زرت المفكر الفرنسي روجيه غارودي في منزله حديثا وكانت صحته متدهورة لكنه سرعان ما اخرج لي مخطوطة كتابه الجديد المعنون «الارهاب الغربي » Le Terrorisme Occidental وكان حائرا في نشره كعادته مع كتبه الأخيرة، لأن دور النشر الفرنسية لا تريد نشرها أو الالتزام بترويجها فهو في عداد «الكتاب المغضوب عليهم» لأنه وببساطة لا يشارك الاطروحات الفكرية الرسمية التي تعلنها وسائل الاعلام بكافة أشكالها. حول الذكرى الأولى لأحداث 11 سبتمبر وتداعياتها والمتغيرات التي أحدثتها في العلاقات الدولية وما يتعلق ايضاً بالاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه العالم تحدث غارودي لـ «الملف السياسي» متناولاً خلفيات الحدث والحرب الأميركية ضد الارهاب.تالياً نص الحديث: ـ بعد مرور عام على أحداث11 سبتمبر اين وجدت واشنطن نفسها؟ ـ من المعروف ان مركز التجارة العالمي والبنتاغون هما من الأهداف الاشكالية التي ترمز الى خمسين عاما من الهيمنة الأميركية على العالم. ومنذ اندحار هتلر وحتى الوقت الحاضر يسعى الأميركيون الى أن يثبتوا قوتهم الجديدة للتدمير والقضاء على أي منافس لهم في مجال فرض هيمنتهم. ومنذ تلك الفترة اقترفت الولايات المتحدة جرائم عديدة بحق الانسانية نذكر منها الجرائم في هيروشيما ونجازاكي وفيتنام والعراق. ـ لم تعد الحرب ضد الارهاب مسألة عالمية بل أصبحت مسألة أميركية بحتة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ ما هو رأيك؟ ـ منذ اليوم الأول الذي أعقب تفجيرات مركز التجارة العالمي والبنتاغون سعى البيت الأبيض الى اعطاء تفسيراته الرسمية لهذه الأحداث. وملخص هذا التفسير أن ابن لادن قام بتنظيم شبكة ارهابية تتألف من الأفغان والمسلمين من جميع الدول ومن ضمنها المهاجرون من أميركا وأوروبا جميعهم قرروا أن ينقلوا «الحرب المقدسة» على الأراضي الأميركية. واستخدموا في ذلك أربع طائرات تحولت الى صواريخ من أجل تحطيم مركز التجارة العالمي والبنتاغون. وهذا التفسير المحدد يبرر أمام الرأي العام البحث عن ابن لادن ومحاولة القضاء عليه كما يبرر تكثيف القصف الجوي على أفغانستان. كما يسمح لتعبئة حقد وكراهية الأميركيين ضد الاسلام بصورة عامة وخلطه بالاسلاميين.ولهذا نلاحظ أن مصطلح «امبراطورية الشر» والتي طرحها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان تحولت في مفهوم الرئيس الحالي جورج بوش الى «محور الشر». وكل ذلك يستهدف الاسلام وتوسعه في العالم أجمع وهذا ما يسمح للأميركيين أن يتدخلوا في جميع أصقاع العالم ويبرروا تدخلهم ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في آسيا وأفريقيا كما فعلت الولايات المتحدة في الانقلاب على سوكارنو في عام 1965 واقترفت مجزرة بحق 800 ألف ضحية. ـ تمر الذكرى الأولى لهجمات 11 سبتمبر ومازالت الحقيقة غائبة عن هوية الفاعلين الحقيقيين، ما رأيكم؟ ـ ان تقديم الولايات المتحدة تفسيرها للأحداث كما قلت لك قبل قليل واتهام ابن لادن اطروحة لا يمكن بالضرورة الدفاع عنها بل هي قابلة للنقاش والتمحيص حتى من الناحية التقنية والعملية كما أوضح ذلك 200 طيار مدني وطيار عسكري في ندوة نقاش معمقة لأن مثل هذه العملية المنفذة بدقة عالية لا يمكن أن تتم الا على أيدي طيارين محترفين من أجل السير بسرعة ألف كيلومتر في الساعة نحو هدف محدد. كما أن عملية ناجحة مثل هذه العملية تتطلب معرفة قوانين الممنوعات ورموز التشفير السرية في الفضاء لأن كل متر مربع فيه مراقب من قبل الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات الأميركية سي. أي. أي. اضافة الى أن كل طائرة مشتبه بها يتم رصدها من قبل طائرات القنص ولكن مثل هذه الأوامر لم تصدر أبدا. والنقطة الرابعة تؤكد على أن الولايات المتحدة تملك نظاما يسمح لها بشل خطة الطيران عن طريق التحكم عن بعد «تيليكوموند» أما لضربها أو لفرض طريق جوي عليها. وهذا كله لا يتطلب استخدام أي طيار. ـ أنت تشترك مع المحلل تيري ميسان الذي حاول تفنيد الأطروحة الرسمية لأحداث 11 سبتمبر.. ما تعليقكم على ذلك؟ ـ نعم أقول أن هذه العملية المعقدة لا يمكن أن تتم الا من خلال تواطئ جهاز الدولة الجيش وأجهزة المخابرات. وهنا نجد أنفسنا أمام قضية تتعلق بالخيانة العظمى أو بالمؤامرة. وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها المخابرات المركزية الأميركية أو يقوم بها القادة العسكريون أو رجال السياسة بمثل هذا العمل الاستفزازي لاجبار السكان قبول فكرة اشعال الحرب خارج حدود الولايات المتحدة. ـ ثمة نظرة أميركية الى العالم وهي نظرة أحادية الجانب ذات أبعاد دينية قومية.. كيف تقرأ ذلك؟ ـ كانت الولايات المتحدة تدعم حرب ابن لادن ضد «عدو الله» الذي كان يتمثل بالاتحاد السوفييتي سابقا ولهذا أقام الأميركيون علاقات تحالفية مع الطالبان. وهذه المرة اقتنع الطالبان مع ذات الذريعة الدينية الدخول في حرب ضد عدو الله من نوع آخر هي الولايات المتحدة. وعن النظرة ذات الأبعاد الدينية للولايات المتحدة يمكن أن نذكر بوش الابن الذي غير لغته منذ فبراير من عام 2002 وبدأ ينذر كلاً من العراق وكوريا الشمالية وايران بالحرب. ومنذ أكتوبر كان بوش يتحدث عن «حرب صليبية حقيقية» مستوحيا ذلك من نظرية هنتنغتون في «صدام الحضارات» وحسب هذه النظرية ان الحضارة الغربية اليهودية ـ المسيحية مهددة من قبل «التحالف الاسلامي ـ الكونفوشيوسي ». وفي لغة المؤلف يعني ذلك ايران والصين أعداء أساسيين. على أية حال قدم بوش هذه السياسة على أنها «حرب صليبية» التي من شأنها أن تجمع حول الولايات المتحدة جميع القادة الأوروبيين من المستعمرين القدماء. ولكن هذه الحرب الصليبية استثنت الدول المسلمة التي تحتوي على احتياطات البترول التي تحتاجها الولايات المتحدة. لذلك سرعان ما قام بوش بتغيير تسمية «الحرب الصليبية» الى «الحرب ضد الارهاب». واصبح اضطهاد المعارضين من قبل جميع الحكومات يأخذ شكل «الصراع ضد الارهاب». أما الدول التي رفضت الانصياع الى سياسة الهيمنة سرعان ما بدأ بوش بتهديدها مثل العراق وايران وكوريا الشمالية التي وصفها على أنها دول «ارهابية». وبعد مرور اشهر على ذلك الى درجة قام بتهديد بعض هذه الدول بتوجيه ضربة نووية اليها. ـ ما هي المعاني العميقة لتفجيرات 11 سبتمبر في نظرك كمفكر لا يستسيغ الأطروحات الجاهزة؟ ـ أقول لك ان المعنى العميق لتفجيرات 11 سبتمبر هو انفجار التناقضات الداخلية للغرب الرأسمالي والمستعمر من أجل البحث عن طرق قادرة على تطمين بقائه واستمراريته. ـ ما هي الرؤية الاستراتيجية المستقبلية للسياسة الأميركية داخليا وخارجيا؟ ـ أمام أزماتها الاقتصادية الخانقة ولنتذكر جيدا أن بوش الابن كان يتحدث أثناء حملته الانتخابية عن اقامة الشبكات المضادة للصواريخ حول الولايات المتحدة كما أعلن عن «الانسحاب» من الشرق الأوسط أي أن لغته كانت تعبر عن سياسة «الانعزال» وفي الحقيقة أنها لم تؤد الى أية حلول. وهذه العزلة بدت واضحة للعيان ولعلك تتذكر أكثر فأكثر في مؤتمر «دوربان» في جنوب أفريقيا حيث تمت فيه ادانة كل من الولايات المتحدة واسرائيل