يبدو أن الآمال البشرية فى التحول إلى نظام دولي جديد يبنى على السلام والأمن والعدل واحترام آدمية الإنسان وحرياته لن تتحقق في المستقبل المنظور، ولعل الصورة القاتمة التي ترسمها الإحصاءات الاقتصادية والاجتماعية، بعد مرور عشر سنوات على انعقاد قمة الأرض فى ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، واضحة الدلالة على اتساع الهوة العميقة بين الشمال والجنوب في عالمنا المعاصر، وقد كان كوفي أنان، السكرتير العام للأمم المتحدة، صريحا عندما أعلن أن توصيات ريو دي جانيرو لم تتبع مطلقا، وكان من بينها الاتفاق على انطلاق التنمية وتحرر الاقتصاد في دول العالم الثالث، وحماية البيئة العالمية، والتقدم الاجتماعي بمكافحة الفقر وتحرير المرأة والنهوض بالتعليم والصحة، وهي الأوجه الكبرى الثلاثة للتنمية المستدامة. وتحدد لغة الأرقام أبعاد الواقع الأليم الذي انعقدت في ظلاله قمة الأرض في جوهانسيرغ بجنوب إفريقيا في مطلع سبتمبر الجاري، فلم يتجاوز معدل التنمية للدول الفقيرة في عقد التسعينيات من القرن الماضي 2% سنويا، وهو أقل من معدل سبعينيات القرن العشرين، وأدنى من المتوسط العالمي للزيادة السكانية في تعداد شعوب العالم الثالث، كذلك ارتفعت ديون الدول النامية للمؤسسات المالية الدولية والدول المتقدمة إلى أكثر من 2.6 تريليون دولار عام 2000. واليوم يعتمد 1.2 مليار نسمة في معيشتهم على أقل من دولار واحد في اليوم، ونحو 1.6 مليار آخرون على أقل من 2 دولار يوميا، ويواجه الجوع المرير حوالي 800 مليون نسمة، وتحلم منظمة الأغذية والزراعة الدولية بخفض عدد الجوعي إلى نصف هذا الرقم بحلول عام 2015. ولا تزال مشكلة نقص المياه النقية بالغة الحدة في الدول النامية، وهناك 1.2 مليار من البشر محرومون من مياه الشرب النظيفة، وضعف هذا الرقم لم تمتد إليهم خدمات الصرف الصحي حتى الآن، ويعاني نحو 1.6 مليار نسمة من الحرمان التام من الكهرباء ومعظمهم يعيشون في جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى وبعض أرجاء شبه القارة الهندية، بينما يفتقر ملياران من البشر إلى الخدمات الصحية المناسبة بسبب مشاكل التمويل بصفة أساسية. وفي مجال البيئة ليس هناك التزام جاد من جانب دول عديدة، ومنها الولايات المتحدة، باتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بتغيير المناخ التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، أو بروتوكول كيوتو لعام 1997 الخاص بمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري وتآكل التربة، أو حتى باتفاقية بازل الخاصة بالنفايات الخطرة. وفي السنوات العشر الماضية دمر 90 مليون هكتار من أراضي الغابات مما يهدد بانقراض كثير من الكائنات الحية، واستمرار عجز نحو 110 دول فقيرة عن مواجهة مشاكل الجفاف والتصحر وبخاصة بعض دول الساحل الأفريقي. سلبيات العولمة نحن نجزم بأن مفاهيم العولمة مغرضة في ظل استمرار التمييز العالمي بين الأغنياء والفقراء، والصعوبات الكبرى التي تواجه الدول النامية لسداد أو تسوية ديونها الخارجية، وتدبير استثمارات التنمية، وتسويق صادراتها إلى الأسواق العالمية، وغياب التعاون بين مجموعة الدول ال77 والدول المتقدمة، وبخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لحل هذه القضايا الخلافية. ولا يجد كوفي أنان، السكرتير العام للأمم المتحدة، استجابة عملية لمطالبه برفع مساعدات الدول المانحة لتنمية العالم الثالث من 54 مليار دولار حاليا إلى مائة مليار دولار سنويا. وتكتفي الولايات المتحدة بالإصرار على وجهة نظرها التي تعتبر أن البديل العصري لمساعدات التنمية هو تحرير التجارة الدولية وفتح الأسواق وتشجيع الاستثمارات الدولية والخاصة في الدول النامية، كما تبدي واشنطن استعدادها لرفع قيمة مساعداتها من 11 إلى 15 مليار دولار سنويا، وتصر على توجيه جزء أساسي من مساعداتها الاقتصادية للقطاع الخاص في الدول الفقيرة زاعمة أن حكومات تلك الدول تسيء استخدام وتوجيه المساعدات وتصمت عن اختلاس بعضها !!! وتطلب واشنطن كذلك ضمانات دولية ووطنية لاستثماراتها المالية في الدول النامية !!! وبغير شك فإن إدارة جورج بوش تضع مصالحها الحيوية والأمنية قبل مصالح العالم الثالث وسلامة البيئة العالمية، وتعطي لحرب الإرهاب الحالية بالقوة العسكرية أسبقية فائقة، وتتجاهل مكافحة الفقر الذي يشكل أحد دوافع التطرف الداخلي والإرهاب الدولي. وفي إطار الهيمنة الاقتصادية، تفرض واشنطن خدمة مصالحها التجارية أولا، وتربط بين مساعداتها الإنمائية وفتح أسواق العالم الثالث على مصراعيها للمنتجات الأميركية بأسعارها التي لا تقبل المنافسة بفضل الدعم الحكومي للإنتاج الزراعي والقيود الحمائية وقياسات الجودة التي تفوقت فيها الولايات المتحدة. وعندما تطالب بعض شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية بفائض إنتاج الحاصلات الزراعية في الدول المتقدمة لعلاج مآسي الجوع، ترد واشنطن بأن زراعة المزيد من الأراضي وتخصيبها أفضل من تلقي مساعدات الغذاء، مع أن الأمرين معاً مطلوبان للغاية وسوياً، وبخاصة لأن الأميركان يعدمون بانتظام جزءا من إنتاج الأغذية حفاظا على أسعار تسويقها !!! وتبدو أوروبا الغربية أكثر مرونة وأقل تعقيدا من الولايات المتحدة في عصر جورج بوش الابن، فقد وافقت على تقديم مساعدات إنمائية تصل إلى نحو 26 مليار دولار سنويا بدءا من العام المقبل لترتفع قيمة مساعداتها إلى 0.39% من دخلها القومي، أي أقل من نصف في المائة !! لكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معا يرفضان التفاوض في مسألة خفض الديون الخارجية لدول العالم الثالث، ويريدان ربط مساعداتهما بالتطور الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، ومقاومة الفساد، واحترام أنظمة الحكم لمبدأ الشفافية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وهي شروط عقلانية إذا طبقت بمعايير ثابتة على كل دول العالم، ودون ازدواجية تحركها المطامع الغربية، وبخاصة الأميركية، للهيمنة على ثروات دول العالم الثالث وبخاصة في شرقنا الأوسط الكبير، وتحاول المجموعة الأوروبية المتوسطية، التي تقودها الدول الأوروبية المطلة على حوض البحر المتوسط، أن تفرض على الدول المنتجة للبترول، وبخاصة العربية منها، أن تتحمل 20% من تكاليف الأبحاث الدولية في مجال إنتاج الطاقة النظيفة والمتجددة التي يراد أن تشكل مواردها إجمالا 15% من الاستهلاك العالمي للطاقة في حدود عام 2010. ومن جهة أخرى فإن الأمم المتحدة التي تطالب بتنمية إنسانية مستدامة، وبتطوير مستويات المعرفة والتكنولوجيا في العالم الثالث، والارتفاع بخدمات التعليم والصحة والإسكان فيها، لا تلتزم بعض مؤسساتها بهذه الشعارات الجميلة، فصندوق النقد الدولي يفرض قيودا كبرى على اقتصاديات الدول النامية لتبني سياسات معينة تطبق أسس اقتصاد السوق الحرة والخصخصة، ولا تهتم بالعامل الاجتماعي وتركز على التغلب على الركود والكساد، كما يعتبر الصندوق أن مهمته الأولى هي أن يستعيد الدائنون الأغنياء ما قدموه من القروض لدول العالم الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين قبل أية اعتبارات اقتصادية أو اجتماعية أو إنسانية، ودون أن يوضع في الاعتبار ما أحدثه الاستعمار، وما قام به الاستعمار الجديد والامبريالية من استنزاف رهيب لثروات العالم الثالث وخاماته ومواده الأولية. أما اتفاقية منظمة التجارة العالمية فهي تحرم الدول النامية من فرض أية قيود حمائية لإنتاجها الوطني، الزراعي والصناعي، وهو ما فعلته الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والصين واليابان في عهود سابقة، بينما تقف الاتفاقية عاجزة عن تسهيل دخول الصادرات الزراعية للدول النامية إلى الأسواق الأميركية والأوروبية، وعن مواجهة الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات، التي تخدم الهيمنة الغربية على اقتصاديات العالم، ومنها خمس شركات، إحداها شركة الوقود النووي البريطاني تدر أرباحا سنوية تفوق الناتج القومي لعدد 46 دولة فقيرة. ويحق لنا أن نتساءل صراحة عن مدى احترام المصالح المشتركة والهموم الإنسانية للبشر، مع بداية القرن الحادي والعشرين، من جانب أهل الشمال، وأبناء الجنوب، وعن حقيقة القواسم المتفق عليها عالميا لحماية البيئة والرقي بأحوال البشرية، وبخاصة بعد ما وصلت إليه اجتماعات المنظمات غير الحكومية في جنوب أفريقيا من اقتناع بأن قمة جوهانسيرغ، كسابقتها في ريو دي جانيرو، لن تسفر عن غير خطة عمل غير ملزمة لدول العالم، وعن سياسات نظرية لن تخفض تلوث البيئة الذي تعتبر الدول الغنية مسئولة مباشرة عن تفاقمه، وبخاصة في الفترة بعد الحرب العالمية الثانية. وباختصار ستبقى الهيمنة الغربية سمة العولمة لسنوات طويلة مقبلة، ولن يتحقق الاندماج العالمي المتوازن في وقت قريب. مشكلة المياه ينعقد المؤتمر الدولي للمياه على هامش قمة الأرض في جوهانسيرغ، والمياه هي أخطر مشكلة عالمية في العقدين المقبلين، لذلك تطالب أغلب الدول المشاركة في القمة أن يتحقق عام 2015 خفض أعداد الذين يحتاجون المياه النقية، ويفتقرون إلى نظم الصرف الصحي، ولا يجدون الرعاية الصحية المناسبة إلى النصف، لكن الولايات المتحدة تعارض هذا الهدف بسبب تكاليفه الاقتصادية التي تصل إلى 9-10 مليار دولار سنويا في مجال مياه الشرب النقية وحدها، ولرغبتها في تجنب الالتزام بأي برامج زمنية محددة في هذا المجال أو حتى بالنسبة لمصادر الطاقة النظيفة كالرياح والطاقة الشمسية. ويتناسى الأميركيون أن 40% من سكان العالم يعانون حاليا من الفقر المائي، وستزيد النسبة عام 2025 إلى 54% ، ويتجاهلون أن قتلى مياه الشرب الملوثة زادوا عن 2.3 مليون نسمة عام 2000، وأن توفير المياه النقية لسكان المعمورة سيخفض نسبة الإصابة بالأمراض المعدية بنحو 25 % !!! ومن جهة أخرى عارضت مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق اقتراحا أردنيا-إسرائيليا مشتركا بعد أنبوب مياه من خليج العقبة إلى البحر الميت لتوليد الطاقة الكهربية وإعادة الحياة البيولوجية إلى البحر الميت وإقامة مشروعات بيئية منسقة على شاطيء البحر، وأكدت معظم الدول العربية رفضها لكافة صور التعاون الاستراتيجي والاقتصادي مع إسرائيل قبل قيام الدول الفلسطينية. تعاون دول الجنوب لا يمكن أن يسفر مؤتمر جوهانسيرغ عن نتائج عملية جيدة في مجالات الحد من الفقر وحماية البيئة ومواجهة التزايد السكاني وتقليص الديون الخارجية مع غياب التعاون الاستراتيجي الوثيق بين دول الجنوب ذاتها بحيث تشكل المجموعات المتناسقة جيوبوليتيكيا وجغرافيا تكتلات سياسية واقتصادية قوية قادرة على مواجهة خطط الهيمنة الغربية على اقتصاديات العالم المعاصر، وبخاصة بعد ما آل إليه حال الأمم المتحدة التي أصبح دورها ثانويا في تحقيق ما نص عليه ميثاقها من تعاون دولي منشود يخدم أهداف السلام والتنمية والأمن الجماعي لشعوب العالم. وهنا نشير بوجه خاص إلى تباطؤ دول الجامعة العربية في إنجاز تقدم حقيقي في جهودها المتعثرة لتحقيق التكامل الاقتصادي وبناء استراتيجية منسقة لأمنها الجماعي على الرغم من إبرام معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي في إطار الجامعة عام 1950 !!! وننتظر أن ينهض الاتحاد الأفريقي برسالته في إنقاذ القارة البكر من الجفاف والتصحر والجوع وتلويث البيئة والاستغلال الماهر للمجاري المائية السطحية والمياه الجوفية، والحفاظ على التنوع البيولوجي كأساس للتنمية المستدامة وفق معايير بيئية سليمة، على أن يتم الاعتماد على الإمكانيات الذاتية للدول الإفريقية بالدرجة الأولى قبل انتظار المعونات الأجنبية. ويمكن أن يؤدي إحياء جامعة الدول العربية وبناء الاتحاد الإفريقي إلى تغيير جذري حقيقي في التوازنات والعلاقات الدولية بصورة تسمح بنجاح نسبي للقمة الثالثة القادمة للأرض!! ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط