الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 يجمع الشارع السوري وأوساطه السياسية والإعلامية على ان العدوان على العراق أصبح وشيكاً وان مسألة عودة لجان التفتيش ما هي إلا حجة واهية حيث أصبح واضحاً ان واشنطن وتل أبيب قد قررتا الحرب على العرب سواء قبلوا بالسياسات الاميركية أم رفضوها فالهيمنة هذه المرة تختلف عن سابقاتها أيام عصور الاحتلال في القرون الماضية الآن مصالح اميركية وأهداف اسرائيلية تلتقي عند ضرب القوى العربية تمهيداً للسيطرة الكاملة على المنطقة تكون فيها اسرائيل الحاكم بأمرها. الملف السياسي استطلع أراء عدد من المحللين والمفكرين السوريين في الشريط التالي: ـ د. خلف الجراد - رئيس تحرير صحيفة تشرين السورية: بداية يمكن التأكيد ان المنطقة العربية تشكل وحدة جغرافية ـ ثقافية ـ سياسية متكاملة الأبعاد والمقومات والعناصر التكوينية من جهة ومتبادلة التأثير اقتصادياً وبشرياً وحضارياً من جهة أخرى ،ولولا زرع الكيان الصهيوني في قلب هذه المنطقة ودوره الخطير في زعزعة أمنها القومي وخلق أسباب التوتر والحروب وسعيه المحموم لمنع اندماج أقاليمها وأقطارها العديدة وإشغالها بالدفاع عن وجودها لأصبحت من أكثر بقاع العالم استقراراً ونمواً وازدهاراً لانها تحتوي على ثروات طبيعية ومادية وقدرات بشرية واستعدادات حضارية عظيمة. ما أشرنا إليه يعني ان من الخطأ الفادح النظر الى أية مشكلة قطرية بمعزل عن تداعياتها على الدول العربية عامة والمجاورة منها بشكل خاص وقد دلت وقائع عديدة على تلازم وترابط عناصر الاستقرار أوالاضطراب في المنطقة العربية الى درجة ان هذه الظاهرة أصبحت من بدهيات الفكر الاستراتيجي والسياسي وغير قابلة للتشكيل أوالمجادلة. والحديث عن النظام العربي ليس افتراضياً أوتأملياً أوتنظيراً لخبراء ودارسين وأكاديميين وسياسيين تنقصهم الواقعية والموضوعية ورؤية الأمور والحقائق كما هي ولهذا فإننا نتفق مع الرأي القائل بمسألة التأثيرات المحتملة والمتوقعة لما يسمى بأزمة المفتشين بين العراق والولايات المتحدة الاميركية. ومع اننا لا نعتزم الدخول هنا بتفصيلات المشكلة وتاريخ ظهورها وحيثياتها المعقدة « التي أصبحت معروفة ومتداولة على نطاق واسع» إلا انه قد يكون مفيداً التذكير بان الأزمة ليست جديدة بل هي مزمنة تهدأ فترة لتعود وتنفجر من جديد ولكن تحت العناوين والذرائع ذاتها تقريباً. جوهر المشكلة يكمن في ان الولايات المتحدة الاميركية منحازة بصورة مطلقة وخطيرة للكيان الصهيوني وبالتالي فإن أي موضوع يشكل إزعاجاً أو قلقاً لذلك الكيان العدواني يؤخذ في الإدارات الأميركية «المتعاقبة» والكونغرس الأميركي ووسائل الإعلام هناك كتهديد مباشر لأمن الولايات المتحدة القومي ولمصالحها وزعامتها المتفردة في العالم،والكيان الصهيوني الذي يمتلك ترسانة معلومة وكبيرة من الأسلحة النووية ومخزوناً هائلاً من أسلحة الدمار الشامل الأخرى باعترافات مسئوليه الرسميين ومراكز الأبحاث والدراسات العالمية المتخصصة هذا الكيان يخشى أية قوة عربية ولو كانت في حالة الكمون أوالإمكانية المستقبلية فما بالك إذا كان هذا القطر العربي أو ذاك يمتلك مخزوناً حضارياً وموروثاً ثقافياً وقدرات علمية ومادية من شانها إذا ما وظفت بصورة عقلانية وضمن توجهات قومية ان تشكل عنصر قوة للأمة العربية في مواجهة التحديات الكبيرة سواء أكان في إطار الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني أو في مجالات النهضة العلمية والتقنية والحضارية الشاملة. فالولايات المتحدة الاميركية نتيجة للعلاقة الاستراتيجية العميقة مع الكيان الصهيوني تلتزم حرفياً بما يخصه وبما يراه من سياسات وإجراءات وعدوان مباشر على الشعب الفلسطيني وعلى البلدان العربية بل على بلدان إسلامية يعتقد الصهاينة انها قد تشكل ردعاً له في يوم ما ومن هذه العلاقة الأميركية ـ الصهيونية الاستراتيجية تتفرع المواقف والقرارات والتوجهات أما الذرائع والحجج فهي سهلة التلفيق ويمكن ان يتم إلباسها لأي بلد عربي بصرف النظر عن قربه أو بعده عن الإدارة الأميركية ومدى صداقته وحميمية علاقاته معها والوقائع في هذا السياق شهيرة ومتداولة اليوم ولا ضرورة للخوض فيها. إذن ليست المسألة متصلة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي وإلا فإن الكيان الصهيوني رفض الامتثال رسمياً وصراحة بكل غطرسة ووقاحة الالتزام بعشرات القرارات الدولية التي نالت إجماع مجلس الأمن الدولي إضافة الى مجموعة كبيرة من توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا نعتقد ان عاقلاً أو شخصاً يتسم بالنزاهة والحياد يمكن ان يصدق الأكذوبة القائلة بان ما يجري من حصار ظالم على الشعب العراقي وموت آلاف الأطفال مرضاً وجوعاً وقهراً لأكثر من عقد من السنين جاء بقرار دولي والأمر ذاته ينطبق على مسألة الحظر الجوي ووضع خطوط تقسيمية لمناطق العراق لا يحق له الدفاع عنها أو التحرك داخلها مع ان ذلك يقع في أولويات عناصر السيادة الوطنية التي تكفلها الشرعية الدولية. المسألة تتمثل في قرارات توجهات استراتيجية اميركية ـ صهيونية هدفها تدمير منظومة الأمن القومي العربي من جهة والاستيلاء الكامل على مجمل الثروات العربية وخاصة النفطية والمالية من جهة أخرى. كما ان واضعي الخطط الاستراتيجية تلك يدركون تماماً ان ضرب العراق وإنهاء وحدته واستقراره وتقسيمه الى كيانات طائفية أو أقوامية متناحرة من شانه ان يقضي على عنصر قوة لصالح الأمة العربية ويخلق حالة خطيرة من الفوضى في المنطقة العربية كلها التي أشرنا بداية الى ترابط أجزائها وتداخلها وتأثيراتها المتبادلة سلباً وإيجاباً. إضافة الى ان الكيان الصهيوني والقوى المساندة له داخل الإدارة الأميركية والكونغرس وغيرها من هيئات ومراكز صنع القرار لن تهدأ قبل تنفيذ مخططاتها التحطيمية ـ التقسيمية ـ التفتيشية ـ النهبية للعراق ولغيره من الأقطار العربية . وعليه فإننا نعتقد ان الولايات المتحدة وفي إطار تلك الاستراتيجية لن تقبل بالتزام العراق باستقبال فرق التفتيش دون قيد أو شرط بل ستعمل على استصدار قرار أو قرارات من هيئة الأمم المتحدة بشروط تعجيزية ليتم رفضها أو التحفظ عليها وقد يكون بينها قرارات تمس سيادة العراق الوطنية وطبيعة النظام السياسي القائم إضافة الى اختلاق مشكلات تتعلق بحقوق الإنسان والإرهاب والتعددية الاثنية والسياسية وصولاً الى فرض شكل معين أو تركيبة محددة تقود الشعب العراقي وإلا ستعد العراق خارقاً لقرارات الأمم المتحدة ... الخ من التلفيقات وإذا كان العراق قد استجاب اليوم لنداء ونصائح أشقائه العرب والدول المحبة للسلام في العالم بقبول عودة فرق التفتيش دون قيد أو شرط مع مخاوفه وهواجسه وتجربته المريرة مع المفتشين الدوليين فإنه قد أسقط بذلك حجة الولايات المتحدة والذرائع التي راهنت الإدارة الأميركية عليها وهو بهذه الحركة السياسية فوت فرصة كبيرة كان الرئيس جورج بوش الابن متأكداً في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني عشر من سبتمبر 2002 من انها ستأتيه على طبق من ذهب في حال رفض العراق لعودة المفتشين وكان الرئيس بوش يتحدى العالم كله بان العراق سيرفض ولهذا استجاب للضغوط الكثيرة من داخل أميركا وخارجها ولاسيما من أعضاء مجلس الأمن الدولي ليعرض المشكلة على الأمم المتحدة، وها هو يفاجأ بعكس آماله وتوقعاته فليس أمامه كما نعتقد سوى العمل بمفرده أو البحث عن ذرائع أخرى. ـ فهد دياب ـ رئيس تحرير صحيفة الثورة السورية: أسلوب تعاطي الإدارة الأميركية مع الملف العراقي وتجاهل إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه اسرائيل بحق الفلسطينيين يشكل استخفافاً بالمنظمة الدولية والرأي العام العالمي الذي يعرف ان كل هذا التسخين مجرد وسيلة لاستصدار قرار من مجلس الأمن يفتح الطريق أمام توجيه الضربة العسكرية بحجة عدم تنفيذ العراق قرارات الشرعية الدولية والرئيس الاميركي الذي يخير الأمم المتحدة بين ان تكون قادرة على التحرك لحفظ السلام أو تفقد مبرر وجودها ويدعوها للاستجابة للأهداف التي قامت من اجلها ويؤكد على احترام قرارات مجلس الأمن وتنفيذها يتناسى عشرات القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ضد اسرائيل بموافقة اميركية ولا سيما القرارات 194 و242 و338 و425 التي كانت واشنطن قد أسقطتها من ذاكرة المنظمة الدولية وحالت دون وصول لجنة التحقيق الدولية الى مخيم جنين تنفيذاً لقرار مجلس الأمن لتترك الباب مفتوحاً أمام حكومة شارون كي تستفرد بالفلسطينيين وتمارس كل انواع القتل الممنهج الذي يستهدف القضاء عليهم وتهجيرهم وتدمير مؤسسات السلطة وبيوت المواطنين وتحرق مزارعهم وتحاصر ما تبقى منهم على قيد الحياة في المدن والقرى والمخيمات. المسألة العراقية تتداخل وتتفاعل منذ مطلع التسعينيات وتتحدد مساراتها مع رغبة الإدارات الأميركية المتعاقبة وسياساتها المبهمة والتي وجدت من صيغة الحرب الهادئة والمستمرة نمطاً لاحتواء العراق بشكل دائم فقد تجاهلت واشنطن القرارات الدولية التي ساهمت في إعدادها وإقرارها بشان العراق وكرست كل إمكاناتها لإبقاء الحصار على بغداد لكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب التي تلتها خلقت وضعاً مختلفاً إذ نجحت الإدارة الأميركية بإلصاق تهمة الإرهاب بالدول العربية والإسلامية وبخاصة العراق وادعت ان تجارب التفتيش السابقة أخفقت في نزع الأسلحة غير التقليدية ولابد من الحلول القصوى أي تدمير العراق وينبغي القيام بعمليات ملموسة لتحقيق الهدف ليس لان العراق يشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة الاميركية أو لحلفائها في المنطقة بل لان صقور البنتاغون يريدون سحق العراق والمضي في تنفيذ مخططهم في المنطقة والسيطرة على العراق وثروته النفطية والتوجه نحوإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لتسهيل السيطرة على المنطقة وفرض أي حل عن طريق استخدام القوة. لا شك ان توقيت الغزو يمكن ان يتأثر بموقف عربي مسئول يدرك أبعاد محنة العراق ومخاطر تقسيمه ومن المرجح إذا تم غزوه فسوف يتم التحول المتوقع من جانب آلة الحرب الأميركية والصهيونية العالمية ضد بلدان عربية أخرى وتصفية القضية الفلسطينية وإرباك بعض دول المنطقة بتفعيل التوجهات الانفصالية ليتهدد النظام الإقليمي العربي كله، ومن المؤكد انه لا يزال لدينا القدرة على مخاطبة المجتمع الدولي وبخاصة ان الصوت العربي يتماشى مع قرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي ولكن من المهم وحدة الموقف واستخدام هذا الصوت لمصلحة القضية الفلسطينية ورفض الاعتداء على العراق ورفع الحصار المفروض عليه. ـ المفكر حنين نمر: على العراق ان يقبل عودة المفتشين لتمكين الدول المساندة له من إسقاط الحجج الأميركية التي ستتخذ ذريعة للعدوان عليه ولكن من السذاجة الاعتقاد ان هذا سيكون كافياً لمنع هذا العدوان فالمخطط الاميركي مهيأ مسبقاً ليس بعد أحداث سبتمبر عام 2001 بل ربما منذ انتهاء حرب الخليج الثانية . أحداث سبتمبر التي لا نزال نعتقد انها تدبير استخباراتي اميركي رغم ان اعترافات ابن لادن التي قد تكون جزءاً من السيناريو لم تقم سوى بالتعجيل بهذا المخطط وإعطائه قوة دفع هائلة فالظروف هي الانسب اميركياً لاصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد فضرب العراق والتحكم فيه عسكرياً وسياسياً يعني السيطرة على 10% من إنتاج النفط العالمي و60% من احتياطه وهذا يعني التحكم بإمدادات أوروبا من هذه المادة كميات وأسعارا ووضعها تحت رحمة اميركا كذلك فرض السياسية النفطية الاميركية على السعودية وباقي دول الخليج، كما ستقرب اميركا من نفط بحر قزوين ومن جمهوريات آسيا الوسطى القريبة من الحدود الروسية والصينية وتحقق بذلك موقعاً استراتيجياً متميزاً بمواجهة روسيا والصين. وستجد سوريا نفسها مطوقة من الشرق والشمال إضافة لاسرائيل فإما ان تخضع وإلا وسيمتد أثر ذلك الى لبنان بأشكال عدة، أما فلسطين فهي الخاسر الأكبر إذ سوف تضيع قضيتها وسط بحر من الدم وتخلو الأجواء تماماً لاسرائيل الشريكة الكاملة في هذا العدوان لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية وليس من المبالغة القول ان نجاح اميركا في هذه الحرب سيمكنها من التحكم بالعالم لفترة طويلة ذلك انه ينذر ان تكون هناك حروب لها مثل هذه الاستهدافات العديدة والمهمة فلماذا تضيع اميركا على نفسها مثل هذه الفرصة التاريخية النادرة؟ القانون الدولي معطل والعالم شريعة الغاب وأوروبا ليست قطب مواجهة موحدة بعد والعرب إما نائمون أو منقسمون أو مرتهنون وإما عاجزون عن إيقاف هذا الاكتساح. دمشق ـ ميساء العلي