الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 قفز الشأن العراقي فجأة الى واجهة الأحداث ليصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام والمحافل السياسية على المستوى الدولي وبات العالم يترقب نشوب الحرب الأميركية العدوانية ضد العراق لأسباب تطرحها واشنطن تبدو في مجملها غير مقنعة لغالبية دول العالم وللرأي العام العالمي بالاعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة واقتلاع نظامها السياسي واختراق سيادتها الوطنية والتدخل في شئونها الداخلية دون وجه حق يذكر. الادارة الاميركية أشعلت قضية المفتشين وأكدت على ضرورة عودتهم الى العراق لمواصلة مهامهم التي يبدو ان واشنطن لا تريدها ان تنتهي، لذا فهي تحاول جاهدة اقناع المجتمع الدولي بامتلاك بغداد لأسلحة الدمار الشامل وتهديدها لدول الجوار والمنطقة عموماً، ورغم موافقة الحكومة العراقية على عودة المفتشين بلا شروط، إلا ان بوش وصقور ادارته أكدوا تصميمهم على ان ضرب العراق قادم لا محالة وأنها مسألة وقت لتظهر معها النوايا الأميركية الحقيقية. وعلى اثر ذلك بدأت واشنطن تقرع طبول الحرب وتعد العدة العسكرية من خلال رصد الموازنات ونفقات الحرب واستكمال التحشيد العسكري ووضع سيناريوهات وخطط الغزو، وكذا تهيئة الرأى العام الأميركي والعالمي لخوض المعركة ومحاولة اعطائها صبغة شرعية، رغم ان الرئيس بوش مازال يتطلع الى موافقة الكونغرس لاعطائه الضوء الأخضر والصلاحيات الكاملة لاعلان الحرب. ولا ريب ان القضية لم تحسم تماماً في الداخل الأميركي، فمازال الانقسام واضحاً في أوساط الادارة الأميركية بين مؤيد ومعارض ومازالت الانتقادات تتوالى على البيت الابيض من خبراء وسياسيين محذرة من مخاطر الانزلاق في المستنقع العراقي والتورط في تصعيد وتيرة العداء العربي والاسلامي لواشنطن لاسيما وان العلاقات العربية الاميركية منذ 11 سبتمبر تمر بمخاض صعب وتعيش حالة جفاء غير مسبوق مع اختلاف المصالح وتعارض الرؤى في خضم حرب الارهاب التي تشنها الولايات المتحدة. مقابل تلك الآراء والاصوات العقلانية والمعتدلة يبرز الطرف الأقوى والمهمين على صناعة القرار الأميركي على مستوى كافة المؤسسات وهم الصقور واليمين الديني المتطرف الذي يمثله تشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايس وغيرهم من دهاقنة الصقور والرموز الفاعلة في الحياة السياسية الأميركية، هذا التيار يدعو بقوة الى شن الحرب ضد العراق واسقاط نظام صدام حسين ووضع اليد على الثروات النفطية وبسط النفوذ وتعزيز الهيمنة الاميركية في العالم لتصبح بغداد المسرح الثاني بعد أفغانستان تنفيذاً لاستراتيجية اليد الطولى التي تنتهجها الامبراطورية الجديدة. الوقائع والمعطيات الحالية تشير الى ان الادارة الاميركية تمارس الآن ضغوطاً جبارة على مجلس الأمن والأمم المتحدة لاستصدار قرار جديد ضد العراق بهدف استفزاز الحكومة العراقية والحصول على دعم المجتمع الدولي بالموافقة على شن الحرب ضد العراق. وإذا كانت بعض الدول الكبرى مازالت رافضة ومترددة حيال ضرب العراق فإن واشنطن تمارس ضغوطاً على الجميع وتستخدم سياسة العصا والجزرة لاخضاع الكل لرغباتها، ويبدو ان واشنطن تجدها فرصة سانحة لشن حرب مدمرة ضد العراق تجرب خلالها اسلحتها وتبسط نفوذها وتهيمن على المنطقة وتسيطر على الثروات النفطية وتعمل على اعادة رسم خريطة المنطقة العربية، أو كما يقول بعض الخبراء اجراء جراحة جيوسياسية، وبالتالي قطع الطريق على القوى الدولية المنافسة وحماية الكيان الصهيوني وتعزيز دور اسرائيل وتأهيلها لتصبح القوة الاقليمية الأولى على مستوى الشرق الأوسط. في وسط هذه الأجواء يبدو النظام الاقليمي العربي عاجزاً عن طرح مواقف قوية في وجه واشنطن لمنع العدوان على دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية، وتتباين المواقف العربية بين رافض ومتردد وصامت وموافق «سراً» ليبدو المشهد العام رمادياً.