولة عضو أن تعلن رغبتها في الإنسحاب قبل التنفيذ بعام كامل وأنه لابد من مرور هذا العام حتى يمكن تنفيذ هذا الإنسحاب. ويشير إلى أن الحكمة من إعطاء هذه المدة الزمنية هي ما يسمى في القانون الدولي بفترة ، تبريد الاعصاب ، وذلك لإعطاء الفرصة للدولة الراغبة في الإنسحاب في مراجعة نفسها وموقفها في هدوء إلى جانب إعطاء الفرصة للمنظمة والدول الاعضاء فيها للقيام بالوساطة من أجل إرجاع الدولة المنسحبة عن موقفها. ويضيف أن الحكمة من هذه المدة تتضمن أيضا جانبا ماليا ، حيث أن ميزانية الجامعة وإيراداتها تقوم على إشتراطات الدول الأعضاء بها ولو قامت الدولة الراغبة في الإنسحاب بتنفيذه بشكل فوري فإن ذلك يعني فقد جزء من مواردها والتأثير في أنشطتها. وصف العناني الرغبة الليبية في الإنسحاب - بأنها تعبر عن وضع مؤسف وأن المفترض هو أن تحرص الدول العربية على أن تعالج أي عيب أو نقص يصيبها - الجامعة - بدلا من تركها والإنسحاب - منها. وحول سوابق هذا الأمر بالنسبة للجامعة العربية أوضح الدكتور العناني أن السابقة في هذا الأمر كانت مصرية حيث حدث بعد انفصال سوريا عن مصر عام 1961 وفي الدورة التالية مباشرة للجامعة العربية وكانت منعقدة ببيروت أن تعرض الوفد المصري لهجوم شديد من جانب الوفد السوري وكان رد فعل مصر أن أعلنت رغبتها في الإنسحاب أحتجاجا على ما اعتبرته عجزاً من جانب الجامعة العربية عن حماية مصر من الاتهامات المزعومة التي ساقها الجانب السوري ضد مصر. وأوضح العناني أنه قبل مرور عام على إعلان الرغبة المصرية كانت العلاقات قد تحسنت وتدخلت دول عربية كثيرة للوساطة ولم تنفذ مصر الإنسحاب بعد أن تمت تصفية الخلافات وإصلاح الأحوال. وأشار إلى أن ما حدث بعد ذلك كان عبارة عن مقاطعات احتجاجية لإجتماعات الجامعة وليست إنسحابات. وتوقع العناني أن تتراجع ليبيا عن قرارها بالإنسحاب من الجامعة لتدخل دول عربية كثيرة في مقدمتها مصر - للوساطة والحيلولة دون تنفيذ هذا القرار إلى جانب وجود أمين عام نشط ودبلوماسي هو عمرو موسى ولديه القدرة على احتواء مثل هذه الأزمات وتصفية الأسباب التي أدت إلى هذا الموقف. وأكد العناني أن العلاقات البينية العربية تتعرض بالفعل لأزمة وأن هناك عناصر أجنبية تلعب دورا كبيرا في تعميق الخلافات بين الدول العربية وتوسيع الهوة فيما بينها وأنه إذا تركت الدول العربية لنفسها فسوف تقوم بتصفية خلافاتها مثل أية أسرة واحدة. ودعا العناني قادة الدول العربية إلى التنبه لمثل هذه الامور وأن يدركوا أن مصالحهم مشتركة ولا يمكن تحقيقها دون تعاون وثيق ومواقف موحدة وتغلب على المحاولات الأجنبية لتعميق الخلافات العربية. وبدوره اوضح الدكتور أحمد رفعت عميد كلية الحقوق ببني سويف وأستاذ القانون الدولي أن مهلة العام التي تمنحها الجامعة العربية للدولة الراغبة في الإنسحاب منها غير موجودة في ميثاق الأمم المتحدة ، فرغم جواز الإنسحاب من الأمم المتحدة إلا أن ميثاقها لم ينص على ذلك بهدف عدم تشجيع الدول على الإنسحاب من هذه المنظمة الدولية. وأشار إلى أن الأمم المتحدة لا توجد فيها حالة إنسحاب واحدة سوى أن أندونيسيا طلبت الإنسحاب احتجاجا على دخول ماليزيا لعضوية مجلس الامن وأن طلبها تم سحبه بعد جهود الأمين العام واعتبرت الجلسات التي لم تحضرها اندونيسيا فترة انقطاع وليست انسحابا. واعتبر د. رفعت أن القرار الليبي يعطي مؤشرا سيئا مطالبا الجماهيرية الليبية بالعدول عن موقفها لأن العرب جميعا في حاجة إلى تضامن وتوحد وليسوا في حاجة إلى خلافات جديدة تزيد من تشرذم الوضع العربي في هذه المرحلة الحرجة. ويرى أن طلب الإنسحاب الليبي هو نوع من الاحتجاج على الوضع العربي الراهن وأيضا الوضع الدولي خاصة أنه يأتي من دولة تدعو دائما للوحدة العربية وتسعى إليها ، لكن الواضح أنها ترى أن الموقف العربي ليس حاسما أمام ما يجري في العراق وفلسطين ، واعتبر أن مثل هذا الطلب الليبي ربما يؤدي إلى تحرك الدول العربية وإتخاذها موقفا أكثر حسما. وأشار إلى أن عضوية الجامعة تتيح للدولة العضو مكانا تقدم فيه وجهة نظرها وقت الازمات مؤكداً أن الدول دائما ما تكون أكثر حاجة لعضوية المنظمة أكثر من حاجة المنظمة لهذه العضوية بخلاف الولايات المتحدة الأميركية التي ترى أنها أكبر من عضوية كل المنظمات . وأكد أن الإنسحاب لا تقابله أية عقوبة قانونية ولكن تظل الدولة التي أعلنت رغبتها في الإنسحاب ملتزمة بكل مايفرضه الميثاق من التزامات وواجبات طوال العام التالي لإعلان رغبة الإنسحاب. ومن جانبه رأي حلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية للدراسات والتوثيق والمتخصص في الشؤون الأفريقية أن القرار الليبي ينبع في الأساس من أن الجامعة العربية هي منظمة ليست لها وجود حقيقي في الحياة التنظيمية العربية ، ناهيك عن الواقع العربي المتدهور ، ومن ثم فهي تحتاج إلى هزة من هذا القبيل بالفعل. ويرى شعراوي أن المشكلة الأساسية هي في أن العالم الآن يمر بمرحلة تكوين منظمات إقليمية قوية ، فيحاول المعسكر الأمريكي مثلا تنظيم ذلك حسب إتجاهه في بعض التنظيمات وفي آسيا وبقية مناطق العالم يوجد فيها من يسعون إلى تكوين هوية تنظيمية لهم مثلما حدث في الإتحاد الأفريقي مؤخرا. ويضيف أن الجامعة العربية في الوقت الحالي لا تتقدم بأية درجة وإنما هي بالعكس تتدهور ومن ثم فالقرار الليبي في حد ذاته لا يعني كثيرا لأنه تحريك لكيان ميت بالفعل ، وكان المطلوب في مثل هذه الظروف محاولة تفعيل هذا الكيان بأي شكل وتكوين شكل من أشكال التكتل داخله يحمل مسمى كتلة الصمود أو التحدي أو غيرها من المسميات. ويؤكد أن الإتجاه الليبي ناحية الإتحاد الأفريقي يحاصره عدد من الملاحظات في مقدمتها أن هذا الإتحاد يعاني من تدخلات واختراقات اميركية كثيرة وأن اميركا تقوم بعسكرة غرب أفريقيا بالتعاون مع نيجيريا وتقوم هي - اميركا بالمصالحات إلى جانب الخطط الاقتصادية عن طريق جنوب أفريقيا بما يعني أنه لا الإتحاد العربي ولا الإتحاد الأفريقي حاليا يمكنه القيام بعمل مخلص وحقيقي. وينبه شعراوي إلى أن الخطورة لا تكمن في الإنسحاب الشكلي والتنظيمي من الجامعة ، كما حدث في الحرب على العراق عام 1991 وانما في تحويل الاستثمارات العربية إلى خارج المنطقة العربية دون مراعاة لمصالح شعوبها في إقامة هذا الإستثمار داخل المنطقة. ويعبر شعراوي عن اعتقاده بأن ليبيا تبدو مصممة هذه المرة على هز الجامعة وأن ما يقال عن إنسحابها بسبب تجاهل مشروعها للوحدة والذين يتضمن ضم إسرائيل للجامعة هو أمر غير مقبول لكن المقبول هو العمل على تحريك الجامعة وهزها بصدمة قوية. ويشير إلى أن كيان الجامعة العربية بشكل خاص يقوم على فكرة قومية وليس مجرد تنظيم إقليمي ، لذلك فإن سلوكه يجب أن يقاس بمدى التمسك بهذه الفكرة وهو الأمر غير الموجود حاليا بالنسبة لكل الأطراف، أي التمسك بالفكرة القومية. القاهرة ـ محيي الدين سعيد: