الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 لم تعد الاستراتيجية الاميركية تخفي نياتها التي تستهدف تغيير البلاد العربية، انظمة، ودولاً، ومجتمعات، فالصراع اصبح اكثر عمقاً، وابعد هدفاً، فالعرب امام واقع جديد تماماً، والخطر الداهم، لم يعد مقتصراً على بلد عربي بعينه، فقد اسقطت الادارة الاميركية من حساباتها كل صداقاتها مع بعض الدول العربية ووضعت الجميع في ركن ساخن واحد. فليس في الاعتقاد ان الواقع العربي الراهن «والمواجهة الاميركية» يخفي في الحقيقة اكثر مما يبدي، فكل شيء واضح ومعلوم للخاصة والعامة ربما كانت هناك اشياء ثانوية وصغيرة، تدار في الخفاء ويتم ترتيبها بعيداً عن الانظار، إلا ان الصورة الكاملة للحقيقة واضحة بكل ابعادها، ومشهدها يكاد يغطي افق الوطن العربي كله، ويجعل الانسان العادي في هذا الوطن الممتد من المحيط الى الخليج يرى كل الاشياء بعينه المجردة، وبعقله المحدود الادراك والفهم. فمازالت الدول العربية تردد عبارات اليأس بسبب عدم قدرتها على رد فعل قوي يتناسب مع الاحداث الصعبة والحرجة التي تمر على الوطن العربي، إلا ان تفاؤل الرؤية في التدفق العاطفي المشحون بالغيرة ومشاعر المصير المشترك والاخوة لم يترك مجالاً للتشكك في بعض من الاحيان بحيوية الامة وبنبضها العام الذي يجمع الناس في النهاية حول رؤية مشتركة. ويؤيد ايقاع تطورات الايام الاخيرة، ان الولايات المتحدة تسعى للقيام بخطوات يقرأ من خلالها جيدا، ما يدبر للمنطقة بعد ان انتقلت الاولوية في السياسة الاميركية، والمتفق عليها مع حكومة شارون للتهيئة لاحداث تغييرات في المنطقة العربية عموما، والاتجاه السائد ان تنشأ اوضاع غربية قابلة للصهينة ليس على المستوى السياسي، كالاعتراف بالدولة العبرية وتوقيع اتفاقات سلام، فحسب، وانما ايضا القبول بالهيمنة الصهيونية وفتح كل الابواب الداخلية، الاجهزة، الاقتصاد، التعليم والثقافة، الاعلام، لتغلغل النفوذ الصهيوني، وهذا هو المعنى الذي يتضمنه شعار «الحاجة الى تغيير الدول والمجتمعات العربية»، وتحقيق ذلك من خلال مشروع تجزئة جديد لدول المنطقة تحت ما يسمى «سايكس بيكو 2»، أو منطقة الفسيفساء «الموزاييك» وهو مشروع قديم كامن في ادراج المخططات الصهيونية ينتظر التنفيذ، فلم يعد الشعب الفلسطيني وحده المستهدف حاضراً ومستقبلاً، والجعبة الاميركية مليئة بالحقد لكل ما هو عربي، ووسائل الاعلام الاميركية خندقت العرب جميعاً في دائرة الشبهة والاتهام والعداء واذا تم الربط بين ما يجري على الساحة الفلسطينية وبين الاستعدادات العسكرية المحمومة لغزو العراق «لاسمح الله» من اجل تدميره وتقطيع اوصاله، فإنه يتردد في الدوائر والكواليس الاميركية الرسمية وغير الرسمية خطط لاعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط سياسيا وجغرافياً وبما يتلاءم مع الاستراتيجية الاميركية «الاسرائيلية». ويبدو ان نذر الحرب تقترب من سماء المنطقة، وطبول الحرب تقرع على مدار الساعة، وكل مواطن في هذه الارض، يعاني من شعور حاد بالقلق تجاه كل شيء يحدث أو يقال حول التهديدات المتلاحقة، بضرب العراق، والملاحظ ان التهديدات بدأت تدخل في طورها العملي وتتحول الى منطق الفعل ليس فقط من قبل الولايات المتحدة وانما من بعض الدول المجاورة للعراق، تركيا على وجه الخصوص بدأت تطالب بنصيبها من الغنيمة العربية عبر دعاوى لم تكن متوقعة من بلد اسلامي مجاور، وربما يتلوها دعاوى مماثلة بمناطق عربية اخرى وهو الامر الذي يضع كل انسان عربي مسئولا كان أو غير مسئول حاكما أو محكوماً تجاه مسئوليته الوطنية والعربية، لاسيما وان الدائرة قد تتسع اكثر واكثر عند الاخذ في الاعتبار التهديدات التي تطلقها الادارة الاميركية سواء كان الهدف منها ابتزاز بعض الدول «مصر والسعودية» أو جرها الى مواجهات عسكرية «سوريا ولبنان» والواضح ان مجتمعات تلك الدول مستهدفة ايضا وليست الادارات السياسية فقط، الامر الذي يقضي باجراء عمليات في الصميم للنظام والدولة ومختلف مؤسسات المجتمع بما في ذلك الاماكن الدينية والثقافية العامة وتعظيم دور المنظمات غير الحكومية الموالية للغرب، فتقارير البنتاغون اعتبرت ان السعودية «عدواً استراتيجياً لاميركا» تبعه تقديم قضية امام المحاكم تطالب بتعويضات لاهالي ضحايا هجمات 11 سبتمبر وذلك بهدف نهب الثروات السعودية ورهن النفط بالكامل لسنوات طويلة فيما تحاول الادارة الاميركية التنصل من مسئولية التقارير وقبل ذلك من الحملات الاعلامية التي صوبت نحو السعودية، ولكن من يربط كل ذلك بتوجهات الاستراتيجية الاميركية المعلنة يدرك تماماً ان الادارة الاميركية وراء الحملة، مهما حاولت التنصل، الامر الذي يعني ان السعودية قد وضعت في المسار، والامر نفسه في تحريك قرار في الكونغرس ضد سوريا، عرف بما اسموه «محاسبة سوريا»، اما تداعياته او تطبيقاته فستكون بالنتيجة بمثابة اعلان الحرب او اعطاء الضوء الاخضر للجيش الصهيوني ليقوم بالمهمة ضد لبنان وسوريا وهنا ايضا لا تستطيع الادارة الاميركية، مهما انكرت، فإن لها دوراً في تحريك مشروع القرار المذكور ثم يأتي قرار الرئيس الاميركي لوقف المساعدات الاضافية عن مصر متناغما مع الحملة الاعلامية الشرسة التي شنت ضدها بخصوص حكم قضائي داخلي، ومحاولتها الضغط من خلال العديد من السيناريوهات الجاهزة، قبلاً، من قبيل تحريك ملف الانفصال في جنوب السودان لتهديد امن مصر المائي والغذائي وان مجمل التوجهات الاميركية ازاء دول المنطقة تنبع من استراتيجية واحدة هدفها المباشر خدمة التحضير لضرب العراق، اما هدفها غير المباشر فالتهيئة للالتفاف لمهاجمة الوضع العربي كله بعد انجاز المهمة العراقية، لنهب ثرواته واستنزاف خيراته لتصب في نهاية المطاف في الخزانة الاميركية الخاوية على عروشها. والواقع ان الموقف الاميركي تجاه المنطقة العربية ليس مجرد ابتزاز واستفزاز محدد بل يلاحظ انه توجه نحو اعلان العداء السافر والصريح للعرب، وتطورات كهذه تستدعي بالتأكيد عدم التساهل مع الموقف او الانتظار او مجرد حالة عابرة، بل انها وفقاً لمفاهيم ومعتقدات القائمين على الادارة الاميركية وراسمي سياساتها مواقف محددة ومقصودة تستهدف ارهاب الدول العربية وارغامها بما تقرره الادارة الاميركية، التي نصبت من رئيسها الحاكم المطلق لهذا الكوكب، فتارة يطلقون ادعاءاتهم بوصم الدول بالارهاب، لذلك واجب الادارة الاميركية حماية العالم من دمار يشمل البشرية ويهدم الحضارة الانسانية وتارة ترتدي هذه الادارة قناع الحمل الوديع وتلبس حلة الدفاع عن الشعوب المقهورة، انها حقا لمسرحية هزلية اجاد حبكتها اللوبي الصهيوني في دهاليز البيت الابيض والبنتاغون، لاسيما بعدما فضح مجرمو الحرب في الكيان الصهيوني انفسهم مجددا بالقول ان «اسرائيل» ستكون المستفيد الاكبر من مجريات الامور القادمة في المنطقة العربية، بل ان هؤلاء يواصلون النفخ اليومي تحريضا على تسريع العدوان ضد الدول العربية والتحضير للمشاركة فيه. ولان لا شيء يتم بالمصادفة في لعبة الامم السياسية، فان المسئولية السياسية لا تتعلق بالنيات بقدر ما تتعلق بالنتيجة الواقعية لها، وبالطريقة التي تقاد بها الامور، فعمليا تخطئ الادارة الاميركية اذا هي تصورت ان العرب بشكل عام حكومات وشعوبا لا يرون التناقضات والانحيازات والخيارات المغلوطة التي اتخذتها الولايات المتحدة، ولا تزال في تعاملها مع الدول العربية والتأثيرات السلبية لسياسة الكيل بمكيالين، فالواقع ان الدول العربية في معظمها بلغت سن الرشد السياسي وعليها ان تدرك ان ما يمكن ان تحشده من قوى مؤثرة سياسيا واقتصاديا بل وعسكريا لاصلاح الخلل في موازين القوى الاستراتيجية يظل هدفا ينبغي ان تسعى اليه، والدول العربية تستطيع ان تؤثر على المصالح الاميركية بشدة، لكن الواقع يؤكد صعوبة استخدام وسائل حقيقية للضغط على اميركا لتعدل موقفها تجاه الدول العربية بسبب اختلاف مصالح وشبكات علاقات واشنطن مع كل دولة عربية، لذلك لابد ان يكون هناك موقف عربي يحفظ المصالح العربية، واميركا كما هو معلوم للجميع لا تحترم الا لغة المصالح التي تهمها ولا تهتم بالقيم والمباديء، والفكرة الجوهرية التي قد تجب مناقشتها هناك ان جملة «محاربة الارهاب الدولي» التي تشنها ادارة بوش على المنطقة العربية لا تحمل في طياتها نواة سلام شامل ودائم في منطقة الشرق الاوسط ولن تحقق في النهاية الاستقرار والتنمية بل ستجعل منها بؤرة نزاعات اقليمية ودولية يمكن ان تهدد الامن والسلام في العالم كله، لذلك بدأت تظهر في الاوساط السياسية في الولايات المتحدة نفسها وفي دول اخرى من العالم، قوى غير منحازة بالكامل الى المشروع الصهيوني، وهي تحذر من مخاطر سياسة بوش الهوجاء، ليس على العراق وحده بل على المنطقة العربية بكاملها، وعلى الامن والاستقرار والسلام في العالم، لقد بات الرأي العام العالمي على قناعة تامة بأن حرب بوش على بلد عربي لن يستبيح الحدود الجغرافية لهذا البلد ومعه جميع الحدود الجغرافية العربية فحسب، بل تشكل سابقة خطيرة لاستباحة حدود أية دولة في العالم تحت ذريعة مكافحة الارهاب الدولي. لذلك فان الاوضاع الراهنة في المنطقة العربية خصوصا المتصلة بعلاقاتها بالولايات المتحدة، تحتاج إلى اعادة تقييم، صحيح انه لا توجد سياسة عربية موحدة تجاه الولايات المتحدة، لكن صحيح ايضا ان معظم الحكومات العربية ـ رغم اختلافها ـ تشكل هدفا للهيمنة الاميركية، حيث ان بعض الدول العربية متهم برعاية الارهاب، ودول ثانية متهمة بتطوير اسلحة الدمار الشامل، واخيرا دول ثالثة متهمة بعدم التعاون مع الولايات المتحدة، من هنا لابد من اللجوء للخيارات المتاحة للدول العربية لمواجهة سياسة الولايات المتحدة التوسعية في المنطقة، لا سيما والمنطق يفرض ان امكانية الصراع المباشر غير واردة بسبب اختلال موازين القوى كما ان خيار الخضوع امر غير معقول بل ومرفوض وبالتالي فخيار التواصل السياسي قد يكون هو الممكن، لذلك فالدول العربية يمكن ان تفتح حوارا مع الولايات المتحدة، وذلك المطلب لايصال رسالة محددة مفادها ان العرب يتفهمون الموقع المتفرد للولايات المتحدة على الخارطة السياسية الدولية، وان امكانية التعاون لتحقيق مصالح مشتركة وبشكل متوازن وغير مبني على انحياز او على حساب تحقيق مصالح ذاتية معينة وفي المقابل على الولايات المتحدة ان تتعامل مع أهل المنطقة العربية كشعوب واصحاب حضارة وتاريخ اسهموا في تطور الانسانية ولا يمكن اخضاعهم او التعامل معهم بالاساليب البربرية، علاوة على ذلك تأتي اهمية تفعيل العمل العربي المشترك عبر الاطر السياسية القائمة، وايضا لمواجهة التحيز الاميركي لـ «اسرائيل»، ان اهم اسباب الخلاف مع الولايات المتحدة هو موقفها الداعم ـ اقتصاديا وعسكريا ـ لـ «اسرائيل» الامر الذي يدفع الصهاينة الى التعنت ورفض كل المبادرات لمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، وعليه فان الحاجة الى صنع سياسة عربية جديدة تجاه الولايات المتحدة باتت مسألة ملحة، والمسألة لم تعد قابلة للتأخير او المماطلة، وليس صحيحا القول ان العرب لا يملكون اسسا للتأثير في السياسة الاميركية، بل الصحيح انهم لا يملكون ارادة التأثير ويفتقدون الرغبة في الفعل الخلاق، وكما ان الولايات المتحدة تتجاهل المصالح العربية عن عمد وقصد، يمكن للعرب ان يتجاهلوا مصالحها ايضا، فذلك التعاون غير المسبوق الذي يلتزم به العالم العربي في مجال تقديم المعلومات لمساعدة الاجهزة الاميركية في حربها ضد ما يسمى بالارهاب الدولي يمكن ان يكون مدخلا لاعادة صياغة السياسات العربية تجاه واشنطن فمن غير المعقول في عالم لا يعترف الا بالمقايضات وسياسات الاخذ والعطاء ان يكون العرب دائما في موقف المانح والمساند لمصالح الاخرين بلا مقابل، بل ان المقابل هو الاعتداء على شعوبه وامنه وحصاره وتجويعه، فالعرب بحاجة الى حكومات تعرف كيف تحافظ على كرامة شعوبها اولا واخيرا، وعندها سوف يقتنع الاخرون لا سيما الولايات المتحدة، بحقنا في حماية مصالحنا والتعامل معنا من موقع الاحترام والتقدير الواجب ومن دون ذلك فسلام على فلسطين وعلى عروبتنا واسلامنا. بقلم: نوار القيسي ـ كاتبة عراقية الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |