بعد أحداث 11 سبتمبر العام الماضي نشرت الكتابات العديدة وقيلت الكلمات الكثيرة وقدمت التحليلات الوفيرة حول هذه الكارثة وقضية الارهاب الدولي، الامر الذي قد يغني عن اضافة اية افكار جديدة ، في هذا الشأن ولكن مرور الزمن يدل على ظهور المشاكل والمظاهر التي تبين ان الدروس لم تستخلص بعد من هذه الاحداث وربما اصبح استدراك هذه الدروس الآن اسهل وابسط مما كان عليه بعد وقوع الكارثة مباشرة حين اعتمد تحليل اسبابها واثارها على العواطف وليس على الدراسة العقلانية. بيد ان كل ما يتعلق بتلك الاحداث لايزال غير واضح ومتناقضا ضمنيا اذ تحتوي على الظاهر والباطن فباطنا لم يتغير العالم ـ كما يبدو لي ـ اما ظاهرا فتغير تغيرا عميقا فلا تبدو اية تعديلات تذكر على مستوى خريطة العالم بأجمعه ومع ذلك جاءته المفاهيم والاوهام الجديدة التي تملي عليه منطقها وتسيره وفقا لهذا المنطق واذا كانت اهم الاخطار التي تهدد العالم قبل 11 سبتمبر تقتصر على سباق التسلح او ازمة الطاقة او تلوث البيئة وغير ذلك فان الارهاب الدولي الآن عدو رئيس يهدد المجتمع الدولي وكل اعضائه. وفي هذا الاطار فان السؤال يطرح نفسه: هل هذا العدو حقيقي ام وهمي؟ هل تنحصر مهمة الانسانية المعاصرة في مكافحة الارهاب ام يعد الارهاب مظهرا يدل على تبلور التحديات والاخطار التي تهدد البشرية من داخلها؟ ولكن حتى الآن وبعد مرور عام كامل على احداث 11 سبتمبر مازالت قضية الارهاب على رأس الاجندة وعلى وجه الخصوص كيفية مكافحته بدلا من تناول تحديات العصر بالتحليل المفصل اي بكلمة اخرى تناقش قضية الارهاب بمعزل عن دراسة اسبابه والظروف التي تولده باستمرار. ومع مرور الزمن يتأكد مدى عمق هذا الفارق بين ظاهر احداث 11 سبتمبر وباطنها وعلى سبيل المثال ركز العالم بعد الكارثة مباشرة على الاهتمام بمسألة تحديد هوية الفاعلين لهذه الجريمة وكشف اسرارها وتقديم البينات القاطعة، اما الآن فالمهتمون بهذه القضية القانونية اقلية من الرأي العام الذين يتابعون سير الامور من الزاوية الاخرى ويولي الاهمية على الظواهر الاخرى التي انفصلت عن احداث 11 سبتمبر واكتسبت معناها الخاص وبالتالي اصبحت الكارثة حجة ومظلة تغطي السعي نحو تحقيق الاهداف البعيدة عن هجمات 11 سبتمبر وابلغ مثال على ذلك الملف العراقي فاذا كانت بغداد متهمة سابقا بانتاج اسلحة الدمار الشامل فان اتهام القيادة العراقية الآن بدعم الارهاب الدولي في مقدمة الاتهامات الامر الذي يبين ان معنى احداث 11 سبتمبر الآن لا يكمن في وقوعها نفسه بل في كونها مظلة تستغلها القوى السياسية المختلفة في استراتيجيتها. ومن المهم الا تستغل هذه الكارثة بهذا الدور ولكن بعض القوى الدولية تعتزم ذلك وفي طليعتها الولايات المتحدة التي تبدي وتظهر رغبتها الشديدة في املاء ارادتها وسيطرتها على العالم اجمع على اساس تعاطف اغلبية المجتمع الدولي مع الشعب الاميركي ومع ضحايا الهجمات الارهابية بالذات اي على اساس المشاعر الطبيعية والفطرية. وبالتالي انعكست كارثة 11 سبتمبر على العلاقات الدولية انعكاسا مباشرا على مختلف المستويات وفي مختلف انحاء العالم مثل الحضور العسكري الاميركي في بلاد اسيا الوسطى والقوقاز الجنوبي ولكن توسيع نطاق النفوذ الاميركي المباشر لا يتم في اطار سياسي معقول بل يأتي في اجواء اثارة الخلافات والتناقضات الجديدة فعلى سبيل المثال تتعاون بعض الدول مع الولايات المتحدة في جهودها لمواجهة الارهاب الدولي وفي نفس الوقت يزداد التوتر في العلاقات بين واشنطن وبين العواصم الاوروبية وشأن اوروبا في ذلك شأن روسيا التي تتعاون مع اميركا تعاونا وثيقا في ميدان محاربة الارهاب الدولي ومع ذلك تواجه العلاقات الروسية الاميركية جملة من المشاكل والتعقيدات مثل الملف العراقي او مشاركة روسيا في تنفيذ المشاريع النووية في ايران مما يدل على ان كافة المترتبات لاحداث 11 سبتمبر لا تزال غامضة ويستحيل تصورها وقد تسبب هذه الكارثة في ظواهر جديدة غير متوقعة في المستقبل فلا جواب حتى الآن على السؤال: من الذي يستفيد سياسيا من هذه الاحداث؟ وبطبيعة الحال الحرب ضد الارهاب بدأت كعملية دولية واسعة تشارك فيها بلدان عديدة وسرعان ما تحولت الى حرب اميركية بحتة بيد ان هذا التحول لا يعني ان الدول الاخرى لا تريد استغلال مظلة احداث 11 سبتمبر لتحقيق مصالحها السياسية وبين هذه الدول روسيا التي تصر على تنفيذ خطتها في الشيشان بالتركيز على ضرورة اخماد نشاط الجماعات المسلحة في هذه المنطقة وشأن روسيا شأن بلدان اسيا الوسطى التي قبلت المعونة العسكرية الاميركية بارتياح كامل آملة في حل مشاكلها الداخلية وهناك مثال آخر لاستغلال مظلة الكارثة المتعلقة بنشاط بعض حركات التمرد الانسانية لتغطية تحقيق الاغراض السياسية وهو نهج الحكومة الاسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية وتصاعد استخدام القوة والقمع بدلاً من البحث عن المخرج السلمي للأزمة حيث شعرت القيادة الصهيونية بالحرية التامة في تصرفاتها تحت مظلة (النضال ضد الارهاب) اي كما يقول المثل الروسي: النموذج السيئ وباء يزرع الامراض في جسم الغير. وتكمن قضية استخلاص الدروس من احداث 11 سبتمبر الآن في كيفية تجاوز استغلال هذه المظلة السياسية حيث تعتمد روسيا مثلاً في تعاونها مع اميركا على أولوية المكافحة المشتركة للارهاب الدولي. ولكن السؤال يطرح نفسه: هل تستمر الحرب ضد الارهاب باعتبارها محوراً رئيسياً للتعاون خلال فترة طويلة؟ وتدعو الاجابة عن هذا السؤال الى البحث عن بديل هذه المظلة التي تبرر الحرب ضد بعض الظواهر ولا يدعو الى الكفاح في سبيل ترسيخ المبادئ الجديدة في العلاقات الدولية او من اجل معالجة قضايا العصر الملحة الثقافية والاقتصادية والقومية والدينية والاجتماعية الامر الذي يتطلب الرؤية الجديدة والمعاملة غير التقليدية للعالم الحالي وفق المفهوم الجديد للعولمة والذي ينطلق من التعاون الدولي الكامل لمواجهة تحديات العصر اما احداث 11 سبتمبر فلم تلعب هذا الدور ـ دور تعبئة العالم من اجل حل قضايا العصر. فعلى سبيل المثال اعلنت الولايات المتحدة ان العالم يشهد الآن صداماً بين الارهاب وبين القيم الديمقراطية التي يجب الدفاع عنها ولكن هذا الموقف يتضمن خلافاً داخلياً اذا اتخذت السلطات الاميركية وغيرها من الدول الغربية بعض التدابير القانونية من اجل الحد من الحقوق والحريات الديمقراطية وعلاوة على ذلك من الخطأ اعتبار هجمات 11 سبتمبر عدواناً على القيم الديمقراطية وحدها وذلك لان هذه الكارثة تدل قبل كل شيء آخر على عجز البشرية عن حل قضايا العصر ولا تدعو الى القضاء على الديمقراطية بل تدعو ـ بصورة غير قانونية وغير انسانية طبعاً ـ الى المزيد من الديمقراطية ومفهومها الجديد المنطلق من ضرورة مراعاة مصالح كل اعضاء المجتمع الدولي وليس للنخبة السياسية العالمية المعاصرة فقط. وللأسف الشديد لم تفهم اميركا ـ ومعها الدول الكبرى الاخرى ـ ضرورة اعادة النظر في دورها في العالم الامر الذي يؤكده تصريح الرئيس الاميركي الذي قال انه لا بديل للقضاء على الارهاب غير طريق مكافحته وينطلق هذا المنطق من ادعاء العصمة الوهمية وادعاء تولي دور الشرطي المسيطر على العالم والقاضي الحاكم لكل قضاياه وعلى ضوء هذه الادعاءات سوف تواجه الادارة الاميركية تحديات العصر اكثر فأكثر. ومما يؤكد صحة هذا الاحتمال علاقات اميركا مع العالم العربي وتمر هذه العلاقات الآن بمحنة مما يستلزم اتخاذ الخيار بين الاشكال القديمة التي لم تعد تستجيب لمقتضيات العصر وبين الطرق الجديدة للتعاطي مع هذه المقتضيات ولا تلقى هذه المهمة على عاتق اميركا وحدها بل تكلف على روسيا وغيرها من الدول بما فيها البلدان العربية والعالم الاسلامي بأسره ففي بعض الاحيان نلاحظ نهج بعض الانظمة العربية الداعي الى العزلة عن باقي العالم ومواجهته والتركيز على الفوارق بين الحضارة العربية الاسلامية وبين الثقافة الغربية وفي اعتقادي لا يفضي هذا المنطق الا نحو الطريق المسدود ويكمن بديله في المشاركة النشطة والفعالة في كل ما يجري في العالم والاسهام في تطورات العصر من اجل التأثير عليها ومواجهة تحديات العولمة باقتراح الحلول الايجابية لها وليس باشتباه باقي العالم في محاولة احتواء العرب والمسلمين. ويقال احياناً ان هناك خياراً بين الارهاب وبين العولمة وفي اعتقادي يجب ترجيح العولمة ولكن بمدلولها الايجابي المنطلق من مشاركة كل اعضاء المجتمع الدولي في تسيير امور العالم وليس بمعنى املاء المقاييس الواحدة الغربية على جميع البلدان فالشعوب والثقافات وترتبط قضية العولمة بأمر مهم آخر وهو دور الاسلام في العالم الحالي وقد تكون هذه القضية موضوع مقالة مستقلة وخلاصة القول ان الخلافات بين اميركا وبين العالم الاسلامي ازدادت بعد 11 سبتمبر على الرغم من تصريحات قادة الدول الغربية باحترام الاسلام ويقول بعض القادة المسلمين في روسيا ان الاسلام لا يحتاج الى الدفاع عنه وانا اختلف مع هذا الرأي، بالعكس بعد كارثة 11 سبتمبر يجب تكثيف الجهود للدفاع عن القيم الاسلامية الحقيقية ولكن هذه المهمة صعبة لان الاخطار التي تهدد الاسلام ليست في الغرب فقط ولكنها تهدده من داخله وفي اي حال من الاحوال فلم تستعمل القدرات الجبارة للاسلام حتى الآن لتجاوز مترتبات احداث 11 سبتمبر مما يتطلب تعبئة هذه القدرات لمواجهة تحديات العصر والاجابة عن السؤال المحوري: ما هي الضربات الجديدة التي يجب ان تتعرض لها الانسانية وتجعلها تعيد النظر في نفسها؟ اما الدرس الاساس لاحداث 11 سبتمبر فهو في كونها دليلاً على هذه التحديات. ـ كاتب ومحلل سياسي روسي