كان صيف عام 1992 صيفا حارا جدا في ريو دي حانيرو البرازيلية خاصة مع المناقشات الساخنة لقمة التنمية العالمية الاولى التي عقدت هناك، ولكن صيف جوهانسبرغ اشعل معظم الاوراق ولم يحرقها. هذه الاوراق، التي حملت من معظم بقاع الارض وضعت على طاولات البحث بين الشعوب الفقيرة والدول الغنية، ولعل التعبير الاكثر خصوصية جاء على لسان الرئيس الجنوب افريقي ثامبو مبيكي الذي قال في افتتاح قمة الارض الثانية: «ان مجتمعا كونيا مبنيا على معاناة الكثيرين من الفقراء، وتمتع القليلين بالرخاء، ومتسما بجزر من الثراء وسط بحر من الفقر يعد مجتمعا غير مستدام»، وهذا القول رغم شاعريته الا انه يعتبر تصويرا حقيقيا لمشاكل الكرة الارضية امام اكبر تجمع تنظمه الامم المتحدة لبحث قضايا التنمية العالمية المستدامة بحضور 104 من زعماء الدول الى جانب 40 ألف مندوب، ومع كل هذا الحشد وكل محاولات المؤتمر ان يترك انطباعات ايجابية الا ان مشكلة الثراء ومشاكل الفقراء بقيت عالقة امام طموحات الدول والشركات الكبرى من جهة مع تواضع طموح بحر الفقراء من جهة اخرى الذي بات يرتبط بشكل كبير مع التفكير السياسي للدول الغنية بالسيطرة الاقتصادية بوصفها مفتاح السيطرة الكاملة. ان مشاكل التنمية في العالم باتت تأخذ ابعادا اكثر تعقيدا عما مضى خاصة في ظل النمو السكاني الهائل الذي شهدته العقود الماضية ويبدو في هذا الاطار ان التنمية لم تعد ترتبط فقط بأشكال الاقتصادات المحلية بل تجاوزتها كثيرا وبشكل متشعب فهي مرتبطة بأفكار العولمة المفروضة التي باتت تشكل هاجسا اميركيا من الدرجة الاولى ومن ثم هاجسا عالميا سواء اكان ايجابيا ام سلبيا وبالمجمل فإن كل محاولات السيطرة السياسية ترتبط اساسا بنمط السيطرة الاقتصادية التي تسعى لفتح اسواق المنتجات الغربية مقابل اغلاق الأبواب امام اي تحرك تجاري قادم من الدول الفقيرة. واذا كانت قمة الارض قد حاولت ان تقدم بعض التنازلات للدول الفقيرة فإن هذه التنازلات وكما ارادتها دول السيطرة جاءت مشروطة بقضايا مغلفة بغلاف انيق اولها شرط الديمقراطية الذي يتصف نظريا بالواقعية وعمليا يرتبط بشكل الديمقراطية التي يريدها الغرب ان تكون في هنا او هناك بمعنى ان الاصلاح الاقتصادي الذي يطالب به العرب هو جزء غير واقعي وغير ديمقراطي في ظل فرض الصيغ المباشرة على هذا البلد او ذاك مما يجعل هذه المطالب تخرج عن اطارها الديمقراطي، والمثال الحاضر في هذا المجال هو مطالبة الولايات المتحدة من السلطة الفلسطينية بالاصلاحات السياسية والاقتصادية في ظل شروط لا موضوعية لهذه المسألة بل هي في الواقع شروط مفروضة في ظل حالة سياسية قائمة اصلا على الاحتلال الاسرائيلي الذي تدعمه واشنطن بشكل سافر. الواقع ان قمة التنمية المستدامة قد قدمت تحذيرات كلامية ولم تستطع ان تقدم حلولا مستقبلية على المستوى الكوني وهذه التحذيرات بمجملها لم تشكل الا تراكما للأزمات المحلية وحلولا ملمعة للمشاكل الكبرى فعلى المستوى البيئي ما زالت الولايات المتحدة الاميركية تفرض شروطها اللاموضوعية فيما يتعلق بالاتفاقيات العالمية الخاصة بالتلوث البيئي وكل هذا الاصرار جاء حيال الحالات الكارثية التي يمكن ان تعاني منها الارض في المستقبل القريب واذا كان الربط بين التطور الزراعي على سبيل المثال وشئون البيئة ربطا موضوعيا فإن الدول الصناعية لا تريد ان توقف استغلالها لهواء الارض وبالمقابل لا تريد ان تقدم المساعدات الزراعية لدول العالم الفقيرة مم يعني استهلاكا بيئيا من قبل الدول الغنية وتصحرا مستمرا من قبل الدول الفقيرة خاصة تلك التي تعتمد اجمالا على تربتها الزراعية الغنية، والمعروف ان للزراعة دورا بيئيا مهما ناهيك عن دورها الاقتصادي وهذه المسائل كلها ترتبط بالنمو وحاجاته التنموية. وفي ظل هذا الواقع المتردي لم يستطع كلاوس توييفر السكرتير العام للبرنامج البيئي للأمم المتحدة الا ان يحذر قائلا: «ان المجتمع الدولي يقف عند لحظة الحسم» ولعل لحظة الحسم هذه لن تكون برأي الدول الكبرى الا في خضوع دول الجنوب لارادتها التي لا تريد منها سوى ان تبقى مستهلكة حتى لقطرة الماء النظيفة التي يتشوق اليها 1.1 مليار انسان على وجه المعمورة ولعل هذا الرقم سيشكل كارثة اكبر بعد خمسين عاما حيث سيرتفع استهلاك المياه بنسبة 50% عن الاستهلاك الحالي وهذا الارتفاع يشكل مطالب هائلة ليس على مستوى المياه وحدها بل كافة المستويات فزيادة استهلاك المياه ستكون نتيجة لنمط جديد من الحياة وهذا النمط لن ينطبق فقط على سكان الارض الحاليين بل سيشمل الزيادة السكانية المتوقعة وهذه الزيادة بدورها لن تتطلب فقط المياه بل سيكون لها مطالب هائلة ليس اولها الطاقة او المسكن او حتى التعليم او الصحة التي تعارض برنامجها الولايات المتحدة بل ان الزيادة السكانية بحاجة اولا وأخيرا الى هواء نظيف تتنفس من خلاله في ظل التلوث البيئي الكارثي الذي تعاني منه الكرة الارضية مما يضعنا امام سلسلة لا تجاهل لاحدى حلقاتها؟!! التحدي النموذج لا ننكر ان معظم دول الجنوب تعاني من مشاكل تنموية وبيئية ويدخل في هذا الاطار بالتأكيد التحديات العربية ومشاكل الوطن العربي التي تتفق مع المشاكل العامة مضافا اليها بعض الخصوصيات وتحديدا مشكلة الاحتلال الصهيوني الذي ما زال يعتبر الشكل الوحيد في العالم الذي يحتل وطنا كاملا، من هنا فإن مشاكل التنمية العربية لا ترتبط فقط بالمشاكل الاقتصادية بل انها في واقع الامر تتداخل بحالة وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي الذي لا يهدد الاقتصادات العربية فقط بل ومعها البيئة والمياه العربية والمشكلة ان قمة الارض لم تقم الوزن الكافي لهذه الحالة بل ما حصل في اجتماعات القمة ما زال يعطي الدلالة على ان الولايات المتحدة بقيت المسيطر على الامم المتحدة حتى في هذه القضايا وهذا ما حصل فعلا في قمة التنمية العالمية ففي احد الاجتماعات قامت «منظمة المنتدى اليهودي الوطني» وهي منظمة صهيونية بعرض خريطة جغرافية تظهر فيها الضفة الغربية ومعها القدس ضمن الحدود المزعومة لدولة اسرائيل والمشكلة الاكبر ان احدا لم يعترض سوى الفلسطينيين وبعض ممثلي الدول العربية بل الكارثة ان هذه الخريطة اعتمدت في الاجتماعات وطرد الوفد الفلسطيني من قاعة المؤتمر رغم انه في حضرة الامم المتحدة، ان هذه المشكلة التي اعتبرها البعض صغيرة فيها دلالات اكبر بكثير من كونها مجرد حادثة خاصة، ان المشكلة الفلسطينية تعتبر من المشاكل العالمية المهمة جدا وقمة الارض التي يجب ان تهتم بالتنمية لابد انها تدرك ان الاحتلال جزء رئيسي من معوقات التنمية اضافة الى ذلك فإن الضفة الغربية ما زالت ضمن قرارات الأمم المتحدة مناطق فلسطينية محتلة لا كما صورتها الخريطة الصهيونية. وبطبيعة الحال فإن الكيان الصهيوني ما زال يصنف عند معظم المنظمات غير الحكومية على أنه كيان عنصري ومحتل وهو من اهم اسباب اعاقة التنمية الفلسطينية بل والعربية، والواقع ان ما يقوم به الجيش الاسرائيلي في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة هو تدمير للانسان والارض والبيئة فليست عمليات اقتلاع الاشجار وتجريف التربة وسرقة المياه سوى جزء من العملية التدميرية الشاملة التي تقوم بها اسرائيل ومع ذلك فقمة الأرض لم تستطع ان تتخذ الاجراءات الحاسمة حتى على هذا المستوى رغم ما قدمه البنك الدولي من احصائيات حول هذا الموضوع تؤكد الحالة المتردية التي يعيش فيها الانسان الفلسطيني، فقد قال البنك الدولي ان أكثر من 50% من الفلسطينيين في الضفة والقطاع والبالغ عددهم 3 ملايين نسمة يعيشون في ظل فقر مدقع، أما تقرير السلطة الفلسطينية المقدم الى القمة فقد أتى مصوراً للواقع الدقيق ولمعاناة الشعب الفلسطيني بأكمله. وبما ان التقرير سنوي فقد كانت الاحصائيات فقط حتى نهاية عام 2001 أي بعد مرور 15 شهراً على اندلاع الانتفاضة، وأهم ما ورد في هذا التقرير ان حجم الخسائر المادية قدر بحوالي 4.2 مليارات، واستشهد 1125 شهيداً حتى نهاية عام 2001، اضافة الى ألف جريح منهم 1200 اعاقة جسدية وهدم بشكل كامل 580 منزلاً، ولا ننسى بالطبع هناك ما دمر من منازل أثناء مجازر رام الله وجنين وغزة، أما البطالة فقد بلغت حوالي 70% في قطاع غزة ويعيش فيها 81.4 تحت خط الفقر و55.7 في الضفة الغربية بمعنى ان 64.2 من الأسر الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر. ولعل هذه الاحصائيات المخيفة تكمن وراءها اشكال اخرى من التبعات السلبية أهمها ظهور حالات التسول والاعتماد على المؤسسات الخيرية أو تلك التابعة للأمم المتحدة كـ «الاونروا» وبالتأكيد في هذه الحالة ستنعكس سلباً على التعليم حيث ارتفعت نسبة التسرب خاصة بين الاناث مما يعيدنا بدوره الى الزواج المبكر الذي يؤدي الى ارتفاع معدلات الخصوبة في مجتمع يعيش حالة شديدة من الفقر والبطالة. وإذا أردنا ان نقف على أهم المعوقات الموضوعية للتنمية فإن أول ما يبرز هنا وبشكل منطقي الاحتلال الذي دمر البنية التحتية الضعيفة أصلاً للاقتصاد الفلسطيني تدميراً كاملاً، اضافة الى ان الكيان ربط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاده وجمّد أموال السلطة الفلسطينية وقسّم أوصال الحكم الذاتي الى كانتونات، فالحواجز الاسرائيلية تقسم الضفة الى 220 منطقة معزولة ومحاصرة وكل ذلك يؤثر من جهة على البنية التحتية ومن جهة اخرى على البطالة، ومن المعوقات التنموية ايضاً الاستيطان الذي يحاول ان يبتلع الأرض الفلسطينية شبراً بعد شبر ويقف عقبة في تحرك الفلسطينيين بحرية كحد أدنى في مناطق الحكم الذاتي التي تعاني بطبيعة الحال من تقسيمات أوسلو (أ، ب، ج) ويمكن ايضاً ان نضيف الى هذه المعوقات ما يرتبط بالمساعدات خاصة تلك الآتية من الدول المانحة وهي بدورها ترتبط بالواقع السياسي وافرازاته مما يجعل الأرض الفلسطينية بمجملها تعيش حالة مأساوية وكارثة حقيقية في ظل الاحتلال الصهيوني، وكل هذه الحالات لم تستطع قمة الأرض ان تتداركها رغم ان قرارات الأمم المتحدة التي عقدت القمة تحت لوائها تؤيد كحد أدنى الحق الفلسطيني في الضفة والقطاع. إن قمة التنمية لم تستطع في الأساس ان تمد يد المساعدة الحقيقية للدول الفقيرة ويبدو ان هذا الفشل تركز حول عدم اقناع الدول الكبيرة بتقديم مساعدتها للدول الفقيرة وفتح الاسواق العربية أمام المنتجات المحدودة لدول الجنوب، بل ان الدول الغنية لم تقدم التكنولوجيا المتطورة الى الدول التي تعاني من فقدان التقانة الحديثة رغم الحاجة الماسة اليها، اضافة الى ذلك فإن التبادل التجاري بقي ضمن الخلافات الجوهرية التي سيطر عليها الغرب بل حتى الزراعة التي تساعد كثيراً على ميزان البيئة بقيت دون أي دعم غربي مما يؤكد ان الصورة اللامعة لهذه القمة ما هي إلا نوع من ترسيخ السيطرة الغربية مع شركاتها الكبرى على كل الدول التي مازالت تعاني من الفقر مع فقدان التنمية الآنية، فكيف إذا تكلمنا عن التنمية المستدامة؟! ـ كاتب فلسطيني