جاء ابن صديقي يجادل أباه حول الآثار العميقة التي خلفتها كوارث سبتمبر في الضمير الاميركي، قائلاً: ان كل ما سمعتكم تقولونه في الاوساط العربية والاسلامية يدل على انكم لم تدركوا الا حد الظاهر فقط من تلك الآثار، اما الآثار العميقة لذلك الزلزال فقد ندّ امرها عنكم جميعاً. الفتى الذي فاه بذلك يتخصص في علم النفس باحدى الجامعات الاميركية، وهو بحكم مولده بأميركا، ومعرفته الوثيقة بالاوساط المختلفة وتداوله الرأي معها استطاع ان يدرك أبعاد الزلزال العميقة، ولذلك خاطب أباه قائلا: مالم تحدث معجزة خارقة تلجم تلك الاثار والتداعيات فان الوسط الأميركي برمته سيتسمم بأجواء العداء، ولذلك فانني أنا الأميركي الصميم عن طريق المولد لن أمكث بقية حياتي بأرضها ولن أنشيء أسرة الا في خارج هذه الديار. ان ما قاله الفتى ربما لم يكن صحيحا على علاته، ولكنه صحيح في جملته وعمومياته، وآية ذلك ان شعور الأميركان بالصدمة ـ لا الدهشة فقط ـ لما جرى في الحادي عشر من سبتمبر في العام الماضي لا يزال في تصاعد حتى الآن، اذ لا يكاد احد منهم يصدق ان ما جرى قد جرى فعلا، ولم يكن اضغاث احلام، وان البرجين التوأمين قد هويا فعلا وأصبحا ركاما فوق الرغام. وفي ذلك حدثني صديق قائلا: ما عسى ان يفعل الأميركان في احياء الذكرى الأولى لحوادث سبتمبر وهم لم ينسوها ولو للحظة من ليل أو نهار، فهي الكابوس الدائم الذي لم يفارق عقلهم الغافي او اليقظان، وتلك ملاحظة صائبة فهم يذكرون حوادث سبتمبر لا عن نسيان، ويذكرونها احيانا وكأنها لم تقع، ويذكرونها احيانا وكأنها وقعت بالأمس فقط وكل ذلك من اثر الصدمة التي خالطتهم في الاعماق، وهي الصدمة التي يستثمرها غلاة الجمهوريين وغلاة اليمين الديني استثمارها الى اقصى حد. ان اليمين الديني الاميركي مغرم بالمتاجرة بالصلاة ويعمل جاهدا على زجها في الاطار المدني العام ولذلك فقد تصدرت الصلاة برنامج احياء الذكرى الأولى للكارثة، وتم تحديد ثلاثة ايام للصلاة المتواصلة تسبق استهلال الذكرى، وذلك سعياً لطبع موسم الذكرى بالطابع الديني الروحي، تم ذلك بالرغم من الاعتراضات المتواصلة لليبراليين، والتحفظات التي ابداها بعض المسلمين الذين لا اعتراض لهم على الصلوات وانما على استغلالها في الدين والترويج لخصام الاديان والثقافات والحضارات، واما المراقبون المحايدون فقد آثروا ان يرسلوا امانيهم ورجاءاتهم بأن تبقى الصلاة ملاذا للسلوان، لا باعثا لتجدد الاحزان ولا مثيرا لنزعات التوتر والهيجان، وبالطبع فذلك شأن يصعب تحديد مساراته وتقدير مآلاته، كما انه شأن مستجد في الاطار السياسي الاميركي، وكان سيجد كثيرا من الشجب والاستنكار، لولا ان حادثة سبتمبر نفسها كانت حادثة فذة مفردة لا مثيل لها في سياق التاريخ الاميركي قط، ولذلك جاز ان تستحدث لها مواسم خاصة للقنوت والدعاء. غلو المشاعر الوطنية وكما تصاعد المد الديني فقد تصاعد المد الوطني كذلك في الذكرى الاولى للحادي عشر من سبتمبر، في محاولة لتوحيد الامة في مواجهة الخطر وتنبيهها لليقظة من الغفوة الطويلة ولم يكن الاميركيون من قبل يأبهون كثيرا بعلم بلادهم بل لا يمانعون من ان يقوم البعض بحرقه، وكانت اعلام الاندية الرياضية لا سيما في ايام المنافسات الحادة في مباريات كرة اليد، تبدو وكأنها اهم لحامليها من علم الولايات المتحدة الاميركية، ولكن الاعلام القومية غدت خلال هذا الاسبوع ترفرف في كل مكان في الشوارع، والجسور، وعلى نوافذ السيارات وواجهات المحلات العامة، ويغالي غير الاميركيين، او المتأمركين حديثا في ادعاء الوطنية اكثر من غيرهم بدليل ان اكثر من يشهرون الاعلام هم ممن تحتويهم تلك الطائفة، وأحد هؤلاء ـ وهو فنان من اصل صيني ـ صنع علما بطول خمسة اميال على سواحل كاليفورنيا وقد زعم ان حوادث سبتمبر ايقظت فيه مشاعره الوطنية الحقيقية، وأقنعته بأن سان فرانسسكو وليس بكين هي وطنه الأم، وفجرت مواهبه الفنية لانجاز هذا العلم الفريد الذي يأمل ان يراه الاميركيون جميعا وان يؤدي الى تفريغ مشاعر الحزن والمرارة التي استكنت في دواخلهم طوال العالم الماضي. لو كان ذلك هو المرام الحق من تعالي النعرات الوطنية فهو شأن لا بأس به، انما المحذور هو ان ينفرط الشعور القومي في حملات تمييز واضطهاد للآخرين المتحدرين من الاصول العربية والشرق اوسطية، وهذا ما انبرت للتحذير منه خمس من جمعيات حقوق الانسان ومناهضة التفرقة على اساس اللغة والعرق والدين قامت بتوجيه اجهزة الامن الى التحسب من تصاعد الاعتداءات على العرب والمسلمين وقال قائل منهم اننا ونحن نحتفل بذكرى ضحايا سبتمبر ينبغي ألا نضيف الى عدد أولئك الضحايا أعدادا جديدة بما نرتكبه من حماقات في حق الابرياء الذين تصادف انهم يشاركون المعتدين في العرق واللغة والدين، وقد عانى هؤلاء الابرياء بما فيه الكفاية طوال العام الماضي من تحيز وسائل الإعلام وتحريضها ضدهم الأمر الذي أدى بنسبة كبيرة منهم الى ان تتعرض الى التمييز والاعتداء من قبل الرعاع. ويزمع دعاة السلام وحقوق الانسان ومناهضو التفرقة ان يشيعوا مفاهيمهم تلك خلال الاحتفالات التي تعم القطر بأكمله وذلك من أجل استخدام تلك الذكرى على سبيل العظة والعبرة والدعوة الى العدل ووقف الحرب والممارسات الخاطئة للسياسة الخارجية الأميركية لاسيما في موضوع أفغانستان والعراق وفلسطين. وقد شارك قطاع واسع من أسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر دعاة السلام في ذلك المسعى، حيث حذر كيلي كامبيل المدير المساعد لمنظمة «سلام الغد» من ان تستخدم هذه الذكرى لفتح جبهات جديدة للحروب وممارسة العنف. وقررت ادارة المنظمة ترتيب رحلة لأسر الضحايا تطوف المدن الأميركية المختلفة لتهدئة الناس ودعوتهم الى انهاء مشاعر الكراهية وايقاف حركات الانتقام من الابرياء، وكان مثيراً جداً ان أبدى بعض أعضاء تلك المنظمة تعاطفهم مع ضحايا القصف الأميركي لافغانستان، كما زار بعضهم افغانستان ليقفوا بأنفسهم على آثار تلك التجاوزات، وعادوا يحذرون من ان تؤدي تلك التجاوزات الى تكرار حوادث سبتمبر في شكل جديد في اميركا لأن الاعتداء يجر الى الانتقام والانتقام يجر الى الانتقام المضاد. الى متى الانكار؟ لقد بدا أنصار السلام بالرغم من ان بعضهم ممن أضير بشكل مباشر بحوادث 11 سبتمبر الارهابية، أكثر تفهما لوقائع الأمور من كثير ممن لم يضاروا بها من اقطاب اليمين الديني الذي لم يفارق أسلوبه التهريجي في استغلال الدين، واستثمار الاحداث بما يكسبه مزيدا من الشعبية، ويمكنه من تحقيق أهدافه في بسط سيطرته على العالم. وبسبب من سيطرة هؤلاء، بالاضافة الى اقطاب اللوبي الصهيوني على منافذ الميديا الاميركية فقد أغفلت تماماً في كل الكتابات والاحاديث الاحتفائية بذكرى سبتمبر الاشارة الى اسباب تلك الكارثة، مع الاسراف في الحديث عن آثارها الوبيلة الظاهر منها والمستخفي، ومع استحكام الشعور بالصدمة وسيطرته على غالب قطاعات الرأي العام الاميركي كان طبيعيا ان تقل الدراسات الموضوعية في مجال تحليل اسباب حوادث سبتمبر. لقد اتيح لي ان اطلع تفصيليا او بشكل عام على معظم الكتب التي صدرت خلال العام الماضي، او قل الاشهر الاخيرة من العام الماضي عن كارثة سبتمبر وقلما رأيت من اعتنى من مؤلفي تلك الكتب بالغوص في جذور الاحداث وبالطبع فلا يمكن الزعم بأن مؤلفي الكتب كانوا من ضمن الصرعى او المصابين بالصدمة العامة، ولكنهم في غالبيتهم كانوا يتملقون الرأي العام ولا يصارحونه بما لا يحب او ما لا يجوز ان يعرفه وهو ما برز لحسن الحظ وللدهشة البالغة في نتائج استطلاعين للرأي العام الاوروبي والاميركي والكندي اجريا بمناسبة الذكرى الاولى لحوادث سبتمبر. اشرفت على الاستطلاع الأول مؤسسة مارشال الالمانية الاميركية بالتضامن مع مجلس العلاقات الخارجية بشيكاغو وقد شمل الاستطلاع عينة كبيرة نسبيا تضمنت تسعة آلاف شخص ابان 55% من الاوروبيين منهم عن اعتقادهم بان الولايات المتحدة مسئولة جزئيا عما حل بها في سبتمبر من اعتداء وارجعوا السبب الى اسلوب تصميم السياسة الخارجية الاميركية واتخاذها لمواقف بعيدة عن النزاهة او التوازن وكانت اعلى نسبة لمن يحملون ذلك الاعتقاد قد جاءت من فرنسا حيث بلغت نسبة من يدينون بذلك الرأي حدود 63% وجاءت اقل النسب من ايطاليا حيث بلغت حدود 61% من عدد من اجابوا عن اسئلة الاستطلاع. واما الاستطلاع الثاني فقد اشرفت عليه شبكة تلفزة C.T.V الكندية وشمل قطاعا كبيرا من المستطلعين كانت نسبة من اشاروا الى مسئولية السياسة الخارجية الاميركية عن حوادث سبتمبر اكبر من نسبة المستطلعين الاوروبيين اذ بلغت حدود 69% وهي نسبة مدهشة بكل المقاييس اذ كيف يصل الكنديون وهم على مشارف اميركا الى ذلك المستوى التحليلي الذي لم يدركه اصحاب الشأن وهم على الحدود! وفي اسبوع احياء الذكرى الاولى لحوادث سبتمبر صدر اهم الكتب التحليلية لتلك الكارثة من تأليف ستيلا رمنجتون التي كانت تتولى مهمة رئاسة جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية، كانت افادته العلمية المستندة الى خبرة عملية طويلة افادة شبيهه بافادات اجهزة استطلاع الرأي العام، اذ ذكرت الامنية البريطانية البارزة ان مجموعة هجمات القاعدة على الرموز الاميركية منذ 1993 كانت اشارات كافية لتنبيه صناع قرارات السياسة الخارجية بخطأ ممارساتهم واذ لم ينتبهوا عند الهجوم الذي طال البرجين في ذلك العام فقد كان كافيا ان يتنبهوا عندما تفجرت السفارتان الاميركيتان بكينيا وتنزانيا، او عندما هوجمت المدمرة كول باليمن، ولم يكن مبرراً ان يستمروا في سياساتهم تلك حتى 11 سبتمبر 2001 والاصرار عليها حتى بعد ذلك التاريخ. هكذا يتلقى الأميركان عظة الحادي عشر من سبتمبر من الخارج، ويأبى عليهم كبرياؤهم ان يقروا بخطأ او تجاوز او ذنب وليس من المنظور ان يتمكن الأميركان من خلال احياء الذكرى الاولى للاحداث من استخراج كل دلالاتها، فهم من ناحية مازالوا اسرى صدمة ودهشة اليوم الاول، ومن ناحية ثانية فإن الميديا التي تطبق على الوعي الاميركي ليس من مصلحة من هم وراءها ان يفتحوا للتحليل والتذكار والاعتبار وفي ظلال حالات الصدمة والغفلة والانكار يحذر المراقبون ان تسود النظرة القاصرة الى الامور أو تتعالى عنها المشاعر العصبية الداعية للانتقام وهي المشاعر التي يخشى ان يتأذى منها عرب ومسلمو أميركا، كما يخشى ان تكون دافعاً لحركة الانتقام الكبرى الرامية الى رد هيبة حكم الجمهوريين بضرب العراق. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة