بعد مرور عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والتي تتمثل بالهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك وتدميرهما ومقر وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن، يتأكد اعتبار ذلك من الأحداث الكبرى في التاريخ البشري، فالعالم، باختصار، قبل هذه الاحداث، هو غيره بعدها . واقع الأمر، قد لا يرى كثيرون أن تداعيات ونتائج الحادي عشر من سبتمبر، فيها ما يعبر عن عالم ما قبل وعالم ما بعد، وأن ردود الفعل على الأحداث ونتائجها ما هي الا استمرار لنفس النهج الاستعلائي الأميركي الغربي على كثير من شعوب العالم الثالث، وفي مقدمتها الشعوب العربية والاسلامية . وهنا يمكن أن نشير الى مقولتين مختلفتين، وان كانتا متداخلتين، للتعبير عما جرى، الأولى أن 11 سبتمبر هو تعبير عن لحظة زمنية فارقة، والثانية أن ما جرى في ذلك التاريخ هو مجرد لحظة كاشفة . واذا كانت اللحظة الفارقة واضحة في معناها، بمعنى فاصلة بين ما قبلها وما بعدها، فان اللحظة الكاشفة يعني بها التخلص من الرتوش الشكلية ومن ثم الكشف عن الجوهر الخالص، تماما كالجدار أو البناء المدهون بألوان زاهية، وفي لحظة ما تتداعى هذه الألوان والرتوش أو أجزاء منها، ويتكشف الجوهر بثغراته الحقيقية التي كانت مخبأة من قبل وراء تلك السحب الزائفة من الألوان البراقة. ان التحولات التي يمكن ملاحظتها بعد الحادي عشر من سبتمبر كثيرة، فلقد أطلقت الأحداث ما يمكن وصفه بتيار أميركي جديد في السياسة الدولية يعبر عن رغبة عارمة في التدخل تتسم بعدوانية وعنجهية غير مسبوقة في التاريخ الحديث. والتدخل المباشر أو غير المباشر من قبل القوى في شئون الضعفاء أمر معروف على مر التاريخ، ولكنه في هذه المرة، وأخذا في الاعتبار حقائق التنظيم الدولي المعاصر، يختلط بأمر أخر يضفى عليه المزيد من التفرد. هذا الأمر الآخر هو النزعة الامبراطورية التي باتت تهيمن على السلوك الأميركي في ظل الادارة الجمهورية تجاه الغير، بما في ذلك الحلفاء أنفسهم . هذه النزعة الامبراطورية الأميركية، وان كانت تذكر بسلوك الامبراطوريات القديمة في الهيمنة على مقدرات الشعوب الأخرى واستنزاف ثرواتهم واحتلال أراضيهم والتحكم في مصائرهم، فان الحالة الأميركية، والتي نظرت لها مراكز بحوث تابعة أو قريبة من الحزب الجمهوري، تعيد طرح المفهوم الامبراطوري التاريخي التقليدي، ولكن بما يتوافق مع روح العصر القائم على تقنيات الاتصال والحريات والتأثيرات المتبادلة والمفترضة بين المجتمعات بعضها البعض، واستنادا الى حقيقة أن الولايات المتحدة هي القوة الأكبر اقتصاديا وعسكريا وتقنيا في العالم المعاصر . بيد أن جوهر الفعل الامبراطوري يظل هو نفسه الهدف الأميركي، أي الهيمنة على مقدرات الآخرين وثرواتهم ومصائرهم،وتسخيرها لمصالح الامبراطورية الأميركية . ولعل الفارق الوحيد بين الفعل الامبراطوري القديم والسعي الامبراطوري الأميركي في طوره المعاصر، يكمن في تغييب مبدأ الاحتلال المباشر لأراضي الغير، اذ لا يوجد في الفكر الأميركي الامبراطوري المعاصر ما يشير الى تسيير الغزوات المباشرة والوجود المادي المباشر في أراضي الآخرين . لكن الأمر على الصعيد العلمي ـ الواقعي لا يخلو من تدخل نسبي، فالوجود العسكري الأميركي في مناطق عدة من العالم حقيقة لم تتغير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما تشهد على ذلك حالات المانيا وكوريا الجنوبية واليابان، ومن قبل عقد مضى، الفلبين وتايلاند . وفي العقد الأخير الكويت وقطر والبحرين والسعودية . وهو وجود مادي عسكري مباشر ارتبط بحالة التوازن الأقليمي الأمني في المناطق المحيطة بهذه المواقع . وهنا نقطة اختلاف جوهرية مع الوجود العسكري الأميركي الجديد بعد الحادي عشر من سبتمبر والذي شهدته حالات باكستان وافغانستان وأوزبكستان وقرغيزيا، وفيما بعد جورجيا والفلبين واليمن، ناهيك عن الانتشار البحري الأميركي الجديد في مناطق عدة من العالم، كجزء مما يوصف بالحرب على الارهاب، وأيا كان الاسم الدولي الذي تتدثر به كما هو الحال في أفغانستان فانه يعكس الروح الامبراطورية الأميركية الجديدة قبل أي شئ. هذه الروح تظهر أكثر وأكثر فيما يمكن وصفه « بالتدخلية الجديدة»، وحالات التدخل الأميركي الجديد، والتي يتكرس اليوم منهجها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم تعد تكثرت لا بالسيادة ولا بحقوق الانسان الأساسية ، ولا بالحق الأصلي للمجتمعات الانسانية في اختيار أسلوب ونمط حياتها على النحو الذي يرضيها ويحقق لها تجانسها الروحي والمادي. وحين نقول الى تغيير أسس العلاقات الدولية على نحو جذري، ودون أن يكترث بأي شئ انساني أو يتعلق بالسيادة، وهو تيار يتضمن ممارسة أنواع شتى من التدخل السافر أو المستتر والذي تمارسه القوى الأكبر، وتحديدا الولايات المتحدة، لغرض وحيد معلن يتعلق بما تعرفه هي بالحرب ضد الارهاب الدولي، أو بالأحرى حماية مصالحها المباشرة بالدرجة الأولى، بغض النظر عن مصالح الشعوب والمجتمعات الأخرى. وتعكس التدخيلة الجديدة، بعدا هاما من التحول الذي أصاب العلاقات الدولية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو اعلاء قيمة الحرب على ما يسمى بالارهاب الدولي دون أن يكون هناك أي اتفاق أو توافق أو تراضي على هذا المفهوم ومكوناته والآليات الأنسب لاحتوائه، وليس ثمة ما يدعو الى أن نعيد هنا ما ذكر من قبل حول أن الولايات المتحدة تصر على وضع تعريف للارهاب يحقق لها مصالحها بالدرجة الأولى، ولا تكترث بمن يوافق أو يعترض، بل أنها تعمل على فرض هذا المفهوم واعتباره موجها للعلاقات فيما بين الدول وبعضها، وتعد حالة الحرب الأميركية في أفغانستان التعبير العلمي الفج الأول على تلك التدخلية الجديدة التي تمت باسم مواجهة الارهاب، ونتج عنها تغيرات كبرى في السياسات الآسيوية خاصة والدولية عامة. ان قول المسئولين الأميركيين أن «الحرب على الارهاب طويلة ومعقدة، يعكس الرغبة في استمرار سيف الضغط مصلتا على كل الدول في العالم لسنوات بل لعقود مقبلة والتحرك ضد كل من يعارض السياسات الأميركية، انطلاقا من ذريعة أن الولايات المتحدة لها الحق في الدفاع عن النفس والرد على من أعتدى عليها، مستظلة بالقرار رقم 1373 الصادر عن مجلس الأمن الدولي الذي غدت تستخدمه تحقيقا للغايات الأميركية الصرف، وقد أتاح هذا القرار لواشنطن اصدار قوائم بالجملة تضم أسماء عشرات الشخصيات والمنظمات المعادية للسياسات الأميركية ووصفها بالارهابية، والسعي لحصار مالي عليها على امتداد الكرة الأرضية . كما تتخذ الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطية لأهدافها، حيث عمل لأول مرة منذ انشائه بالمادة الخامسة منه التي تعتبر الاعتداء على دولة عضو فيه اعتداء على كل الدول الأخرى الأعضاء، أي أن الحرب الأميركية الجديدة هي حرب مفتوحة لا سقف لها ولا نهاية . وهي تتجاوز بكثير جدا حجم الجهة التي اتهمتها واشنطن بتنظيم الهجوم عليها، أي تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وحركة «طالبان» الأفغانية، لتطاول كل القوى التي قد تتجرأ على الاعتراض على املاءات واشنطن في المستقبل. ولا تعرف التدخلية الأميركية الجديدة الفارق بين العمل العسكري أو السياسي أو الثقافي، فهي تجمع كل هذه الأبعاد معا، وتعمل وفقا لها، وهي تدخيلة ذات طابع هجومي من جانب واحترازي من جانب أخر، وكأي شكل من أشكال التدخل، فالأمر هنا يتجاوز كل ما هو معروف حول السيادة، أو حماية حقوق الانسان أو دفع الديمقراطية الوليدة في بلد ما. ويبرز الطابع الشمولي للتيار التدخلي الجديد في أكثر من مجال، فاضافة الى العمل العسكري المباشر، وبما في ذلك التمركز والاستقرار في البلدان المستهدفة أو التلويح بتوجيه ضربات عسكرية لبلدان اخرى، اذا لم تستجب للمطالب المقدمة، هناك جانبان أخران لا يقلان أهمية وخطورة، الأول هو التدخل السياسي والثاني التدخل الثقاقي. ومن ذلك مثلا ما ذكر حول طلبات معينة تقدمت بها واشنطن للكثير من الدول العربية، وجاء من بينها تغيير مناهج تدريس مادة الدين الاسلامي، وبحيث تقل عدد ساعات التدريس عما هي عليه الآن، وأن يحدث تغيير في طبيعة المنهج نفسه، وبحيث يتم التركيز على مبادئ معينة دون غيرها، لاسيما تجاهل مفهوم الجهاد والذي هو جزء أصيل في العقيدة الاسلامية وله ضوابطه الشرعية والفقهية، وأن يصاغ الأمر من خلال تدريس مادة الدين الاسلامي في شق العبادات والتغاضي عن الجوانب الأخرى ذات الطابع السياسي أو الروحي أو الانساني العام . أو بعبارة أخرى، اعادة تصميم التعليم الديني الاسلامي بما يتوافق مع الحاجات الأميركية، وليس مع حاجة الشرع الاسلامي والمجتمع الاسلامي نفسه. الأمر الثابت هنا أن العالم العربي والاسلامي، وهو الهدف الأول والأكبر، وان لم يكن الوحيد لتيار التدخلية الجديدة، مقبل على مرحلة عسيرة، مليئة بالضغوط والتحديات التي سوف تمس هويتة ورؤيته لدينه ولطريقته في الحياة، ووفقا للمؤشرات الظاهرة، فان مؤسسات صنع القرار الأميركية قد ارتاحت لتحميل العبء على الآخرين، وهم هنا المسلمون وفي القلب منهم العرب، ولم تنظر الى كم الأخطاء التي وقعت فيها السياسات الأميركية من قبل وشكلت الأساس لحالات لا مثيل لها من الظلم واجهاض الحقوق والتنمر على الضعفاء، ويبدو أن حالة الشعور بالقوة المطلقة وبضعف الآخرين وقلة حيلتهم ، تلعب دورا كبيرا في ضياع البوصلة والاتجاه الأمثل للتحرك الى الأمام. وهكذا تبين أن ما يجري الآن على الساحة الدولية، ومنذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، هو بمثابة «حرب عالمية» تخوضها الولايات المتحدة ضد العالم، وقد غيرت تلك الحرب كل المفاهيم التي كانت سائدة، وأرست مفاهيم مستحدثة للعلاقات الدولية، وعناوين جديدة للنزاعات العالمية في القرن الواحد والعشرين، وآليات الهيمنة الغربية، الأميركية تحديدا، على المناطق والشعوب الأخرى. لم تدع الولايات المتحدة الوقت يفلت منها، فاتخذت مما جرى فرصة ذهبية لاعادة صوغ النظام العالمي الجديد، ولارساء قواعد جديد للعبة الدولية في اتجاه الامساك أكثر بتلابيب العالم وفرض سيطرتها المطلقة عليه. وفي مثل هذه اللحظات التي تختلط فيها المعايير وتغيب فيها النظم القيمية الواضحة القائمة على الاخلاق ويضرب فيها بعرض الحائط مصالح البشرية وخبرتها التاريخية كلها، وتتجسد فيها مساع حميمة لبلورة نظام تفاعلات دولية غير تعددي، ولا يعترف الا بمصالح قوة وحيدة ومن يسيرون في ركابها، وتتعاظم فيها النزاعات الأحادية الاستعلائية، تصبح البشرية بأسرها أمام تحد واختيار كبيرين، لا تنفع فيهما التحركات المنفردة، ولا تصلح فيها النزاعات الانتقامية العابرة. ويكون الخلاص في استراتيجية مواجهة هادئة، يجتمع حولها المتضررون، يقيمون بأنفسهم ولأنفسهم صرحا من الحماية وبناء من القوة المضادة لكل ما هو انعزالي وانكفائي وذي طابع استعماري امبراطوري، لم يعد يتناسب من النضج الانساني الذي وصلت اليه المجتمعات البشرية، رغم ما يواجه بعضها من مشكلات تخلف ونمو. أن الولايات المتحدة الأميركية مطالبة بتغيير جذري في سياساتها والكف عن الكيل بمكيالين، والتوقف عن عدم الارهاب الصهيوني في فلسطين والتوقف عن تدمير الدول العربية والاسلامية واحدة تلو الأخرى، والتوقف عن سياسة الاستغلال والهيمنة ونهب الثروات العربية والاسلامية. انها «حرب طويلة ومعقدة» وهي يجب أن تكون كذلك، من جانبنا، نحن العرب والمسلمين، فلا تنقصنا الثروات ولا الامكانيات ولا الطاقات البشرية، ينقصنا شيء واحد، الارادة والتصميم على أن يكون لنا مكان تحت الشمس، فالهيمنة الأميركية ليست قضاء وقدرا، و«روما الجديدة» لن يكون مصيرها أفضل من روما القديمة. ـ كاتب مصري