الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 تثبت الوقائع، ان للتاريخ حسابا عسيرا، وسوف تجلل صفحاته بلا شك بالسواد لكل الشعارات المخادعة ورغم المرارة في النفوس والاسى الذي يكسو القلوب على ما آل اليه حال العالم اليوم، فإن ذلك ليس اماني يائسة فقدت المبادرة ولكنه قراءة لواقع لم يكشر بعد عن انيابه، فاحتقار الآخر، وبناء مفردات السياسة على فكرة الاستكبار والاستعلاء والتفرد، هي اساليب قصيرة النفس، لان التاريخ محكوم بصراع مرير بين من اعتقدوا انفسهم اسياداً، وبين الآخرين الذين تحسن نفوسهم قراءة رموز العقل الماكر، الادارة الاميركية برئيسها بوش الذي ادار للزمن ظهره، وذهبت ادراج فكره عن حقائق اساسية وتعنت في المواجهات، فإنه حتى يكون سياسياً لا فقه له في الاستراتيجية وحين اصبح مسئولاً ترنح تحت وقع قوة غامضة لا قبل له بقراءة مفرداتها وهو اليوم ينوء بوزر افعال هي اقرب للتخبط بسبب عجزه عن فك ألغاز الحاضر وما يخبئه المستقبل. الادارة الاميركية تتجاهل حقيقة مسارات اللحظة الراهنة وتحاول ان تدفع بالقوة الفجة والازدراء واذلال الاخرين الى ابعد مدى وليس من المبالغة ان أسئلة (الكراهية) التي طرحتها الولايات المتحدة بعد احداث الهجمات على واشنطن ونيويورك قد انتهت لتبدأ بدلاً منها اسئلة (الطاعة)، التي لم تستثن احداً، لا في اوروبا ولا في عالمنا الثالث، الذي دخل بيتها مبكراً جداً، بعد ان باتت طليقة اليدين، مدفوعة بوهم القوة والغطرسة التي تحولت لديها من وسيلة الى عقيدة، كما انها تقف باتجاه معاكس للمناخ الدولي العام الذي يتجه لتغليب استراتيجية الحلول السلمية على الحلول العسكرية، ويهدف لتعزيز دور المنظمة العالمية في حل النزاعات الدولية القائمة عن طريق الدبلوماسية وليس العنف الدموي الذي بات يشكل محور انطلاقة واشنطن في مواجهة العالم بحربها ضد الارهاب يرافقها فيه صديقها الحميم شارون ونظامه البغيض في (اسرائيل). وليس ادل على ذلك، تتابع احداث المواجهة في «أزمة المفتشين الدوليين»، بين واشنطن وبغداد (التي فيها تاريخياً اقدم سلطة مركزية عرفها العالم منذ بزوغ الحضارات)، حيث ورد جلياً ان الولايات المتحدة عقدت العزم لضرب العراق وتهديد نظامه بحجج واهية وخاوية المعنى، وتتراوح بين ابعاد مختلفة، حيث ان استنتاجات وتحليلات الـ (سي.آي.ايه) تسير عكس المقدمة المنطقية للواقع، فليس لديها اية ادلة مباشرة بأن العراق قد استغل الفترة منذ عام 1998 ولحد الآن، ليعيد بناء برامجه الخاصة بأسلحة الدمار الشامل، واسلحة يجري تطويرها من اجل الردع (حسب الادعاءات الاميركية)، وفي ديسمبر 2001، اعادت وكالة (الاستخبارات المركزية الاميركية) ادعاءها بتأكيد النتيجة التي توصلت اليها منذ امد بعيد في ان هدف العراق ان يصبح قوة اقليمية معتمدة في ذلك على ذكر اقاويل لنفر من المتخاذلين يقبعون في ظلال البنتاغون ويدعون انتماءهم للعراق، والذي من حقه ان يكون ذا سيادة واستقلال وصاحب ارادة وان يعمل على تنمية قدراته الذاتية في علوم الاقتصاد والصناعة والتجارة وايجاد قوة عسكرية خاصة به تحافظ على أمنه القومي وتساهم في تحقيق الامن الاقليمي في المنطقة، لا كما يدعي اصحاب المنطق المشروخ. وليس خافياً ان العراق كان واقعاً تحت طائلة التفتيش الدولي لثماني سنوات مضت، وبضغوط من الولايات المتحدة، عمدت لجان التفتيش لاثارة مواجهات، ومعلوماً ان العراق لم يقم بطردهم، بل تم سحبهم بناء على اوامر الولايات المتحدة في ديسمبر 1998، وقبل ان تقوم الولايات المتحدة بشن غاراتها على العراق، وليس من المدهش ان يكون العراق متحمساً لمغادرتهم لا سيما بعد ان كشف النقاب عن صحة ما ثبت منذ زمن طويل، ان الولايات المتحدة قد استخدمتهم للتجسس على البلاد لصالحها. لكل ذلك، فإن واشنطن ادخلت العراق في فترة (الموجة الاولى) لتلوح بخوض حرب وقائية، واستباقية ضده، هذه الحرب بلا شك هي تعبير مهذب عن عدوان شرس تنوي القيام به، فلا شيء في القانون الدولي يسمى (حرباً وقائية) فالقانون الدولي يتيح الحرب في حالتين الاولى عندما يقع اعتداء على بلد ما يحق له خوض الحرب والثانية هي حالة الدفاع عن النفس، وهنا لا ينطبق المفهومان على المثال الاميركي، فالعراق لم يعتد على اميركا، ولا يهددها بالخطر، وليس له علاقة بالارهاب. وبالولوج في الذاكرة الاميركية ذاتها فإن كل نبأ او تقرير تتناوله المزاعم لوسائل الاعلام، تؤكد ان الهدف من التربص بالعراق ليس امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، او اجباره على استقبال وفود لجان التفتيش الدوليين، بل هي بالنتيجة الرغبة الجامحة في السيطرة على ثروات المنطقة، وتغيير الخرائط بما يتماشى مع المصالح الاميركية والبريطانية و(الاسرائيلية) ايضاً، والدليل على ذلك، ان بوش سيضطر الى مواجهة الكونغرس خالي الوفاض من البراهين التي تدين العراق والتي طالما تحدث عنها، عدا حقد وبغض موروث، فالنية الاميركية تتجه بعد العراق، الى تطويق سوريا تمهيداً لتغيير النظام، ومحاصرة ايران لتفكيك مفاعلاتها النووية ومن ثم تغيير نظام الحكم فيها، وتفكيك المملكة العربية السعودية والسيطرة على مصادر نفطها تماماً، وعزل مصر نهائياً، واطلاق يد اسرائيل في الساحة العربية، وهو الهدف ذاته الذي سعت اليه واشنطن في مهاجمتها لافغانستان، اي السيطرة على نفط آسيا وثروات بحر قزوين وتشكيل كماشة عسكرية اميركية تطبق على منطقة آسيا الوسطى والشرق الاوسط، بغرض احكام السيطرة على نفط العالم الموجود في غالبيته انتاجاً واحتياطياً في هاتين المنطقتين، فالنفط ما زال الطاقة الاكثر قوة وتأثيراً على العالم، ويفوق تأثيره القوة العسكرية فهو المحرك الرئيسي لقوة الاقتصاد الذي يشكل المدخل الامثل للسيطرة على العالم. ولتحقيق تلك الاغراض، نسجت الولايات المتحدة قميص عثمان الازلي بافتعال الازمة، والمواجهة مع العراق وضرورة تواجد المفتشين الدوليين على اراضيه، وحرك الرئيس بوش مقود مركبته السياسية ووجهها «عندما تواضع» فخطط لاشراك المجتمع الدولي في مشروع حربه ضد العراق ان رفض عودة المفتشين الدوليين، وطيلة اسابيع عاش العالم، ظاهرة تنامي الرفض الدولي لسياسة الهيمنة التي راهن عليها بوش ليحول الولايات المتحدة الى تلك الامبراطورية العالمية العظمى، التي تختصر التعامل الدولي ولوائحه، في اقامة علاقات تبعية وولاء غير مشروط بينها وبين دول العالم، التي وقفت ضد ذلك التوجه، وحذرت العديد من الدول الرئيس بوش من مخاطر القيام بمغامرة عسكرية لا يمكن التحكم بنتائجها، فدعت الصين واليابان الى حل سلمي للمسألة العراقية، ورفعت روسيا من وتيرة تحديها للسياسة الاميركية، بأن وقعت عقداً لصفقة اقتصادية مع العراق بقيمة 40 مليار دولار تنفذ خلال خمس سنوات لدعم وتجديد الاقتصاد الروسي المنهار، ووقف المستشار الالماني شرويدر ومعه الرئيس الفرنسي شيراك ضد ضرب العراق ما لم يصدر قرار بذلك عن مجلس الامن الدولي، اضافة الى ان تياراً عريضاً من المثقفين والسياسيين الاميركيين، اصدر بياناً ندد فيه بسياسة بوش التي تعيد احياء النزعة العسكرية التوسعية على حساب الديمقراطية التي يفاخر بها المجتمع الاميركي. ولكن الالتفاتة السياسية العراقية اذهلت الجميع، فقد فاجأ العراق العالم بقبوله عودة المفتشين الدوليين للعراق، قبل ان يتخذ مجلس الامن قراراً حاسماً كانت بريطانيا والولايات المتحدة تعدان مشروعه، وثبت جلياً ان العراق بات اكثر مناعة وصلابة في وجه الاستفزازات الاميركية ـ البريطانية، وليس من شك ان هذه الموافقة شكلت خطوة صحيحة على طريق الدبلوماسية الهادئة التي يتخذها العراق بمساندة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية ضد التوجه العسكري للادارة الاميركية، مما يدل على ان المناخ الدولي العام يسير باتجاه تغليب استراتيجية الحلول السلمية على الحلول العسكرية يرافقها موافقة ضمنية من الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين واليابان في اعطاء الاولوية المطلقة للعمل الدبلوماسي من اجل حل النزاعات القائمة على الساحة الدولية، فالعراق انتهج طريق الحكمة والتعقل والعمل السياسي الرصين الذي يحقق له مردودية مؤكدة ولم يكن منتظراً من خصوم العراق ان يتولوا مبادرة الانفراج وهم الذين راهنوا على ان الحرب ستتيح لهم الانتصار لتحقيق خطتهم الاستراتيجية التي لم يعلنوا عنها لكنها باتت معروفة ولم تكن تستهدف العراق لترغمه على قبول عودة المفتشين فقط، بل لتنال منه بوصفه حصناً لا يزال منيعاً في المنطقة العربية، ومعقلاً قادراً على الصمود في وجه اسرائيل بأي مواجهة عسكرية مقبلة. وبهذا انتقلت الازمة الى الادارة الاميركية فالجناح المتطرف كان يعارض الذهاب الى الامم المتحدة، وجعل عودة المفتشين على قمة اولويات الحرب الدعائية الاميركية ضد العراق، ولكن يبدو ان غرور الرئيس بوش دفعه الى اعتقاد راسخ ان العراق لن يقبل بعودة غير مشروطة للمفتشين الدوليين ويجعل من نفسه في حينها هدفاً لعدوان مدعوم دولياً، وبهذا فإن قرار العراق اعطى ايضاً ذخيرة قوية للتكتل المعارض لأي حرب ضده والذي يضم روسيا والصين والمانيا وفرنسا ودول العالم الثالث وانقاذاً لماء وجه النظام الاميركي اضطرت ادارة بوش لتغيير تكتيكها، حيث تشبثت بأوهام جديدة تركز فيها على سجل العراق في عدم الالتزام بوعوده لكن هذه المزاعم لم تلق اي حماس من احد خارج حدود الولايات المتحدة لا سيما حين اعلنت روسيا انه لا حاجة لاصدار قرار جديد من مجلس الامن طالما سيعود المفتشون للقيام بعملهم. ووفقاً للمنظور الراهن وبعد ان وضع العراق الكرة في ملعب خصومه، فقد لا يكون هناك حاجة لاستصدار قرار من مجلس الامن يأمر العراق بعودة المفتشين الا ما يمكن ان ينظم آليات عمل التفتيش ويحدد مهامهم، اما اذا ما تجاوزت الادارة الاميركية المجتمع الدولي وقررت خوض الحرب على العراق وحدها فستكون حرب قرصنة وخيمة العواقب، لا يعرف محرابها من مداها، وسيدافع شعب الفراتين المعتدين الطغاة بكل ما اوتوا من قوة وبكل جذع نخلة وبكل تأوه حسرة تحت وطأة سنوات الحصار، فالدفاع سيكون عن كرامة الامة العربية وهذه المرة في معركة أعنف واشرس هي معركة الوجود. بقلم: نوار القيسي ـ كاتبة عراقية