الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 بينما يستعد فريق مفتشي الأسلحة لبدء مهامه في العراق في 15 اكتوبر المقبل تهدد الولايات المتحدة بمنع وصول مقدمة المفتشين الدوليين الى بغداد وتشترط لعودتهم أن يصدر قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يندد بانتهاك العراق للقرارات الدولية، ويدعوه لتنفيذها حرفياً مع اطلاق حرية المفتشين في العمل في كافة أرجاء البلاد، وينذر العراق بعقوبات مشددة طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تشمل التخويل باستخدام القوة العسكرية، اذا لم يستجب للقرار الجديد ويقبل نزع كافة أسلحته المتقدمة وذخائره لاستخدام المواد الكيميائية والبيولوجية التي تدعي واشنطن احتفاظه ببعضها أو انتاجه للمزيد منها بعد توقف أنشطة مفتشي يونيسكوم UNSCOM في العراق في اكتوبر 1998. وقد أجبرت واشنطن كوفي عنان السكرتير العام للامم المتحدة على الانسحاب من المفاوضات الخاصة بعودة المفتشين الى العراق، وعلى ترك الموضوع كلية لواشنطن وبغداد ومجلس الأمن الدولي في اطار السياسة الأميركية الحالية لتهميش واضعاف دور ووزن الأمم المتحدة في قضايا ونزاعات الشرق الأوسط الكبير. ولتعقيد المسألة، أكدت ادارة بوش حق المفتشين في التفتيش المفاجئ لكافة الأهداف المدنية قبل العسكرية في العراق بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل بما فيها من قصور رئاسية أو مساجد أو دور للعبادة، ونفت واشنطن الاتهامات التي سبق أن وجهها العراق الى بعض مفتشي UNSCOM بممارسة الجاسوسية لصالح المخابرات المركزية الأميركية والموساد الاسرائيلي مع أن عدداً من هؤلاء المفتشين اعترف بهذه الحقيقة المؤكدة. ورفضت واشنطن أيضاً أية مشاركة مقترحة من جانب جامعة الدول العربية في تشكيل فريق التفتيش مع أن هناك عدداً كبيراً من الدول العربية التي انضمت الى اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية المبرمة عام 1972 والى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية الموقعة في باريس عام 1993. ومضى صقر البنتاغون الصهيوني دونالد رامسفيلد خطوة أبعد، وطلب أن تتولى قوة عسكرية أميركية مصاحبة وتأمين أنشطة المفتشين الدوليين في الأراضي العراقية! في التفتيش الأخير الذي أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في يناير 2001 على بقايا البرنامج النووي العراقي، أكدت عدم وجود شواهد على استئناف أنشطة ذلك البرنامج، ونفت حصول العراق على أية شحنات من اليورانيوم - 235 المخصب أو نظير البلوتونيوم-239 منذ انتهاء عملية عاصفة الصحراء عام 1991، ولم تشكك واشنطن خلال العام الماضي بأكمله في نتائج تقرير الوكالة، بل وأيدها تيموثي مكارثي أحد مفتشي يونيسكوم. وأعلنت المخابرات الألمانية BND في تقرير لها في فبراير 2001 أن العراق لا يستطيع انتاج سلاح نووي تكتيكي محدود العيار قبل 3-6 سنوات على الأقل، وبشرط الحصول على وقود انشطاري من احدى دول الاتحاد السوفيتيي السابق أو من الصين أو الأرجنتين. وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أكدت في تقريرها في نوفمبر 1996 أن العراق قد قدم كل ما لديه من نظائر اليورانيوم والبلوتونيوم الى الوكالة، وأتاح لها تدمير كافة تجهيزات برنامجه النووي، والمفاعلات والمنشآت النووية في التويثة والأثير، والفرات، والقعقاع. ومع ذلك ففي اطار خطة اعلام موجه ومنسق، تتولى تنفيذها أجهزة الاعلام ودوائر الاستخبارات الأميركية والبريطانية والاسرائيلية، لترديد مزاعم امتلاك العراق القدرة النووية الكامنة، ولذخائر الغازات الحربية والمواد البيولوجية، ادعى توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، وكذا المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، أن العراق يوشك أن يمتلك قنبلة نووية في غضون عام واحد! والتقط البنتاغون هذا الادعاء، واعتبره دليلا مرجحاً على انتهاك العراق لقرارات مجلس الأمن الدولي بنزع أسلحة الدمار الشامل لديه، وبخاصة القرار 687 الصادر في 3 أبريل 1991، وتناسى رامسفيلد، ونائبه ولفوفيتز، ورايس أربع حقائق رئيسية، أولها أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تصدر أي تقرير جديد بعد يناير 2001 يشير الى أية محاولات عراقية جديدة لاستئناف البرنامج النووي أو للتعاقد على أي نوع من الوقود الانشطاري مع أية دولة في العالم. والحقيقة الثانية أن أساس انتاج أية قنبلة أو رأس نووية هو توفير الوقود النووي الانشطاري أو الاندماجي الذي يوضع في قلبها. وقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقارير سابقة الى أن العراق لم يعالج أي وقود نووي محترق في التويثة التي كانت تضم مفاعلي تموز-1 وتموز -2 ومعملاً صغيراً لمعالجة الوقود، أو في غيرها من المواقع العراقية بعد اكتمال تدمير المنشآت النووية العراقية في منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي. ومن السذاجة العلمية تصديق ما يردده الاعلام الأميركي والبريطاني عن استيراد العراق لأنابيب من الألومنيوم ضمن مكونات مصنع جديد لتركيز نظير اليورانيوم -235، ذلك لأن بناء مثل هذا المصنع يحتاج 3-4 سنوات على الأقل، اذا رفع الحصار عن العراق، وسواء عمل بطريقة الطرد المركزي أو الطريقة الكهرومغناطيسية. والحقيقة الثالثة أن المسألة لا تقتصر على الوقود النووي، بل لابد من توفير مصادر النيوترونات التي تبدأ التفاعل المتسلسل في قلب القنبلة أو الرأس النووية، مثل الراديوم ـ بريلليوم، ولم يرصد مطلقاً أن العراق قد حصل عليها قبل أو بعد حرب الخليج الثانية عام 1991/1992 كما لا تتوفر لدى العراق وسائل التفجير الكهربية الدقيقة داخل وعاء القنبلة، والذي يصنع من صلب حربي خاص لم يستطع العراق بعد انتاجه. ويبقى أن العراق لا يملك حاسبات الجيل الخامس التي يمكنها اجراء حسابات الكتلة الحرجة من الوقود نووي وضبط التفاعل المتسلسل داخل وعاء القنبلة قبل انفجارها، بل لا تملك بغداد حتى الآن حاسبات الجيل الرابع بسبب الحصار المطبق على العراق لضرب قدراته على مواكبة التطور التكنولوجي المعاصر، وهو هدف أميركي ثابت ينطبق على العراق مثلما ينطبق على مصر أو السعودية. والحقيقة الرابعة أن الحديث عن برنامج العراق النووي، أو قدرة ليبيا على انتاج أول سلاح نووي عربي في غضون خمسة أعوام، يأتي في اطار الاصرار على اخضاع العالم العربي للهيمنة الأميركية، وتأكيد حرمانه من الارادة السياسية لمقاومة التدخل الأجنبي في بناء قدراته الشاملة والمؤثرة اقتصاديا وعسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً، بينما يتم التغاضي كلية من جانب الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية عن قدرات اسرائيل النووية الحالية التي تقترب من مئتي رأس وقنبلة نووية، وعن استمرارها في برنامجها لبناء الأسلحة النووية التكتيكية محدودة العيار بتعاون وثيق مع العلماء الأميركان حتى عام 2006، وعن بدء استعدادها لانشاء محطة قوى نووية في النقب الأوسط تعمل باليورانيوم الطبيعي كوقود وبالماء الثقيل كمهدئ وتنتج البلوتونيوم - 239 ويطلق عليها IDUNS بعد أن رفضت مصر عرضاً أميركياً ببناء محطة قوى نووية في سيناء لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر على أن تلتزم بامداد اسرائيل بجزء من طاقتها الكهربائية المولدة!! القدرات العراقية الكيميائية والبيولوجية يشير تقرير يونيسكوم في اكتوبر 1998 الى أن المفتشين الدوليين قد قاموا بتدمير 38537 قطعة من الذخائر المعبأة وغير المعبأة بالغازات الحربية، وكذا 690 طناً من العوامل الكيميائية الجاهزة لتعبئة الذخائر بها، الى جانب ثلاثة آلاف طن من المواد الكيميائية المطلوبة لتخليق غازات الحرب، وأغلبها جاءت من مصادر أميركية وأوروبية. وأكد التقرير تدمير مصانع ومعامل انتاج الغازات وبخاصة في مجمع المثنى الصناعي، كما أشار الى أن العراق قد دمر من جانب واحد عدد 15620 قطعة من الذخائر الكيميائية، وشارك مع مفتشي يونيسكوم في تدمير 30 رأساً حربياً معبأة بالغاز الحربي لصواريخ سكود- ب المعدلة. وفي المجال البيولوجي تضمن تقرير يونيسكوم تدمير 8.4 أطنان من بكتيريا الأنثراكس، 19 طنا من سم البوتيولينم، وحوالي 3.4 أطنان من الكلوستريديوم وكذا 2.2 طن من سم الأفلاتوكسين وعدد 25 رأساً بيولوجية لصواريخ سكود، 157 قنبلة طيران بيولوجية، 4 أجهزة رش للبكتيريا. وادعى مفتشو يونيسكوم أن العراق يملك قدرة محدودة على تصنيع الميكوتوكسينات، التي يطلق عليها اسم المطر الأصفر، والتي استخدمها السوفييت في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، ومع ذلك سلم تقرير يونيسكوم بالتدمير الكامل للمعامل البيولوجية في سلمان باك، وفي المثنى والحكم، وان ادعى أن هناك خلافاً مع بغداد بشأن عدد 2 -16 صاروخاً سكود ذات رؤوس كيميائية أو بيولوجية ربما أخفاها العراقيون الذين أعدموا تحت اشراف يونيسكوم 819 صاروخاً سكود - ب معدلاً وغير معدل. وزعم التقرير أيضاً أن العراق يخفي مخزوناً من جرعات الجمرة الخبيثة (الأنثراكس) في أماكن سرية، ولعل ذلك هو السبب في حرص القيادة المركزية على تطعيم كافة أفراد القوات الأميركية في الخليج ضد الجمرة الخبيثة. وتؤكد تقارير محايدة عديدة شارك فيها بعض خبراء يونيسكوم أنفسهم وبعض العلماء الروس والعرب أن العراق لم يعد يملك اليوم أية ذخائر كيميائية أو بيولوجية بالمرة. ولكن التصميم الأميركي على ضربه في حرب غير أخلاقية ينبع من ادراك واشنطن أن العراق يملك المعرفة Know How والخبرة العلمية Do How لانتاج هذه النوعيات من أسلحة الدمار الشامل، مع سهولة تعديل بعض مصانع الأسمدة والمبيدات ومعامل الأدوية لانتاج بعض العوامل الكيميائية، وبخاصة مركبات الفوسفور العضوية، والمواد البيولوجية. بدء العد التنازلي للغزو لا يزال التصميم الأميركي على غزو العراق قائما، ومن خلال تكتيكات متنوعة لاكسابه نوعا من الشرعية الدولية، وانتزاع فرصة العمل المنفردة أو بالتعاون مع قوة عسكرية للانتشار السريع من دول حلف شمالي الأطلنطي في حدود خمسة آلاف جندي الى جانب القوات البريطانية لاحتلال العراق واسقاط نظامه الحاكم واقامة كيان فيدرالي موال للغرب، يخدم مصالحه البترولية والأمنية في الخليج بغير حدود. وتحاول واشنطن اعاقة بدء أعمال التفتيش والمراقبة في العراق لاتاحة الفرصة المناسبة لها لبناء ائتلاف محدود من الدول الحليفة وحشد قواته في مسرح الخليج العربي، ولاستكمال خطط توظيف المعارضة، وبخاصة الكردية، في الغزو وفي الترتيبات الانتقالية خلال فترة الاحتلال المقدر لها نظريا أن تستمر 4-5 سنوات. ولقد كان حجم القوات الأميركية في منطقة الخليج في حدود ثلاثين ألف ضابط وجندي، لكنه ارتفع في منتصف سبتمبر الجاري الى ضعف هذا الرقم وأصبح للولايات المتحدة في مسرح العمليات فرقتان مدرعتان احداهما ثقيلة، وفرقة مشاة ميكانيكية، ولواءان مدرعان آخران، وثلاثة من ألوية مشاة البحرية، اضافة الى عدد من أجنحة الطيران التكتيكية، والأسطول الخامس المتمركز في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر بصفة أساسية. وتنفد الولايات المتحدة حاليا خطة الحشد والفتح الاستراتيجي والتعبوي بالشكل الذي يمهد لمهاجمة العراق على ثلاثة اتجاهات استراتيجية من الشمال والجنوب والغرب. وفي كردستان العراقية أعد الأميركيون مركزي قيادة محصنين لادارة أعمال القتال أحدهما في زاخو، والآخر في أربيل كما تم اعداد ثمانية مطارات للاستخدام العملياتي، وتم نشر عناصر الاستطلاع في مؤخرة العدو التابعة للقوات الأميركية والبريطانية ونجح بعضها في التسلل الى وسط العراق. وفي الجنوب يستمر نقل عناصر مركز القيادة الرئيسي للقيادة المركزية الأميركية من فورت تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية الى منطقة الخليج بجوار أكبر مستودعات للأسلحة والمعدات في الشرق الأوسط تفوق في حجمها التكديسات الأميركية في اسرائيل ذاتها. وتنوي الولايات المتحدة الارتفاع بحجم قواتها في الخليج قبيل نهاية اكتوبر المقبل الى 100120 ألف جندي ينضم اليهم 30 ألف جندي بريطاني حتى منتصف نوفمبر المقبل ليبدأ العد التنازلي الفعلي لغزو العراق بالاشتراك مع الطيران الاسرائيلي، وتتصاعد الحملة الجوية ضد الأهداف العراقية، وتقترن بالضربات الصاروخية بينما يكتفي العرب بالتسليم بالعجز والاستسلام لارادة سيد البيت الأبيض في بلقنة المنطقة العربية وأفغنة العراق!! بقلم: لواء صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط