يقول باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس في كتاب بعنوان (حروب الغد) ان أحداث 11 سبتمبر تمثل خطا فاصلا قبلها عما بعدها، لما تركته من أثر في العلاقات الدولية، وما أحدثته من هزات في جملة من القناعات، أبرزها أن الدول الغنية والفقيرة على السواء لم تعد في مأمن من الارهاب، فالانفاق العسكري لأميركا الذي يبلغ نحو 40% من اجمالي الانفاق العالمي لم يشفع لها، ولم يحصنها ضد ضربات اختارت بدقة اهدافها لتكون - في الحالة هذه - أقوى دولة في العالم (عسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا).. مستباحة أرضا، وملتاعة شعبا. والثابت أن وجه أميركا الحقيقي قد تغير بعد هذا التاريخ فأصبحت أكثر أنانية وشراسة، بل وصلافة في نظرتها للأمور.. صحيح أنها كانت ترى نفسها «محور الكون» خصوصا بعد انهيار خط برلين في 9 نوفمبر 1989، وتفكك الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1990، وظهورها كقطب واحد ووحيد في العالم، إلا أن أحداث 11 سبتمبر 2001 أصابتها في كبريائها وجعلت جملة السياسات التي صدرت عن ادارتها لاحقا مجرد «ردود أفعال» مباشرة أكثر من كونها حسابات دبلوماسية دقيقة.. وكلنا يذكر التصريح الذي أطلقه الرئيس جورج دبليو بوش في 20 سبتمبر أي بعد وقوع الاعتداءات بتسعة أيام ويقول فيه بلهجة الغاضب والمحذر في آن واحد: «على أي دولة في أي منطقة بالعالم أن تختار منذ الآن فصاعدا أما أن تكون معنا (مع أميركا) أو مع الارهابيين!!». وهذا التصريح الذي جعل أميركا في كفة، والعالم كله في كفة أخرى قد أضر كثيرا بصورة أميركا كما يقول المفكر الأميركي المعروف ناعوم تشوميسكي لأنه كرس الشعور بالكراهية لأميركا والأميركيين.. والمعروف أن كراهية كل ما هو أميركي هو شعور يستحوذ منذ فترة على قلوب الكثير من شعوب الأرض، لكنه اتسع، وتعمق بصورة كبيرة بعد أحداث 11 سبتمبر بل أن ناعوم تشوميسكي نفسه يرى أن هذا الشعور هو السبب المباشر الذي أدى الى وقوع الاعتداءات في نيويورك وواشنطن باعتبار أن «كراهية أميركا» قد ملأت كل القلوب، ففاض بها الكيل وكان لابد من التعبير عن ذلك بصورة أو بأخرى.. وثمة رأي آخر لصحيفة لوموند دبلوماتيك لا يبتعد كثيرا عن وجهة نظر ناعوم تشوميسكي وإن اختلف معها نوعيا.. هذا الرأي يقول إن الكراهية المتنامية ضد أميركا في كل أنحاء العالم سببها أن الولايات المتحدة هي الأكثر حرية وديناميكية.. بمعنى أن الحقد على المنجزات التي حققتها أميركا هو السبب الأول في وقوع ما حدث. لكن للانصاف فإن الرأي الغالب - حتى بين أعضاء الكونجرس من الديمقراطيين هو أن السياسة الأميركية في الخارج هي السبب الأول لظهور الارهاب.. أما أنانية أميركا وانفرادها بالقرار فهو الذي ساهم في تفشي موجة العداء لكل ما هو أميركي في العالم.. شئ آخر كشفته أحداث 11 سبتمبر هو اهتزاز الثقة في القرار الأميركي الذي أثبتت التجربة أنه قرار «حارس» للمصلحة الأميركية فقط دون أدنى انتباه لمصلحة الآخرين.. وهو في سبيل ذلك يتبع منهجا «ديماجوجيا» مكشوفا.. فأميركا عندما تتدخل بقواتها في كوسوفا وتقتل الآلاف تسمى ذلك «تدخلا انسانيا» وعندما تفرض الحصار على نيكاراجوا وتحصد عشرات الآلاف من الضحايا في الثمانينيات تسمي ذلك دفاعا عن القيمة الليبرالية!.. ثم هي عندما تهدد بتوجيه ضربة للعراق تسمي ذلك حربا ضد الارهاب على الرغم من أنه لم يثبت - حتى الآن - أي صلة للعراق، بتنظيم القاعدة، بل لم يجر التحقيق حتى اليوم بشأن الادانة الموجهة لاسامة بن لادن ورجاله، لاقرار مسئوليتهم عن أحداث 11 سبتمبر.. وهذا الكلام يقودنا لما ذكره أنياسيو رامونيه مدير تحرير جريدة لوموند ديبلو ماتيك في كتاب له بعنوان: حروب القرن الحادي والعشرين بشأن مصطلح الارهاب نفسه.. فيصفه بأنه مصطلح فضفاض يحتمل التفسيرات من أوجه عديدة، فقبل قرنين من الزمان كان الارهابي هو كل من يستعمل بحق أو بغير حق العنف لاحداث تغيير في النظام السياسي، ولذلك أصبح عدد من قدامى الارهابيين رجال دولة مثل مناحم بيجن رئيس وزراء اسرائيل الأسبق لكن الحرب (الأميركية) ضد الارهاب التي تدور رحاها حاليا (مع الدعاية المصاحبة لها) أصبح مصطلح «إرهابي» يعني كل عمل يستهدف الاضرار بالمصلحة الأميركية، ولذلك - ليس من قبيل المبالغة ما جاء على ألسنة المعلقين حول الارهاب الذي بدأت الحرب ضده عالمية، ثم تحولت في النهاية - الى حرب أميركية صرفة! وفي هذا الخصوص وضعت أميركا تعريفا للارهاب يختلف عن التعريف الذي وضعته دول أوروبية مثل فرنسا.. أيا كان الأمر، لقد حدثت تعديلات في المصطلح، فأصبح «ارهابي» يعني كل ما هو «اسلامي» وهذا خطأ كبير - كما يقول كتاب حروب القرن الحادي والعشرين - لأن هناك ارهابا آخر - غير اسلامي- يحدث في مناطق كثيرة في العالم (في أسبانيا، وكولومبيا، وسريلانكا، وايرلندا الشمالية، وكورسيكا..).. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام معيار واحد - تفرضه أميركا بالقوة - للحرب ضد الارهاب التي يراها وزير الدفاع رامسفيلد أنها ممتدة وقد تكون بلا نهاية، أو على أقل تقدير ستكون من حيث المدة مثل الحرب الباردة.. وبوسعنا أن نقول أن أحداث 11 سبتمبر كشفت ضمن ما كشفت الوجه القبيح «للعولمة الأميركية» الذي يدور حول الصراعات والعنف من أجل المصالح وكان من نتائجه أن انقطعت الصلة مع أفكار انسانية رائعة كان من المقدر لها الذيوع والانتشار مثل: الفكر الليبرالي، والديمقراطية، ودولة الحقوق، والتمجيد وحقوق الانسان.. الخ! وعلى صعيد آخر، كرست أحداث 11 سبتمبر مناخا شموليا غير مسبوق في الولايات المتحدة الأميركية، فالرئيس الأميركي بوش استغل قرار الكونجرس الذي منحه في أعقاب وقوع الأحداث الحق في أن يستخدم كل الطاقات لتحديد الجناة ومعاقبتهم، وأعلن الحرب على ثلاث دول لم يثبت تورطها جميعها أو احداها في أحداث سبتمبر هي ايران والعراق، وكوريا الشمالية التي أطلق عليها «محور الشر».. ثم إن ادارته باتت تضيق بانتقادات الانتلجنسيا الأميركية للسياسة الأميركية التي تنتهجها خارجيا. وبحسب صيغة لوموند ديبلوماتيك فإن هناك اتجاها فكريا يعتقد أن أعضاء الكونجرس يستهزئون بكل ما تقوله طبقة الانتلجنسيا ورجال الفكر في أميركا! ولقد كشفت الممارسات الأخيرة - في داخل المجتمع الأميركي - عن انتحار بعض القيم الليبرالية التي كانت أميركا - وما تزال - تفخر بأنها تجسيد حقيقي لها.. فعقب وقوع «أحداث 11 سبتمبر التي شاهدها العالم أجمع على الشاشات الصغيرة، وصف معلق تليفزيوني حالة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بأنه كان كالطفل المذعور الذي يتنقل من مكان الى آخر وهو في حالة هلع غير مسبوقة، ويختفي داخل إحدى الثكنات العسكرية، ثم يغادرها الى مكان آخر. وبحسب لوموند ديبلوماتيك كان مصير هذا المعلق التليفزيوني الطرد من عمله.. ونفس المصير لاقاه صحفي آخر كتب يقول أن جورج دبليو بوش جبان، ولم يقو على مواجهة الأزمة التي عصفت بأميركا! ولعل الكثيرين يتابعون حملة المضايقات التي تعرض لها مؤلف كتاب «الخديعة الكبرى» الفرنسي تييري ميسان.. وكلها ممارسات تصب في اتجاه شمولي ربما لم تعرفه الولايات المتحدة من ذي قبل.. يبقى أن نذكر أن مناخ الحرب ضد الارهاب الذي خلفته أميركا، قد انعكس سلبا على المنطقة العربية لأنه قد ساعد في خلط الأوراق - كل الأوراق - بحيث عادت قضية العرب - قضية فلسطين - الى نقطة الصفر، وكأن كفاح أكثر من 50 عاما، لم يكن شيئا! وبدا للعالم - أن ما تقوم به الآلة العسكرية الاسرائيلية من فتك وقتل ودمار في الأراضي الفلسطينية ليس إلا «تجاوبا» مع حرب أميركا ضد الارهاب.. باعتبار أن ياسر عرفات ورفاقه - ممن يطالبون بحق شعبهم في أن تكون له دولة مستقلة ذات سيادة - ليسوا إلا مجموعة من الارهابيين الذين يتوجب سحقهم بمباركة أميركية! وهكذا، شهد كل شئ في مشروع السلام الفلسطيني الاسرائيلي - تراجعا، لتحل محله مظاهر الحرب والعنف، فالقتلى - كما يقول كتاب حروب القرن الحادي والعشرين - يملأون الشوارع، والقوات الاسرائيلية أعادت احتلال المدن الفلسطينية، وبناء المستعمرات لم يتوقف وأصبحت حياة الفلسطينيين جحيما.. وكلنا يذكر المهانة التي تعرض لها الرئيس عرفات عندما حاصرته القوات الاسرائيلية لعدة أسابيع داخل مكتبه وقطعت عنه الماء والهواء! وليس من شك في أنه لولا المناخ الذي هيأته أحداث 11 سبتمبر، لما فعلت اسرائيل ما فعلت، ولما ذبح شارون مشروع السلام ودشن بممارساته الدموية طريق الحرب. الغريب أن أميركا لم تهتم بالأمر، وواصلت تأييدها التام لاسرائيل، لأن خطة مكافحة الارهاب تقضي بهذا، سواء أرضي العرب أم غضبوا، وسواء أوافق الحلفاء الأوروبيون أم اعترضوا! ـ كاتب مصري