لا يتوقع الخبير الاقتصادي الدكتور فاروق دواس استاذ الاقتصاد بجامعة الازهر بغزة مدير عام وزارة المالية الفلسطينية ان تحقق قمة الارض في جوهانسبرغ اي تقدم في التنمية المستدامة للدول الفقيرة وانها ستقتصر على مجرد بيانات وقرارات. وتحدث في حوار خاص ل«الملف السياسي» حول معوقات التنمية في الارض الفلسطينية ومعظمها جراء سياسات الاحتلال الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني اضافة الى غياب سياسة السلطة الفلسطينية عن تحقيق هذا الموضوع واعتبر الدكتور دواس ان سبل اصلاح الوضع الاقتصادي الفلسطيني يجب ان تنطلق من اصلاح سياسي بداية ثم القضاء على الفساد المالي والاداري في كافة مؤسسات السلطة. وقال لا اعتقد ان هناك امكانية حقيقية سواء لقمة الارض في جوهانسبرغ او غيرها لها علاقة بالعولمة امام العالم الثالث في ظل العولمة الراهنة بكل مفاهيمها الظالمة ان تقود الى مخرج للتنمية المستدامة وهذا ينطبق ايضا على فلسطين. واضاف ان المشكلة الفلسطينية ليست احتلالاً اسرائيلياً للارض وحسب، رغم ان وجود الاحتلال له دور جوهري جداً فقد ترتب على حرب 1967 واحتلال ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية تخطيط اسرائيلي بتكييف الاقتصاد الفلسطيني بما يستجيب لمتطلبات السوق الاسرائيلي الاكثر تطورا بمعنى ان السلطات الاسرائيلية ومن خلال وسائل الاحتلال المباشرة قد دمرت البنى التقليدية كالقطاعات الزراعية عبر مصادرة اجزاء من الارض الزراعية وإقامة مستوطنات عليها وتسرب نسب كبيرة من الطلاب من مدارسهم وانخفاض المستوى التعليمي الاكاديمي بشكل كبير في الفترة ما بين 67 ـ 1994 بالمقارنة بالاعوام السابقة حيث كان التعليم هو رأس المال الاساسي الفلسطيني في التنمية ودمرت اسرائيل ماهو قائم في الزراعة وكذلك الصناعة الفلسطينية ووافقت على انشاء صناعات صغيرة لم تكن لها وكلاء. فبينما شجعت الوكالة الاسرائيلية المصانع والاعمال في الارض المحتلة بما يتوافق والسوق الاسرائيلي وعلى سبيل المثال فقد كان الاحتلال يشجع زراعة التوت الارضي لمدة شهرين او ثلاثة ثم يعمل على القضاء عليه باجراءات احتلالية وامنية تتصل بشروط الزراعة والتصدير.. الخ. ومثال آخر هو قطاع النسيج وايضا اعاقت سلطات الاحتلال اقامة اي صناعة وطنية بإمكانها ان تقود في المستقبل الى تنمية اقتصادية مستدامة او ان تشكل اساسا حقيقيا لدولة فلسطينية مستقلة وان ذلك كان مقنناً عبر اوامر وقوانين عسكرية مرتبطة بالذرائع والحجج الامنية وفي نفس الوقت يتوافق مع صلب السياسات الاقتصادية الاسرائيلية بشقيها النقدي والمالي والسياسات التجارية.. الخ. لدرجة انه حتى عام 1994 كان قرابة 85 ـ 86% من الميزان التجاري. مرتبط باسرائيل وهو لايزال كذلك مع الاسف مع اختلال شديد لصالح الطرف الاسرائيلي الذي فرض ان يكون المنفذ الوحيد للمناطق الفلسطينية قبل اوسلو وبعدها مع العالم الخارجي وبما يستجيب للسياسة الامنية الاسرائيلية ولعل الاسوأ من ذلك الاستجابة للاستراتيجية الاسرائيلية القائمة على عرقلة امكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في الشقين السياسي والاقتصادي على السواء. وجدير بالذكر انه لم يسجل منح اي ترخيص لصناعات جدية للفلسطينيين في قطاع غزة ولاحتى لصناعات صغيرة تفي ببعض حاجة المستهلك الفلسطيني وذلك لفرض تفوق الصناعة الاسرائيلية وفرض احتكار السوق وليظل الاقتصاد الاسرائيلي مسيطراً على الاقتصاد الوطني في الضفة الغربية وقطاع غزة وهو أقل تطوراً، كما لوحظ ان كثيراً من مصانع النسيج الفلسطينية فشلت في منافسة الصناعة الاسرائيلية داخل الاراضي الفلسطينية مما جعلها تغلق ابوابها في ذات الوقت الذي استقطبت فيه اسرائيل مئات الالاف من الايدي العاملة الفلسطينية، وحتى عام 1994 كان عدد العمال الرسميين لدى السوق الاسرائيلية في قطاع غزة وحدها قد وصل الى 150 الف عامل وهناك عدد كبير ايضا من العمال غير الرسميين الفلسطينيين انغمسوا في الصناعات والسوق الاسرائيلية وعليه ذهبت قوة العمل الوطنية الى اسرائيل وفي ذات الوقت كان خير هؤلاء العمال ومدخولاتهم تعود على الاقتصاد الاسرائيلي لان المواطن الفلسطيني مستهلك صناعة وبضائع اسرائيلية. ورافق كل ذلك منع الاستيراد الا عبر وسطاء او تجار اسرائيليين قبل وبعد اوسلو حيث انه بعد تولي السلطة فإن الاستيراد مقنن باتفاق باريس الاقتصادي وهو الملحق الاقتصادي لاتفاق اوسلو السياسي. ولذلك بعد قدوم السلطة الفلسطينية واجهت فعلا بنى اقتصادية مدمرة ومتخلفة الى حد كبير وكذلك البنى التحتية الاساسية كالطرق والمواصلات وتقطيع أوصال المدن والمجمعات كالمدارس والصحة العامة والمشافي والمكتبات والثقافة العامة. وقد وجدت السلطة هذا في معظمه مدمراً وهنا كان جوهر السؤال. ـ هل توفرت الامكانية لتنمية مستدامة في الاراضي الفلسطينية؟ ـ في الواقع فإن المسئولية الاساسية في عدم اقامة تنمية مستدامة في الاراضي الفلسطينية تقع على الاحتلال الاسرائيلي كونه بالاساس لديه استراتيجية تريد اعاقة نمو تنمية مستدامة في فلسطين ولذلك لو توفرت تلك التنمية فيمكن القول بإمكانية تحقق الاستقلال السياسي ونحن نعتقد انه لم يكن لاسرائيل بالمطلق اي هدف للمساعدة لبناء مقومات كيانية او هوية او دولة فلسطينة مستقلة لكن لايجوز ان ننكر ايضا ان المتنفذين في السلطة الفلسطينية لا يملكون اي تصور للتنمية المستدامة بل خضعوا بالكامل لمتطلبات الجانبين الاسرائيلي ولشروط واملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ناهيك عن استمرار ما يعرف بهدر المال العام الفلسطيني حيث يقارب سنويا من 80 مليون الى مليار دولار ويقصد بالهدر العام هنا عدم ترشيد النفقات الفلسطينية. ومن ناحية اخرى فإن الخلل القائم في الموازنة الفلسطينية منذ عام 1994 ايضا من العوامل الجوهرية لتعطيل التنمية المستدامة، فعلى سبيل المثال فإن قرابة 36% من الموازنة يصرف كنفقات على الاجهزة الامنية والعسكرية والشرطة الفلسطينية مع انه ليس لدينا جيش حقيقي وهذا الرقم يعتبر مذهلاً اذا قيس بموازنة التربية والتعليم التي لا تزيد على 17% ولا موازنة الشئون الاجتماعية الى لا تزيد على 5% والصحة العامة 8.9%. وكانت الايرادات الداخلية تغطي الموازنة الفلسطينية عشية الانتفاضة الراهنة باستثناء الانفاق التطويري. ويصل إلى السلط قرابة 990 مليون دولار كايرادات اضافة الى 360 مليون دولار عام 99 قادمة من الدول المانحة من اجل الانفاق التطويري. وكان حوالي 66% اي نحو 600 ـ 660 مليون دولار ينفق على المرتبات والنثريات ولم تشكل الموازنة التطويرية من هذا الا 6% اي قرابة (38 ـ 40) مليون دولار. فاذا اكدنا ان الوضع الفلسطيني في حالة يرثى لها ولا يمكن مواكبة القرن ورغم ذلك لم يكن هناك نية حقيقية لدى صانع القرار الاقتصادي الفلسطيني لمكافحة مشكلتي الفقر والبطالة. ـ كيف تربط بين الظرف السياسي والحالة المشار اليها؟ ـ نعتقد ان الانتفاضة الحالية جاءت اثر تراكم يومي لدى الشعب الفلسطيني تحول الى شيء نوعي لتعيد للبرنامج الوطني الفلسطيني الاعتبار والهيبة في ظل تبخر الاحلام بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس ووعود بانتعاش اقتصادي على طريقة سنغافورة او هونغ كونغ وكان رد الفعل الاسرائيلي على هذه الانتفاضة في معظمه تدمير المنشآت المدنية والبنية التحتية الفلسطينية وكذلك كان العدوان من حصار واغلاق للمناطق منهجا يقوم على تدمير ما تم تشييده في الفترة من 94 وحتى عام 2000. واذا كان حجم الخسائر الفلسطينية قياسا للناتج المحلي الاجمالي عام 2000 المقدر ب5.5 مليارات دولار فإنه بكل المقاييس هناك حوالي 50% دمار وخسائر فلسطينية من الناتج المحلية اما على الجانب الاسرائيلي فالناتج المحلي السنوي عندهم يزيد على 100 مليار دولار سنويا واذا كانت خسائرهم 12 ـ 13 مليار شيكل فمعنى ذلك انها لا تشكل من الناتج المحلي الاجمالي سوى 4%. ـ أين المشكلة في رأيك؟ ـ في تقديري ان المشكلة في البرنامج الوطني الرسمي فهو غير واضح ولا محدد الملامح اذ لا يوجد اجماع وطني فعلى حول القضايا الفلسطينية في وقت استطاعت حكومة اسرائيل استغلال الظرف العالمي بعد احداث 11 سبتمبر الى اكبر درجة ممكنة لصالحهم وبات الامر وكأن اسرائيل هي التي تملي على الولايات المتحدة سياساتها وليس العكس وباتت الاخيرة تتبنى وجهة النظر الاسرائيلية في مفهوم الارهاب بمعنى ان الدول والانظمة لا يمكن ان تكون ارهابية ومن هنا ينسحب هذا المصطلح على الافراد والجماعات وبذلك لا يجوز تجريم اسرائيل كونها تقع في حالة ارهاب الدولة واسرائيل والولايات المتحدة من الدول القليلة في العالم التي لم توقع على اتفاقية محكمة الجنايات الدولية ويرفضون تقديم المسئولين من وزراء وعسكريين في اي حال لمثل هذه المحكمة سواء كان الجندي في كوسوفو او في الضفة الغربية وقطاع غزة. ونحن نعتقد ان جزء من المشكلة يكمن في بعض الدول العربية التي وقعت تحت وهم غض الطرف او السكوت او المشاركة بشكل أو بآخر.. الولايات المتحدة في حربها ضد ما يسمى بالارهاب بالمفهوم الاميركي للكلمة. ونحن بحاجة الى صحوة عربية وليس فلسطينية فقط لنقف ونقول اين نحن اليوم في هذا العالم في الوقت الذي تهدد الولايات المتحدة واسرائيل العالمين العربي والاسلامي حيث يجري الحديث عن مخططات جديدة ومحاولة أميركية لرسم جديدة للمنطقة العربية عبر تغيير انظمة حكم وخلافه.. واعتقد ان هناك امكانية عربية للوقوف في وجه السياسة الاميركية ضدنا في العالمين العربي والاسلامي ومن ذلك اتخاذ خطوات جديدة وانتهاج سياسات تؤثر فعلا على السياسة الاميركية الخارجية ومن ذلك مثلا سحب الودائع والارصدة العربية وهي بمئات المليارات من البنوك الاميركية وهذا حق لا يمكن الغاؤه وفقا لانظمة العولمة المالية. (وهذا حدث فعلا في جنوب شرق آسيا حيث قام جورج سورس وكبار رجال المضاربة المالية بسحب اموالهم من الولايات المتحدة) وان يجرى استثمار هذه الاموال داخل البلاد العربية وهذا يجعلنا نتقدم بخطوات كبيرة للامام في شقين الأول التنمية الاقتصادية المستدامة وثانيا ورقة ضغط حقيقية على السياسة الاميركية في المنطقة والتأكيد للادارة الاميركية بإمكانية تهديد مصالحها في المنطقة العربية اذا استمرت في سياسة الانحياز لاسرائيل في سياستها التدميرية التوسعية ضد الشعب الفلسطيني وكبح جماحها. وانا ادعو الى تنفيذ قرارات مؤتمر القمة العربية في عام 2000 لانشاء منطقة تجارية عربية حرة الأمر الذي يؤدي الى تحسين التجارة البينية بين الدول العربية التي لاتزيد حتى الآن عن 8 ـ 10% وهي نسبة متدنية جداً رغم توفر سوق عربية واسعة جداً. واعتقد بوجود امكانية لاشكال من التكامل الاقتصادي العربي لانه من ناحية موضوعية متوفرة بحكم البيئة ـ المناخ ـ اللغة المشتركة وعوامل التراث العربي الاسلامي وعوامل ثقافية وحضارية وهناك مخاطر عدونا المشترك وهو اسرائيل. وبكل وضوح انا لا احلم لأتحدث عن نقد عربي مشترك في هذه المرحلة ولا عن تكامل اقتصادي يصل الى حدود عليا لكن الامكانية موجودة لانشاء مناطق حرة والحد من البطالة العربية العالية كما في فلسطين والاردن. ـ هل ترى جدية في التوصل لانقاذ العالم الفقير؟ ـ موضوعيا اعتقد ان تعليقات المنظمات غير الحكومية حول قمة الارض صحيحة ودقيقة خاصة عدم جدية التوجه لخلق تنمية مستدامة وحل مشاكل دول العالم الثالث لاسباب عديدة منها ان الولايات المتحدة الاميركية تريد عولمة بالمفهوم الاميركي فقط وليس بالمفهوم الأوروبي وهي مازالت ترفض الشكل الانساني لهذه العولمة التي يأكل فيها القوى الضعيف وتحاول بعض الدول الأوروبية (عقلنة) بعض جوانب العولمة لكنها تصطدم بالولايات المتحدة، ففي موضوع دعم الزراعة العالمية مثلا مازالت اوروبا تقدم دعما للزراعة وهي تقوم بعوائق جمركية لانها تريد حماية الزراعة الوطنية وهذا ليس من صالح الولايات المتحدة لأن 90% من مزارع الموز في اميركا اللاتينية ملكيتها تعود لاثرياء اميركيين وعليه يمكن اعاقة دخول الموز بالسعر الذي تريده الولايات المتحدة الاميركية الى اوروبا لان هناك حماية للزراعة الوطنية الأوروبية. وانا كمدير احدى المنظمات غير الحكومية (مركز الدراسات العمالية) المختصصة بقضايا العمل والعمال أؤيد التوجه السائد في مؤتمر جوهانسبرغ في قضية حقوق افضل للعمال في الاجور وحقوق المرأة والتقاعد، ونقول انه يحق للعامل ان يعيش حياة حرة كريمة وحقه الطبيعي في العمل ولماذا يكون الفرد فقيراً وعاطلا لانه كما قال الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه «الفقر في الوطن غربه». ونلاحظ ان الولايات المتحدة مازالت تسوق مفاهيمها حول العولمة الاقتصادية والامنية والسينمائية والدعاية وتقوم باعادة اشكال مقززة من الاحتكارات تحت ستار المنافسة. وعليه فإن المنظمات غير الحكومية وجزء كبير من مجموعة الـ 77 تميل الى وجهة النظر المدافعة عن حقوق المرأة والعمال والحق في الحياة الحرة الكريمة ومكافحة الفقر والبطالة والتنمية المستدامة.