الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 وصلت العلاقات العربية ـ الأميركية درجة عالية من التأزم والخطورة، لا سيما أن هذا الأمر لم يعد يقتصر على الخلاف بشأن قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي أو الحرب ضد العراق، مثلا، وإنما بات يشمل السعي الاميركي لإدخال تغييرات على طبيعة الأنظمة السياسية والبنى الثقافية السائدة في المنطقة العربية، بما في ذلك الأنظمة الصديقة لاميركا. والمشكلة بالنسبة للعرب أنهم يدخلون في مواجهة مع اميركا في مرحلة غير مواتية، بالنسبة لهم، على الإطلاق، لأسباب عديدة أهمها: أولا، أن اميركا باتت قوة عظمى وحيدة تهيمن تماما على النظام الدولي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وهي، بعد حدث سبتمبر، لم تعد تولي أهمية لأية اعتبارات أو أولويات تتعلق بالآخرين، إن لم تكن تنسجم مع مصالحها وقيمها، وهذا لا ينطبق فقط على قضايانا وإنما على كل القضايا الكبرى في العالم، والجديد أن اميركا تتجه لفرض رؤيتها الأحادية لصوغ هذا العالم ليس فقط بالوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية والمالية وإنما أيضا بالوسائل العسكرية. ثانيا، أن المجتمع الأميركي، بعد كارثة سبتمبر، بات موحدا تماما خلف إدارته الحالية بمختلف توجهاتها العنصرية والعدوانية المتطرفة، بدعوى الدفاع عن النفس والحرب الوقائية ضد البرابرة والحاسدين! ثالثا، أن الإدارة الأميركية الحالية لم تعد تولي عملية التسوية أهمية تذكر، وحتى أنها لم تعد تهتم بحساسيات أو بمصالح أصدقائها في المنطقة؛ ما يعني انتهاء صلاحية البديهية التي تقول بأن عملية التسوية مصلحة أميركية، لصالح بديهية أخرى تتمثل بأن اميركا قادرة على فرض الترتيبات التي تريدها في المنطقة بغض النظر عن إرادة العرب. رابعا، أن النظام العربي ليس في أحسن حالاته بسبب الخلافات بين دوله وبسبب تهمّش المجتمعات العربية، وهذا الوضع أضعف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل وهو يضعفه في هذه الأزمة مع اميركا، وقد بينت التجربة هشاشة الأوضاع العربية إلى درجة أن وسائل الإعلام الأميركية (والاسرائيلية) باتت تتندر بالحديث عن الأوهام المتعلقة بالشارع العربي لأنه لا يؤثر على السياسات خصوصا وأن غالبية الأنظمة العربية لا تستمد شرعيتها أصلا من هذا الشارع! خامسا، الأنكى من كل ما تقدم أن العرب وجدوا أنفسهم فجأة في قفص الاتهام (دوليا)، بسبب جنسية منفذي هجوم 11 سبتمبر في اميركا، وبسبب رواج نظرية مفادها أن حال التخلف والفساد والاستبداد هي البيئة الخصبة لنمو الإرهاب، وأنه لذلك يجب معالجة هذه التربة. سادسا، ان هذا التأزم في العلاقات مع الإدارة الأميركية يشمل مخاطر حرب مدمرة ضد قطر عربي هو العراق لاسيما أن حربا مثل هذه ستشمل في تداعياتها وتأثيراتها مجمل الخارطة السياسية العربية. سابعا، ان إسرائيل هي المستفيدة من هستريا العداء الأميركي للعالم العربي ـ الإسلامي، ومن تداعيات الحرب على الإرهاب، إن في استفرادها بالشعب الفلسطيني أو في سعيها لتعزيز مكانتها في إطار الاستراتيجية الأميركية إزاء المنطقة، لاسيما أن الأوضاع السائدة شجعت على إعادة الاعتبار لبديهية أن إسرائيل ذخر استراتيجي لاميركا، و«أنه ليس للغرب في الشرق أفضل من الغرب نفسه»، باعتبار أن الدولة العبرية جزء من النسيج الحضاري للغرب في هذه المنطقة. وقد سارع حلفاء إسرائيل إلى ترويج ادّعاءات مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تواجهان عدوا واحدا، هو الإرهاب الذي ينبع من المنظومة الحضارية الإسلامية، وأن مصدر العداء العربي لإسرائيل لا يتأتّى من الاحتلال وإنما من انتمائها للغرب ومن تبنيها لطريقته في العيش التي تتأسّس على الديمقراطية والرفاهية والتكنولوجيا! وأن الدفاع عن إسرائيل وعن مصالحها إنما هو دفاع عن الولايات المتحدة الأميركية وعن قيمها وعن طريقتها في العيش، ضد عالم متخلف حاسد حاقد! ومع أنه لا يمكن الاستهانة بالتحولات التي حصلت في العقلية الأميركية بعد حدث سبتمبر، فإنه من السذاجة تفسير التأزم في العلاقات الأميركية ـ العربية بتداعيات الحرب ضد الإرهاب، فهذا التحول أبكر وأخطر وأعمق من ذلك بكثير، ما يعني أنه لا يمكن التعامل مع نزعة العداء للعرب والتي تنفخ فيها، هذه الأيام، بعض الأوساط الأميركية، بخاصة ضد مصر والسعودية وسورية، إضافة إلى العراق والفلسطينيين، وكأنها ردة فعل عادية على هذه الأحداث. وفي الحقيقة أن هذه الأوساط كانت تشتغل منذ زمن لترسيخ صورة مشوهة سلبية ومؤذية للعرب، وللمسلمين، في المجتمع الأميركي، بتصويرهم على أنهم مجرد جشعين ومتخلفين ومستبدين لا يهمهم سوى الملذّات، في مقابل ترسيخ صورة إيجابية للإسرائيلي الذي يعمل على تخضير الصحراء وتطوير التكنولوجيا وترسيخ الحضارة والحرية في عالم يهدده في وجوده بسبب نمط حياته وقيمه الغربية! وفي هذا السياق، مثلا، فإن تقرير «البنتاغون»، الذي كتبه، مؤخرا، «لوران مورافيك» لمؤسسة راند بإشراف ريتشارد بيرل المشرف على السياسة الدفاعية، والذي عرف المملكة السعودية بوصفها عدوا للولايات المتحدة! ليس الأول من نوعه، إذ أن ريتشارد بيرل، هذا يعتبر من أبرز منظري التيار اليميني المتشدد، وهو الذي وضع لنتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأسبق، في العام 1996، خطة لقيادة إسرائيل، بعنوان: «استراتيجية إسرائيلية للعام 2000». وقد ركّز بيرل فيها على إحياء الصهيونيةّ! وصوغ رؤية جديدة لشراكة اميركية ـ إسرائيلية مرتكزة على المصالح والقيم المشتركة وترك إسرائيل تتدبر شئونها في المنطقة من دون تدخل اميركي. وأكدت الخطة على وجوب عدم خضوع أميركا لمطالب العرب والأخذ بمصالح إسرائيل، لأن البيئة العربية غير مستقرة وفيها عداوات تحول دون قيام شرق أوسط جديد، وتقترح الخطة فرض عملية سلام أساسها القبول غير المشروط من قبل العرب بحقوق إسرائيل! كما طالب بيرل في هذه الخطة بإعادة صوغ خارطة المنطقة للسيطرة على المملكة العربية السعودية وعلى النفط العربي. وحتى أن جيمس ايكنز وهو السفير الأميركي الأسبق، في المملكة العربية السعودية، كان نشر مقالا في «الواشنطن بوست»، يوم 1291990، دعا فيه إلى تدويل النفط والسيطرة عليه بعد أن تتم الإطاحة بصدام حسين، بغض النظر عن رضى السعودية، وذكر ايكنز في مقاله بالفكرة التي راودت بعض الأوساط الأميركية، في أواسط السبعينيات، بشأن تشكيل قوات تدخل سريع للاستيلاء على آبار النفط، ودعا ايكنز في مقاله إلى تطبيق هذا السيناريو وتطويره من خلال قيام الولايات المتحدة باقتطاع رسوم إدارة بواقع 10 دولارات عن كل برميل نفط تاركة للحكومة السعودية مبلغا سخيا(!) يبلغ 8 دولارات لكل برميل (سعر برميل النفط آنذاك20 دولارا). وتفاخر ايكنز في مقاله قائلا: «لم يحدث قط أن أدى أي غزو إلى تحقيق مثل هذه النتائج العظيمة لصاحبه إلا غزو إسبانيا للعالم الجديد(!)» واعتبر ايكنز اقتراحه تدويل النفط العربي بمثابة «تصحيح لأحد أخطاء القدر الذي لا يمكن تغييره والمتمثل في وضع هذه الموارد القيمة في مكان لا يستحقها»! عموما فقد استحضر «زلزال» سبتمبر 2001، دفعة واحدة، النظريات الاستعلائية والإمبريالية، التي صاغتها العقول الإمبريالية والعنصرية الأميركية ومراكز الأبحاث المرتبطة بإسرائيل، والتي كانت حبيسة المكاتب، من مثل نظريات: «قوس الأزمات» لبريجنسكي التي يدعو فيها إلى السيطرة على العالم الإسلامي بالنظر لموقعه الجغراسي والاستراتيجي ولاحتوائه على أكبر مخزون من النفط والغاز في العالم؛ والتي حذر فيها الغرب، قبل عقد من الزمن، من خطر العالم الإسلامي ومن مخاطر تقرّبه مع الحضارات الأخرى (الشرقية) ونظرية المستشرق برنارد لويس التي يدعو فيها بصراحة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة، بحيث تحتل فيه إسرائيل مكانة متميزة وتتمكن فيه الولايات المتحدة من ترسيخ سيطرتها؛ وأطروحة صموئيل هنتنغتون عن «صراع الحضارات»، التي قدمها في أوائل التسعينيات، على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق)، والتي اعتبرت إلى حد ما بمثابة ايديولوجية للتيار المعادي للعرب والمسلمين الذي بدا متحررا من التزامات الحرب الباردة التي استدعت استخدام الدول الإسلامية لمواجهة ما سمي في حينه «الخطر الشيوعي». وكلها نظريات تؤكد ان الغرب والشرق لا يلتقيان وأن العدو الجديد للغرب، بعد انهيار الشيوعية، بات يتمثل بخطر الأصولية الإسلامية، وهكذا تم تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار أو إلى دول خيرة ودول مارقة! وقد نشر اليكس فيشمان تقريرا في يديعوت أحرونوت، يوم 69، تحدث فيه عن انقلاب السياسة الأميركية ضد العرب، وبحسب فيشمان فإن «اللاعبين الأساسيين في هذا الانقلاب هم نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد، ولكن الشرح الأيديولوجي يقوم به ثلاثة أشخاص: نائب وزير الدفاع بول فولفوبيتش، ونائبه دوغلاس فايت، وريتشارد بيرل (راعي تقرير البنتاغون) هذه المجموعة ترى في تغيير الأنظمة هدفا استراتيجيا، ومنطق هذه الاستراتيجية أن «القاعدة» تنمو من خلال أجهزة التعليم والأنظمة الاجتماعية والسلطوية، المتبعة في السعودية ومصر والعراق.. الهدف هو: تغيير في الخارطة السياسية بوسائل عسكرية!» والمشكلة أن الأوساط العربية المعنية كانت، على الأغلب، تتجاهل أو تقلّل من أهمية هذه النزعات المعادية للعرب، ومن الجهد المنظم الذي يقف خلفها، برغم من مظاهرها التي كانت واضحة في السياسة كما في الاقتصاد وصولا لوسائل الإعلام والأفلام والبرامج التلفزيونية. يضاف إلى ذلك الإخفاق المريع في التعامل مع السياسة الأميركية والإدراك القاصر لمكونات الثقافة الأميركية ولآليات عمل النظام السياسي الأميركي ومؤثرات صنع القرار فيه، وعدم فهم أبعاد العلاقة الفريدة التي تربط الولايات المتحدة الأميركية بإسرائيل بمدخلاتها المختلفة. والمشكلة أن هذا القصور في الإدراك والممارسة السياسيين انبنت عليه تقديرات خاطئة مفادها أنه من الممكن منافسة إسرائيل، لدى الإدارة الأميركية، بإقناعها بأن مصالحها تكمن في الوقوف مع العرب، من دون استخدام هذه المصالح كورقة سياسية فاعلة؛ أو عن طريق اللقاءات المستمرة مع رئيسها من دون الاهتمام إلى أن السياسة الأميركية تصنع في المجتمع وعبر المؤسسات وليس في أروقة البيت الأبيض، لوحده؛ وكذلك من خلال تقديم التنازلات: السياسية والاقتصادية والأمنية أمام الاملاءات الأميركية من دون الانتباه إلى أن ذلك قد يأتي بنتيجة عكسية؛ أو عن طريق بذل بعض الأموال هنا أو هناك على شكل تغطية حملات إعلامية أو بإقامة مؤسسات معينة من دون أن يترافق ذلك مع أسس سياسية منهجية متفق عليها. وللأسف فإن السياسة العربية مازالت رهينة هذه العقلية المزاجية البسيطة، فهذه السياسة مازالت بعيدة عن فهم آليات عمل النظام السياسي الأميركي وعن التعاطي مع اميركا بصورة مركبة تقوم على المبادئ والمصالح المتبادلة وإدراك دور الفاعلين السياسيين وتفاعلات البيئات السياسية والاقتصادية والثقافية: الرسمية والمجتمعية، فكل هذه الأمور لم تشق طريقها، بعد، بالشكل المناسب على صعيد الوعي والممارسة السياسيين في العالم العربي. المهم أن العرب يواجهون اليوم تحديا صعبا وفريدا من نوعه، ومن الصعب، بالطبع، المراهنة على نجاح العرب في تفويت استهدافات هذا التحدي، من دون وعي العرب لذاتهم وتحريرهم لإرادتهم وتعريفهم لمصالحهم. بقلم: ماجد كيالي ـ كاتب فلسطيني الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |