بمجرد انتهاء الأحداث التي هزت أركان العظمة الاقتصادية والعسكرية الاميركية طفت على السطح مجموعة من الفرضيات والتفسيرات التي تباينت وتناقضت في الكثير من الأحيان حول تداعيات هذه الأحداث على الجانبين النظري والعملي لحقل العلاقات الدولية .فبينما يعتقد أصحاب نظرية المؤامرة بأنه إذا كانت هذه الأحداث تخرج عن إطار السير الطبيعي للعلاقات الدولية بحكم اعتبارها مجرد سيناريو مفتعل لتحقيق الأهداف المستقبلية للاستراتيجية الكونية الاميركية الأمر الذي يقلل من احتمالات تأثيرها نظريا وعمليا على ميدان العلاقات الدولية، فان مؤيدي فرضية أن هذه الأحداث من تخطيط وتنفيذ جماعة إرهابية عابرة للحدود يذهبون إلى حد اعتبار أحداث 11 سبتمبر2001 بمثابة انقلاب عنيف يمس كنه العلاقات الدولية على مستوى النظرية والممارسة. ورغم التباين الواضح بين التصورين، فانهما يتقاطعان «على الأقل» في نقطتين أساسيتين، تتمثل الأولى في كونهما يجسدان منتوجا فكريا وأكاديميا اميركيا خالصا، وتكمن الثانية في كونهما يخلصان في نهاية المطاف إلى هندسة الإطار الأخلاقي الذي يضفي الشرعية على السلوك الدولي الاميركي الذي يندرج في سياق الرد على مثل هذه الأحداث . إن أحداث سبتمبر2001 في نيويورك وواشنطن دفعت الكثير من الأوساط الأكاديمية والإعلامية إلى طرح الكثير من التساؤلات حول ظروفها وملابساتها،وحول الأطراف التي تملك الوسائل والإمكانيات الحقيقية الكفيلة بإحداث مثل تلك الأضرار لأعظم وأقوى دولة في العالم، وأخيرا حول الأهداف والأبعاد المباشرة وغير المباشرة لهذه الأحداث .فالتحولات الدولية التي بدأت معالمها ترتسم منذ منتصف الثمانينيات كرست تغيرا جذريا في موازين القوى الدولية، إذ أن نهاية الصراع الإيديولوجي الذي ميز فترة الحرب الباردة كان يعني في الواقع العملي انتصارا مطلقا للمنظومة الفكرية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الاميركية. لذلك فبمجرد انتهاء آخر حلقات اندثار المعسكر الاشتراكي اتضح جليا بأن النظام الدولي استقر على صيغة الأحادية القطبية المركزة تحت هيمنة أميركا.وهو ما دفع الكثير من المحللين إلى التأكيد على أساس أن أجهزة ومكانيزمات النظام الدولي أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من النظام السياسي الاميركي، فهي موظفة بشكل شبه تام لخدمة المصلحة والهيمنة الكونية الاميركية كما حدث في حرب الخليج الثانية، أزمة كوسوفو وغيرها من الأزمات الدولية.ولكن إذا كانت هذه التحولات الدولية قد أفرزت وضعا يكرس المصلحة والهيمنة والزعامة الاميركية على النظام الدولي، فما هي المبررات التي دفعت أصحاب نظرية المؤامرة إلى الاعتقاد بأن أحداث 11 سبتمبر 2001 كانت عبارة عن مؤامرة مدبرة بدقة من طرف الولايات المتحدة الاميركية ؟ يذهب أصحاب هذا التصور إلى أن الطريقة والدقة والقوة التدميرية التي ميزت أحداث واشنطن ونيويورك تتعدى حدود إمكانيات أي تنظيم إرهابي. والأكثر من ذلك أن بعض الأوساط الإعلامية الغربية اعتبرت قضية ارتطام الطائرات بمباني مركز التجارة العالمي والبنتاغون مجرد خدعة سينمائية يتقنها الاميركيون أكثر من غيرهم من المجتمعات .فرغم قناعة أصحاب هذا الطرح بأن الوضع الدولي غداة وقوع هذه الأحداث يخدم المصلحة والهيمنة الاميركية، إلا أنهم يرون بأن الأخطار والتهديدات المستقبلية هي التي دفعت واشنطن إلى افتعال أزمة لكسب التأييد والشرعية الدولية التي تسمح لها بالتدخل في منطقة ذات أهمية بالغة .فالتدخل الاميركي في أفغانستان لا يجب أن يفهم على أساس أنه يهدف فقط إلى القضاء على تنظيم القاعدة ونظام طالبان، بل تكمن وراءه عدة أهداف إستراتيجية ذات طبيعة اقتصادية وعسكرية وحضارية. لذلك فان انعكاسات هذه الأحداث على ميدان العلاقات الدولية ـ وفقا لهذا التصورـ تتمثل في منع حدوث التطورات والترتيبات الدولية المستقبلية التي تشكل خطرا على المصلحة الكونية الاميركية، أو بعبارة أخرى منع حدوث ما يهدد الوضع القائم. أما أنصار التصور الثاني فيؤكدون على أن أحداث واشنطن ونيويورك تمثل نموذجا واقعيا لطبيعة الأخطار التي باتت تهدد النظام الدولي وكذا الوحدات السياسية التي تشكله .وهذا ما يتماشى مع اتجاه صانع القرار في الولايات المتحدة الاميركية نحو استعمال مبرر التهديدات الأمنية الجديدة التي يكمن مصدرها الأساسي في التنظيمات الإرهابية والتيارات والأنظمة السياسية ذات التوجهات العقائدية المتطرفة كحجة وذريعة لارغام الآخرين على تبني المنظور الاميركي الخاص بعولمة النسق الفكري والسياسي والاقتصادي الغربي .وعلى الأساس تبدو أحداث 11 سبتمبر كفرصة حقيقية لتأكيد الانشغالات الدولية الاميركية. وهو ما يدفع الفواعل الأخرى في النظام الدولي إلى تأييد المسعى الاميركي الذي يهدف إلى إدخال تغييرات جذرية على الأطار العام للعلاقات الدولية وفق ما تقتضيه المصلحة الكونية الاميركية. ومهما تباينت وتعددت الآراء والتصورات بشان انعكاسات أحداث 11 سبتمبر2001 على نظريات ومسار العلاقات الدولية فإنها لا ترقى إلى مستوى الأحداث الدولية التي أدت إلى حدوث تحولات عميقة على المستويين النظري والعملي لهذه العلاقات . ومع ذلك فان هذه الأحداث قد ساهمت ـ على الأقل ـ في تصحيح بعض الطروحات النظرية التي أفرزها مسار العلاقات الدولية . فقد أثبتت هذه الأحداث عدم صحة نظرية نهاية التاريخ التي تؤكد حتمية عولمة المنظومة الفكرية الغربية المنتصرة وبالتالي انتهاء الصراعات الإيديولوجية والعقائدية،وأن العالم سوف يتجه نحو تحقيق الرفاه الاقتصادي الذي يؤدي تدريجيا إلى القضاء على مركزية الدولة في العلاقات الدولية. كما أن هذه الأحداث قد برهنت كذلك على أن مقولة تراجع دور المتغيرين العسكري والسياسي مقابل تنامي دور المتغير الاقتصادي في العلاقات الدولية ما هي في الحقيقة إلا فرضية مثالية. فالتواجد الاميركي في أفغانستان تغذيه الاهتمامات العسكرية والعقائدية والسياسية بالدرجة الأولى .وفي المقام الثالث يبدو أن هذه الأحداث قد دفعت باتجاه إعادة النظر في الكثير من النظريات الأمنية والاستراتيجية التي تركز في الأساس على الكيفيات التي يمكن من خلالها مواجهة الأخطار التي تفرزها البيئتين الداخلية والخارجية، ولكنها أهملت التهديدات التي يمكن أن تشكلها تنظيمات دولية غير مقيدة بحدود جغرافية. وفي المقابل فان هذه الأحداث قد ساهمت في إحياء نظرية الأمن الجماعي بفعل المجهود الأكاديمي الذي يبذله الاميركيون بشأن إقناع الكثير من الدول على أساس أن المشاريع الأمنية المستقلة عن المظلة الأمنية الاميركية هي ضرب من الخيال واللاعقلانية. فإذا كانت التنظيمات الإرهابية قادرة على اختراق أمن أقوى وأعظم دولة في العالم، فانه بإمكانها إزالة الكثير من الدول من الخريطة العالمية. لذلك يمكن القول أن الأحداث التي هزت مراكز العظمة والكبرياء الاميركي لا ترقى إلى مصاف المتغيرات التي تؤدي غالبا إلى إحداث ثورة في مفاهيم ومسار العلاقات الدولية مثل ما كان الشأن بالنسبة للحربين العالميتين الأولى والثانية أو انهيار المعسكر الاشتراكي. فالظاهرة الإرهابية في العلاقات الدولية قديمة جدا ولكن الإشكال المطروح في هذا الشأن هو صعوبة الاتفاق بين الدول حول تعريف هذه الظاهرة وتحديد عناصرها وشروطها الأساسية، وذلك انطلاقا من اختلاف الرصيد الفكري والعقائدي الذي تدرك من خلاله كل دولة هذه المسألة. فالولايات المتحدة الاميركية لم تكن إلا محطة من بين الكثير من المحطات التي تعرضت لضربات الإرهاب بمخلف أشكاله، ولكنها تنظر إلى ما يحدث في الدول الأخرى كشكل من أشكال الصراع السياسي المشروع، بل كانت تمثل في بعض الأحيان القاعدة الخلفية للنشاط الإرهابي في دول أخرى مثل الجزائر. ومن تم يمكن القول أن أحداث واشنطن ونيويورك قد لا تؤثر كثيرا على ميدان العلاقات الدولية إلا في حالة توفر إجماع دولي حول إدراك وتعريف هذه الظاهرة . ـ أستاذ بمعهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية ـ جامعة الجزائر