الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 وجدت الولايات المتحدة الاميركية ان ورقة ما تسميه (بالارهاب الدولي) ورقة رابحة تعيد بها ترتيب الحياة الدولية من جديد ولكن بالتركيز اساسا على البيت العربي، ومع انها تعلم ان معظم الجماعات الارهابية تتواجد على الاراضي الاميركية وعلى اراضي الدول الاوروبية، الا انها تستغل ورقة الجماعات الارهابية لتمرر مخططاتها في المنطقة العربية فكما يجري في فلسطين حيث تطالب بتفكيك الجماعات المقاومة للاحتلال الاسرائيلي مع ان هذه الجماعات لا تهدد المصالح الاميركية بل هي جماعات مقاومة للاحتلال الا ان الادارة الاميركية تريد ان تصور معظم جماعات المقاومة العربية المناهضة لسياستها ولاسرائيل في المنطقة على انها جماعات ارهابية يتوجب مقاومتها وتفكيكها لتمرير المخطط الاسرائيلي والاميركي والمتمثل في فرض الامر الواقع في المنطقة اي بابقاء اسرائيل محتلة للاراضي العربية تحت انظار الولايات المتحدة الاميركية، وفي اعتقادنا ان التوجه الاميركي في الشرق الاوسط سوف يكون منطلقا من القاعدة القائلة بانه لا عودة الى حدود عام 1967 الا اذا فككت الدول العربية المواجهة لاسرائيل (سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية) جماعات المقاومة وغيرت هذه الدول من نظرتها العدائية لاسرائيل عندها سوف تفكر الولايات المتحدة الاميركية في وضع مخطط للسلام في المنطقة. ومع ان الولايات المتحدة تدرك مسبقا ان دول العالم تعرف اهداف اميركا من العملية المستقبلية الا انها لا تأبه بذلك بل انها سوف تمضي في خططها العسكرية والسياسية لانها تمتلك وسائل الردع والمقدرة العسكرية وما على دول العالم الا الانصياع للقرارات الاميركية والا اتخذت اميركا في حقها اجراءات ردعية، واول المتضررين من المخطط الاميركي الجديد هي الدول العربية التي بدأ يجري فيها الاعداد لتنفيذ الشطر الثاني من الحرب الجديدة من خلال المطالبة بتفكيك المنظمات الفلسطينية المقاومة لاسرائيل الى احتمال ضرب العراق والصومال كما يقول ذلك المسئولون الاميركيون ولكن التساؤل هل في مقدرة الدول العربية التصدي للمشروع الاميركي؟ للحقيقة تجد الدول العربية نفسها في وضع صعب للغاية فهي من جهة تعرف انه ليس باستطاعتها مواجهة المخطط الاميركي لانها لا تمتلك وسائل المواجهة كما ان الوضع العربي الراهن الذي يتسم بالتفكك لا يشجع على التصدي لهذا المشروع، وقد لاحظنا كيف ان الدول العربية لم تندد حتى بالاعمال الارهابية الاسرائيلية وذلك خوفا من العقاب الاميركي عليها، وهذه حقيقة اصبحت تعيشها الدول العربية لذلك نعتقد ان اسرائيل سوف تستفيد من الحرب الاميركية الجديدة بدليل انها تحصلت على الضوء الاخضر الاميركي لاحتلال الاراضي الفلسطينية من جديد لانها تعرف مسبقا ان الدول العربية ليس في مقدورها ان تندد او تواجه الاعمال الارهابية الاسرائيلية. تحاول الولايات المتحدة جاهدة اليوم اقناع العالم بان الخطر الدولي الجديد الذي يهدد الامن الدولي يتمثل في خطر الجماعات الارهابية وطالبت من المجتمع الدولي بناء حلف دولي يواجه الزحف الجديد الذي خلف الزحف الشيوعي برأيها واستطاعت الى حد بعيد بعد حوادث 11 سبتمبر الاخيرة اقناع العديد من دول العالم (خاصة دول المجموعة الاوروبية) بالوقوف معها لمواجهة الخطر الجديد وبدأ الاعتقاد يتسلل الى العقول بان ما حدث للولايات المتحدة الاميركية يمكن ان يحدث في اي عاصمة اوروبية لكن الاشكالية ليست في ظاهرة الارهاب كتحد جديد لم تعان الولايات المتحدة منه فقط بل عانت منه ولاتزال الدول العربية كذلك منذ سنوات طويلة ولم تحرك لا الولايات المتحدة ولا المجموعة الدولية ساكنا لمواجهته بل كان للولايات المتحدة دور فيما حصل ولايزال يحصل للعرب والاحداث والوقائع التاريخية تشهد على ما قدمته من دعم مادي ومعنوي للارهاب الاسرائيلي الذي اغتصب الاراضي العربية وقتل الابرياء وقام بمجازر ارهابية لاتزال عالقة في الذاكرة الانسانية. اليوم تريد واشنطن ايهام دول العالم بأن الخطر الشيوعي في السابق محصور في الدائرة السوفييتية والدول الاوروبية الاشتراكية فاصبح الرأي العام الدولي يترقب بحذر الشعوب العربية واصبح في اعتقاده ان كل ما يصدر من الدول العربية يمكن ان يكون عملا ارهابيا واصبح مجرد التعرف الى العربي في المطارات او اي شارع اوروبي تبدأ الاتهامات والشتائم تنزل عليه هذه حقائق تكررت كثيرا في العديد من الدول الاوروبية. لقد اصبح الاعتقاد الراسخ لدى كل اميركي واوروبي انه اذا صادف اي عربي يتوجب عليه ان يأخذ الحذر منه وان يتعقبه لانه يمكن لهذا العربي ان يقوم بأي تصرف (ارهابي) كأن يفجر قنبلة او يفجر نفسه. الملاحظ ان الرسميين الاميركيين يحاولون اخفاء الحقيقة وانكار ما يروجون له من مفاهيم خاطئة وخطيرة لانها سوف تساهم في اذكاء الكراهية بين العرب والاميركان وهم يقولون انهم لا يحملون اي عداء او كراهية للعرب ولا للدين الاسلامي، ألم يقل الرئيس الاميركي جورج بوش غداة حوادث 11 سبتمبر انه يقود حربا صليبية ثم تراجع عن تصريحاته بعد ان نبهه مستشاروه الى انه ارتكب خطأ استراتيجيا فادحا ليس في مصلحة الولايات المتحدة الاميركية لانها سوف تخسر مصالحها في العالم العربي يقال ان الملايين الاميركان سارعوا الى دراسة الدين الاسلامي لانهم فوجئوا بأن الاعلام يتكلم مرارا عن الجماعات الاسلامية والكليات الاسلامية والمعاهد التي تدرس القرآن والدين الاسلامي فأرادوا معرفة الحقيقة لان ما يروج له الاعلام الغربي الذي يسيطر عليه الصقور اليهود الذين يحملون حقدا دفينا للعرب والاسلام فأرادوا دراسة القرآن والتمعن فيه هل هو كتاب يدعو الى التراحم والتآلف والتسامح او يدعو الى قتل المدنيين وهل الاسلام يبرر سفك الدماء؟ ان هذه المفاهيم الجديدة يعمل الاعلام الغربي ليل نهار من اجل ان يغرسها في عقول الرأي العام الدولي وعلى وجه الخصوص الاعلام الغربي لان الولايات المتحدة تريد ايهام العالم بأن خطرا جديدا يهدد الامن الدولي يتوجب محاربته وان على العالم مساعدتها في مهمتها الجديدة مثلما وقف معها بالامس في محاربة الشيوعية التي شكلت خطرا على العالم قرابة خمسين سنة وهاهو خطر الجماعات الارهابية العربية يهدد الامن الدولي ويتعين على العالم الاستعداد له بمواجهته تحت اشراف وقيادة الولايات المتحدة الاميركية. العديد من الكتاب الاميركان والاوروبيين قالوا في كتاباتهم ان ما اعلنته الولايات المتحدة من انها تقود حربا ضد ما اسمته (الارهاب الدولي) لا يعني حربا على الاسلام ولكن تبريراتهم لا تستند الى اي اساس واقعي لان ما يحدث على الواقع يشير الى ان العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة من خلال الصاق ظاهرة الارهاب بالعرب معناه انها تدفع بالعرب مستقبلا الى استعمال كل الوسائل الممكنة للدفاع عن مقوماتهم وحقوقهم لانه لا يعقل يبقى العرب يتفرجون وهم يهانون كل يوم في الاعلام الغربي وفي الشوارع ويتهمون بالقتل والتخريب بينما يلاحظون كل يوم اسرائيل تقتل وتشرد اخوانهم الفلسطينيين وعندما ترد عليهم التنظيمات الفلسطينية يبدأ الاعلام الغربي ينشر على صفحاته الاولى صورا للقتلى الاسرائيليين وكأن هؤلاء ابرياء لا حول لهم ولا قوة وفي المقابل لا نجد ولا اشارة بسيطة للمجازر التي ترتكبها القوات الاسرائيلية لان ما يقومون به يعتبره الاعلام الغربي مشروعا لانه يدخل في نطاق محاربة ما يسمى بالارهاب الدولي هذه هي الصورة التي تعمل الولايات المتحدة على ترسيخها في العقل الاوروبي وجعلها مسلمة لدى الاجيال القادمة وبذلك تكون اميركا قد دخلت في حرب طويلة المدى مع العالم العربي ولكن بالوسائل الاعلامية والدبلوماسية والخوف كل الخوف ان يأتي يوم تطالب فيه الولايات المتحدة الدول العربية بايقاف تدريس الدين الاسلامي وتغيير مناهج التدريس بجعلها تقترب من المناهج الغربية لكي ينشأ جيلا عربيا يكون برأيها جيل مسالم لا يعرف تاريخه ولا يحمل اي احقاد لاسرائيل. الولايات المتحدة تريد ان تصور للعالم العرب كأعداء وخطر على الامن الدولي والنظام الدولي الذي ترتب له الولايات المتحدة وتريد ان تقوده من دون اي اخطار لكن في اعتقادها ان العرب لم يفهمون رسالتها التي ترغب في ان تعممها على العالم وهي ان على الجميع احترام توجهاتها لان كما يقول الرئيس الاميركي جورج بوش مسئوليات تجاه المجتمع الدولي. فالعرب في وضع صعب للغاية يحتم عليهم الخروج منه منتصرين لان الموضوع لم يعد يتعلق بمصالحهم فقط في العالم الجديد الذي اعقب حوادث 11 سبتمبر بل الموضوع يتعلق بمستقبلهم ومكانتهم لكن المؤشرات الظاهرة في الواقع لا تبشر بان العرب يولون اهمية للمستقبل بدليل انهم لم يستطيعوا الاتفاق على مشروع وحدوي يدافعون من خلاله على وجودهم لاسباب عديدة منها خلافاتهم الناجمة عن حرب الخليج الثانية واختلافهم في تحديد مفهوم واحد للمصلحة فبينما تعتقد بعض الدول العربية انه يتوجب الانحياز الاعمى للولايات المتحدة الاميركية من اجل المحافظة على مصالحهم لان الخروج عن هذه القاعدة يعني بالنسبة اليهم خسارة مكاسب في النظام الدولي الذي تنفرد به الولايات المتحدة بينما تطالب دول عربية اخرى (وهي قليلة) بعدم الانغماس والتقرب اكثر من الولايات المتحدة لان هذه الاخيرة تنحاز لاسرائيل ولا تهمها مصلحة العرب فتضارب المواقف العربية من الولايات المتحدة كان من الاسباب التي سهلت على الادارة الاميركية ان تشتت العرب وتجعلهم غير قادرين على اتخاذ اي موقف موحد وهو ما جعلها تطلق العنان لاسرائيل لتعبث بالفلسطينيين، وتمارس ضدهم البطش والارهاب ولم يتبق للعرب سوى دعم الانتفاضة والتصدي للعنجهية الاسرائيلية وكذا استخدام ورقة المصالح مع اميركا للدفاع عن القضايا العربية. بقلم: د. خير الدين العايب ـ كاتب جزائري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |