السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 يشهد الوضع الفلسطيني صراعا ما بين مشروعين سياسيين، المشروع الوطني التحريري الفلسطيني الذي يهدف من خلال الانتفاضة والمقاومة إلى إجبار العدو الإسرائيلي على الجلاء عن المناطق الفلسطينية التي احتلت عام 1967 واقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين على أساس قرار 194. هذا المشروع الوطني الفلسطيني يصطدم بالمشروع الإسرائيلي الصهيوني، وتعتمد حكومة شارون في سياستها على مشاريع الحلول الانتقالية طويلة الأمد. قيس عبدالكريم الرجل الثاني في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وعضو مكتبها السياسي يتحدث عن هذا الصدام ويؤكد أن المشروع الأميركي للحل الذي يتحدث عن اقامة دولة فلسطينية بعد ثلاث سنوات، يشترط لقيام الدولة ان يخرج الشعب الفلسطيني من جلده تماماً وأن يغير مواصفات مجتمعه وحركته الوطنية ويلبس ثوبا جديدا يتواءم مع الخطوط العريضة للموقف الاميركي الذي بدأ بعد 11 سبتمبر بمحاربة الارهاب، وقال عبدالكريم اليوم أخذت تتكشف النوايا الاميركية الحقيقية من وراء شعار محاربة الارهاب، تكريس وتجسيد وتأييد الهيمنة الاميركية على العالم بأسره وهذا ما يتضح في موضوع العراق. وهذا نص الحوار: ـ كيف سيكون الوضع الفلسطيني في ظل الحرب الاميركية على العراق في تقديرك؟ ـ الوضع الفلسطيني يعاني ازمة داخلية قديمة جديدة برزت معالمها الى السطح مؤخرا بشكل صارخ وفاقع بفعل اشتداد العدوان الاسرائيلي منذ ما اطلقت عليه اسرائيل السور الواقي والطريق الحازم الذي هدفت اسرائيل من خلال هذه السياسة اعادة فرض الاحتلال المباشر لعموم مناطق الضفة الغربية والتهديد باعادة احتلال غزة. هذا العدوان الاسرائيلي فتح الجروح الفلسطينية الداخلية كلها واظهر مكامن الخلل في الوضع الفلسطيني وساعدت الظروف الدولية في تعميق الازمة الفلسطينية الداخلية،خاصة اقامة الحلف العالمي بقيادة الولايات المتحدة ضد ما تطلق عليه محاربة الارهاب،ونجحت اسرائيل في ان تجعل نفسها جزءا من التحالف العالمي وان تجد حماية اميركية للعدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني بحجة ان اسرائيل تحارب الارهاب. والوضع الفلسطيني الداخلي مفتوح على كل الاتجاهات والاحتمالات،السيناريو الذي يريده الاسرائيليون والاميركان هواعادة قولبة الوضع الداخلي الفلسطيني بشكل ينصب قيادة فلسطينية بديلة مرتبطة ومستعدة لتقبل المشروع الاسرائيلي الصهيوني او تقبل المشاريع الاميركية،فالاصلاحات التي تريدها اميركا واسرائيل تهدف الى استبدال القيادات الفلسطينية، واليوم الاميركان والاسرائيليون يفصحون انهم ضد اجراء انتخابات ديمقراطية لتكون مدخلا لاصلاح حقيقي فلسطيني بحجة انه يجب ان تكون هناك تغييرات في بنية السلطة الفلسطينية قبل اجراء الانتخابات. لذلك يواجه الوضع الفلسطيني احتمالين اما ان يبقى كما هو وهذا يعني المزيد من الاضطراب والتآكل الداخلي، والعجز عن توظيف التضحيات البطولية الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني في مقاومته للعدوان والاحتلال الاسرائيلي، والمطلوب تحويلها الى ثمار سياسية تقترب من تحقيق الهدف الوطني الفلسطيني. والاحتمال الثاني هو ان تنجح القوى الوطنية والاسلامية في التوصل الى برنامج وطني جماعي يعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على اسس تمكنها من مواجهة استحقاقات وتحديات المرحلة الجديدة ووضع برنامج وطني يمكن من قيام قيادة وطنية موحدة تضمن مشاركة حقيقة لكل القوى والفئات الوطنية والاسلامية في صنع القرار السياسي والكفاحي الذي يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني. ـ شارون الغى الاتفاقات والسلطة تتمسك بها، لماذا هذا التمسك طالما اسرائيل وشارون يرغب بالغائها؟ ـ الجبهة الديمقراطية دعت دائما الى وضع الاتفاقات على الرف ونبذها وتجاوزها، لان الجبهة كانت على ثقة بان الاتفاقات «الفلسطينية ـ الاسرائيلية» مصيرها الفشل ولا يمكنها ان تكون طريقا للسلام ولا لاستعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية. ولكن السطة الفلسطينية بتركيبتها وبنيتها الحالية تتمسك بالاتفاقات لأنها نشأت على قاعدتها ومن خلالها وهي لا تملك خيارا اخر سوى اعلان تمسكها بالاتفاقات من جانب واحد. ومطلوب من السلطة الفلسطينية الانتقال الى خيار اخر، هذا ما هو مطلوب منها تاريخيا ووطنيا، وهذا يعني اعادة صياغة شاملة لكل بنيتها واوضاعها بما ينسجم مع خيار المقاومة.ومواصلة الانتفاضة حتى يتم دحر الاحتلال الاسرائيلي. ـ في الوقت الذي دعا فيه شارون الى الغاء الاتفاقات نلحظ ان هناك تواصلاً للقاءات الفلسطينية الاسرائيلية، ماذا تقرأ في مواقف السلطة الداعية لمواصلة المفاوضات؟ ـ مواقف السلطة الفلسطينية السياسية هي تعبير عن ان السلطة بتركيبتها الحالية معدومة الخيارات، وخيارها الوحيد هو التمسك باتفاقيات اوسلو، ومحاولة حل القضايا الفلسطينية مع الجانب الاسرائيلي، وهم يعبرون عن الزاوية التي حشرت فيها السلطة الفلسطينية نفسها واسقطت خياراتها الاخرى واحتفظت بهذا الخيار الذي يتمثل باتفاقيات اوسلو وما تلاها، في الوقت الذي تنكر فيه شارون لهذه الاتفاقيات ليس بالقول وانما بالممارسة من خلال العودة لاحتلال المدن الفلسطينية. ولهذا مطلوب فلسطينيا اليوم اعادة صياغة الوضع الداخلي الفلسطيني بما ينسجم مع مواصلة المقاومة والانتفاضة فالشعب الفلسطيني يقدم التضحيات ويواجه المصاعب وهذه التضحيات والمصاعب يجب ان تكون موظفة في مسار سياسي وكفاحي يمكن ان يلحق بالعدو الاسرائيلي خسائر تجعله مرغماً على التراجع والقبول باعادة الحقوق الفلسطينية. ـ اسرائيل نجحت في وصف المقاومة الفلسطينية بالارهاب وخطابات السلطة الفلسطينية بخصوص العمليات الاستشهادية ساعدت في ذلك.. ما هي وسيلة الخروج من هذا الوضع؟ ـ اسرائيل لم تنجح في اقناع الرأى العام العالمي بوصف النضال الفلسطيني بـ «الارهاب» هي نجحت في ان تجتذب اميركا وبعض الحكومات الاوروبية واجهزة الاعلام الغربية المنسجمة بالاصل مع توجه اسرائيل واميركا، فالرأي العام الشعبي في اوروبا ما زال يؤيد حقوق الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع. أنا لست ممن يدينون العمليات الاستشهادية، خاصة ان العدوان الاسرائيلي متواصل على الضفة بالاضافة الى قيام اسرائيل بارتكاب اعمال وحشية ضد النساء والشيوخ والاطفال الفلسطينيين. ولكن أقول الاعمال العسكرية الموجهة ضد المدنيين الاسرائيليين ساعدت اسرائيل في تشويش صورة النضال الفلسطيني العادل واعطاء المبررات لحلفاء اسرائيل كي يتخذوا مواقف معادية للشعب الفلسطيني. واسرائيل تحاول تصوير المقاومة الفلسطينية بالارهاب. ومن الخطأ سياسيا ان ينجرف الفلسطينيون الى ادانة العمليات الاستشهادية هذا ما يريده الاحتلال. ولكن من الصواب سياسيا ان يجري حوار فلسطيني داخلي موضوعي حول سبل النضال وتكتيكاته التي تناسب الوضع الدولي الراهن. ـ الفلسطينيون يطالبون المجتمع الدولي بالتدخل لاجبار اسرائيل على وقف العدوان ضد الشعب الفلسطيني، اميركا هي التي تتحكم في العالم اليوم، اذن ما هو تأثير اوروبا في ظل الهيمنة الاميركية في العالم؟ ـ التأثير هامشي، فاوروبا تضع نفسها في ذيل الولايات المتحدة الاميركية رغم التمايز بين الموقف الاميركي والاوروبي فيما يخص الشعب الفلسطيني،لكن المواقف الذيلية في كافة الشئون الدولية يجعل التمايز في المواقف قليل التأثير على الصعيد الواقعي وفي مجرى الاحداث الدولية. ـ هناك دعوات تطالب اسرائيل بالانسحاب الاسرائيلي الى ما قبل 28 ـ 9ـ 2000 لاجراء الانتخابات الفلسطينية واعادة العملية السلمية الى مسارها هل نفهم ان المطلوب فقط من الفلسطينيين تقديم التضحيات لصالح حلول سياسية مبتورة لا تخدم الهدف الوطني؟ ـ هذا احد السيناريوهات الذي يحاول شق طريق وسط ما بين المفهوم الفلسطيني والاسرائيلي للحل، لكن هذا السيناريو غير قابل للتنفيذ وليس واقعيا، ولا يمكن له ان يجد قاعدة تمكنه من التطبيق على ارض الواقع. وهذا السيناريو تكرار لصيغ اخرى لما سمي تقرير ميتشيل وخطة تينيت ونقاط زيني، ومجرى الصراع اثبت ان هذه السيناريوهات غير قابلة للتنفيذ لانه لا يمكن ايجاد حل لهذا الصراع وهذا التناقض بين المشروعين «الفلسطيني والاسرائيلي» الا من خلال انتصار احدهم على الاخر، وانتصار المشروع الصهيوني على الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يتحقق تاريخيا، لانه يعني ابادة الشعب الفلسطيني والحل القابل للحياة هو المشروع الوطني الفلسطيني. ـ هناك تخوفات من ان تستغل اسرائيل العدوان الاميركي على العراق، ونبدأ في تنفيذ سياسة الترانسفير «الترحيل» للفلسطينيين؟ ـ هناك اطراف نافذة في ائتلاف الحكومة الاسرائيلية لديها مخططات «الترانسفير» وتريد ان تنتهز الظرف الدولي المناسب من اجل تنفيذ سياسة الترحيل الجماعي. فالحكومة الشارونية تضم قوى واحزاب يمينية تخرج الى الشارع بشكل علني لتطالب بتطبيق وتنفيذ سياسة الترحيل الجماعي للفلسطينيين وممارسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين. لمواجهة هذه السياسة الاسرائيلية، يتطلب الامر حدوث تماسك داخلي فلسطيني «وحدة وطنية واسلامية» وكذلك التدقيق في اشكال وتكتيكات النضال والاصرار على مواصلة المقاومة الفلسطينية. ولكن هناك البعض يعتقد ان استمرار المقاومة في ظل الهجوم الاميركي على العراق يمكن ان يساعد دعاة الترانسفير الاسرائيليين على انجاز مخططاتهم، فكلما تصاعدت المقاومة في وجه العدوان الاسرائيلي يصعب الامر على دعاة الترحيل الاسرائيليين ان ينفذوا مخططاتهم، اما اذا وقعت الحرب على العراق في ظل وضع هاديء على الجبهة الفلسطينية هذا سيساعد شارون وغيره من المتطرفين على انجاز مخططاتهم الترحيلية. ـ اسرائيل ضربت البنية التحتية للانتفاضة من خلال سياسة الاغتيالات والاعتقالات للسياسيين، ما هو المطلوب اليوم من فصائل العمل الوطني الفلسطيني للمحافظة على جذوة الانتفاضة مشتعلة؟ ـ هذا صراع مفتوح، وبفعل طبيعة وموازين القوى يتوقع ان ينجح الاسرائيليون في احتلال مدن وضرب بنى تحتية وتفكيك بنى المقاومة الفلسطينية مع اعتقال واغتيال قيادات سياسية فلسطينية، هذا امر طبيعي ولكن الشيء الذي لا تستطيع اسرائيل أن تحققه من خلال العدوان هو تركيع الشعب الفلسطيني واجباره على التخلي عن خيار المقاومة، فكل ما تفعله اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني يزيده تمسكا بالمقاومة وتصميما على مواصلتها والشعب الذي يصمم على مواصلة المقاومة بامكانه ان يعيد بناء ما تدمره اسرائيل ويفرز قيادات فلسطينية جديدة بدل القيادات التي تم اغتيالها، ويشق الطريق نحو الاستقلال والحرية، فرغم كل ما الحقته اسرائيل بالبنية الفلسطينية كمجتمع وحركة وطنية الا ان الشعب الفلسطيني مصر على مواصلة المقاومة، ويعمل على اعادة تشكيل الحركة الوطنية وتصعيد قيادات ويقوم بترميم ما جرى تدميره وعلى الجميع اليوم ان يعمل على تعزيز الوحدة الوطنية على اساس برنامج واقعي للاجماع الوطني ينطلق من استمرار المقاومة حتى دحر الاحتلال الاسرائيلي. ـ لماذا لا تعمل السلطة الفلسطينية على البدء بترميم المؤسسات الفلسطينية؟ ـ الاتجاه المهيمن على الحركة الوطنية الفلسطينية لا يعمل على تعزيز مؤسسات السلطة الفلسطينية ولا يعمل على تعزيز مؤسسات منظمة التحرير، الاتجاه المهيمن اتجاه فردوي من خلال التفرد فالمؤسسات بالنسبة لهذا الاتجاه تمثل غطاء للتفرد في اتخاذ القرار السياسي. في هذا السياق فإن التغيرات التي حدثت في مجلس الوزراء الفلسطيني هي تغييرات شكلية فالمجلس التشريعي يتخذ قرارات ويضع برامج لتأتي السلطة التنفيذية وتلغي هذه البرامج والقرارات وتلقيها في سلة المهملات والمطلوب اليوم هو ليس اعادة انتاج النهج التفردي تحت مظلة الاصلاحات الزائفة، المطلوب هو اصلاحا جذريا حقيقيا يعيد بناء المؤسسات على قاعدة انتخابية ديمقراطية في مؤسسات السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بما يمكن من مشاركة حقيقية في صنع القرار الوطني الفلسطيني. ـ الزعيم الليبي وصف الجامعة العربية لا معنى لها ذليلة وفاشلة ولا تساوي شيئا، هل تتفق مع هذا الوصف، وهل تقرأ معاني سياسية وراءه؟ ـ الجامعة العربية ليست الا هيكلاً، كونها فاعلة او غير فاعلة، هذا يتوقف على الارادة السياسية للعناصر التي تشكل هذا الهيكل، وهي الحكومات العربية ومن بينها الحكومة الليبية ولا اريد ان اضيف اكثر، الجامعة العربية سواء فاعلة او غير فاعلة هي شكل من اشكال التضامن العربي يجب الحفاظ عليه ومن لا يكتفي بالدور الذي تقوم به الجامعة العربية الان، فعليه ان يناضل من اجل اكسابها مضمونا اكبر وارساء التضامن العربي على قاعدة فاعلة وجدية اكبر، اما ادارة الظهر لهذا الشكل بحجة انه عاجز فهو لا يقدمنا بوصة واحدة الى الامام. القدس المحتلة ـ عبدالرحيم الريماوي: الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |