اسقط الاعلام سهوا! الحقيقة الوحيدة التي بلعتها قمة الارض الثانية في جوهانسبيرغ دون ان تخرجها، او تنطق بها وهي ان العالم يمعن في قتل الارض وسفك دمائها، لتواجه نتيجة وحيدة لا ثانية او اكثر لها وهي فناؤها. على ضوء ما حصل بعد قمة الارض الاولى في ريو دي جانيرو عام 1992، والقمة الثانية قبل ايام في جوهانسبيرغ، بما هو متوقع حصوله بعدها، يجمع العلماء على ان الارض ستفني نفسها بنفسها، وفي احسن الاحوال سيحتاج العالم الى كوكب آخر مماثل لها لتلبية حاجات مليارات السكان في العام 2050، وربما في 2032 حسب توقعات الامم المتحدة نفسها. الارض والبشر الى اين بعد جوهانسبيرغ؟ ثلاثة خبراء من بينهم وزير البيئة في لبنان الدكتور ميشال موسى يجيبون ويتوقعون. خطوات أبطأ من المتوقع ـ فالى اي مدى كان بالامكان التفاؤل بأن تقلب «قمة جوهانسبيرغ» طاولة الاحباطات والفشل في تحقيق ما سبق وقررته قبل عقد من الزمن «قمة ريو دي جانيرو» حيث بقيت توصياتها واقتراحاتها، بغالبيتها المطلقة، مجرد حبر على ورق؟ الاعلامية المتخصصة بشئون البيئة والتنمية مي اليان رزق «من اسرة صحفية النهار» في بيروت، ترد ملتقطة بعض الجوانب التي تضييء الجواب: «لنعد بالذاكرة قليلا الى الوراء لنتمكن من تفسير ما حصل لاحقا، ولغاية الآن مع «قمة الارض الثانية». ففي ختام اعمال مؤتمر القمة الاولى صدر «اعلان الريو» الذي تضمن 27 بندا، دعت الدول المشاركة الى وجوب العمل على تغيير تعاملها مع البيئة والتنمية، وتبني فكرة التنمية المتواصلة وجعلها محور خطة عملها في القرن الحادي والعشرين. واسفر هذا الاتفاق عن برنامج طموح لتنفيذ ما اتفق عليه سمي «الاجندة 21» التي اعتبرت وثيقة لخطة عمل في ميادين النشاط الاقتصادي ومباديء التنمية التي تتوافق ومتطلبات استمرار الحياة على الارض. في موازاة ذلك، وقعت اكثر من 150 دولة معاهدتين، تتعلق احداهما بارتفاع حرارة الارض والاخرى بالتنوع البيولوجي. وهدفت الاولى التي اقترحتها الدول الاوروبية ورفضتها واشنطن، الى مكافحة ارتفاع درجات الحرارة في انحاء العالم عن طريق الحد من انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الدفيأة من دون تحديد جدول زمني، ودعت الاخرى الى المحافظة على انواع الحيوان والنبات المهددة بالانقراض. ورغم الضغوط والانتقادات التي واجهت الولايات المتحدة، فقد اكتفت حكومة الرئيس جورج بوش الاب بتوقيع المعاهدة الخاصة بالمناخ، بحجة ان التزام المعاهدة الاخرى سيضر الصناعات الاميركية القائمة على التكنولوجيا الحيوية، وسيفقد عشرات الآلاف من الاميركيين وظائفهم في الصناعات الكيميائية المتطورة. وفي تقويم لنتائج مؤتمر الريو بعد مرور عشرة اعوام على انعقاده يجمع المتابعون للشأن البيئي العالمي على ان ما احرز من تقدم لتحقيق الاهداف سار بخطوات بطيئة اكثر مما كان متوقعا، وباتت الاوضاع اسوأ في بعض الحالات مما كانت عليه. فحال البيئة لا تزال هشة، والتدابير التي اتخذت لحمايتها لا تزال مرضية، وخصوصا في البلدان النامية. وتجلت الفجوة في التنفيذ في اربعة مجالات: 1ـ اعتماد نهج غير متكامل ازاء التنمية المستدامة. 2ـ لم تطرأ تغييرات رئيسية منذ مؤتمر الريو على الانماط غير المستدامة للاستهلاك والانتاج التي تعرض النظام الطبيعي للخطر. 3ـ ثمة افتقار الى سياسات او برامج تتوافق مع مجالات المال والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتنمية المستدامة. ففي عالم آخذ في العولمة اصبحت ضرورة التماسك في هذه السياسات اكثر اهمية من ذي قبل، ورغم ذلك فإن السياسة المتبعة ازاء القضايا لا تزال ناقصة وتحكمها الاعتبارات القصيرة الاجل اكثر من الاعتبارات الطويلة الاجل لاستخدام الموارد الطبيعية في شكل مستديم. 4ـ نقص في الموارد المالية لتنفيذ «الاجندة 21» فمنذ عام 1992 انخفضت المساعدات الانمائية الرسمية واتسمت التدفقات الموجهة للاستثمار الخاص بالتقلب، فلم تفد سوى بلدان وقطاعات قليلة. لتضغط الدول والشعوب تلك «الخطوات البطيئة» حسب تعبير الاعلامية رزق، جاءت ردة فعل ولم تكن فعلا بحد ذاته في اية لحظات، وذلك نتيجة اسباب عديدة افتعلتها بشكل خاص الدولة المفصلية الوحيدة القادرة على اي امر، في الافق على الاقل، هي الولايات المتحدة الاميركية التي تصرفت مع تطبيق قرارات القمة الاولى حسب مبدأ شعبي عربي يقول: «حاميها حراميها»! لكن قبل بلورة ابرز تلك الاسباب، لابد من سؤال اسرع للطرح: هل هي الاسباب نفسها التي ستتواصل لتحول مؤتمر جوهانسبيرغ الى «قمة الخيبة الثانية»؟ وزير البيئة الدكتور ميشال موسى يجيب بقوله: «لا يمكننا تقويم القمة الاولى لانها كانت تؤسس لعمل ما، وقيل آنذاك ان الارباك كان سيد الموقف على المستوى العالمي نظرا لعدم توافر تنظيم ناجح لها. لكنها تعتبر الخطوة الاولى في هذا المجال ولم تسبقها تجربة سابقة للمقارنة بها. فهي وضعت اسسا للدول المشاركة كي تستطيع التحضير للقمة الحالية. اما التقويم في القمة الثانية جوهانسبيرغ فمهم، وذلك بفعل المقاييس التي وضعت في الاجندة 21 التي رسمت للدول بغية معرفة التقدم الذي تحرزه عبر التقارير. وهذه الخطوة مهمة كي نستطيع معرفة ماذا حققنا منذ عشرة اعوام حتى اليوم، وأين نجحنا في هذا الموضوع واين فشلنا. اما ان نقول في المطلق انها فشلت، فهذا كلام غير منصف، لان بلدانا عدة حققت نجاحات وأخرى لم تنجح. المهم ان ثمة محطة جديدة كل عشرة أعوام لنقوم انفسنا مجددا، ونعدل برامجنا للسنوات المقبلة ضمن استراتيجية جديدة قد تكون مفيدة اكثر. وعلينا التنبه الى انه لا يمكننا ان نبقى في مواقعنا من دون ان نفيد في التغيرات والتطورات التي تحصل في الكون من النواحي السياسية والعسكرية والتكنولوجية وحتى الديموغرافية. كما انه لا يمكننا ان نجزم بأننا، بعد عشرة اعوام، سنتمكن من الوصول الى اهدافنا، الا اذا اخذنا بكل هذه التغيرات والتطورات التي قد لا تكون في الحسبان. ويجب الا يغيب عن بالنا ان تفكك الكتلة الشرقية شكل عاملا كبيرا في جذب العولمة الى مفهوم القوة الاميركية التي تفرض نفسها على الآخرين في اتجاه احادية القرار، فبعد احداث 11 سبتمبر اتخذ مفهوم العولمة بعدا مغايرا لناحية القرارات والعلاقات والتهديدات والاحتلالات. وان مفهوم العولمة ترك اثاره جلية على مسار الامور وعلى هذا النوع من المؤتمرات. والترجمة العملية لهذا الكلام تتجلى في اتفاق كيوتو للتغيرات المناخية والذي يواجه صراعات حول توقيعه وكذلك حول بعض بنوده ومنها طريقة تعويض الدول المتضررة والتي تنطلق من «ان الملوث يدفع»، علما ان الولايات المتحدة تمتنع عن توقيع الاتفاق بحجة انه يضر باقتصادها. قمة جوهانسبيرغ فرصة للضغط مجددا على الدول والشعوب لكي تحرز تقدما في كل المجالات». الضغط بتنفيذ الاتفاقيات ـ لكن هذا الضغط المطلوب كيف يمكن ان يكون؟ في اي اتجاه؟ ما هي وسائله؟ ـ يسارع الوزير موسى الى التوضيح بقوله: «لا يجب ان يكون الضغط سلبيا، بل يستند الى اساسين ايجابيين اولهما: قيام كل دولة بتنفيذ ما هو مطلوب على مستواها الداخلي، وعبر سياساتها واستراتيجياتها المحلية، والثانية: التزامها بالاتفاقية الدولية سواء لجهة الموافقة عليها وابرامها، او من ناحية وضعها موضع التنفيذ». ـ لنأخذ لبنان مثالا: هل قام بذلك الضغط النوعي بدءا بقمة «ريو دي جانيرو» وصولا الى «جوهانسبيرغ»؟ ـ د. موسى: «فعلا قمنا بذلك. فقد خطت الدولة اللبنانية خطوات متقدمة على طريق التقيد بالتشريعات الدولية الخاصة بالبيئة فأصدرت تباعا قوانين صادقت فيها على معاهدات وأبرمت اتفاقيات في مجالات بيئية عدة واتخذت تدريجيا الاجراءات والتدابير الآيلة الى تنفيذ مضمون هذه التشريعات حرصا منها على الموارد البيئية اللبنانية من جهة وعلى مواكبة المنظومة الدولية في جهودها المشتركة لدرء الاخطار المحدقة بالبيئة على المستوى المحلي الاقليمي والدولي والتي تهدد حاضر ومستقبل البشرية جمعاء. وتعي الدولة اللبنانية اهمية تحمل كل دولة قسطها من هذه المسئولية العالمية المشتركة والتي تتوقف عليها نوعية الحياة واستدامتها في آن. مفارقات «حوار الطرشان» لكن اقتراحات الضغط التي يطرحها الوزير اللبناني تبدو مثالية وطوباوية لا تأتي بجدوى. بدليل ان كل ما حققه لبنان (كدولة مثال توقفنا عنده)، لم ينفذه من انحداره اكثر فأكثر الى خانات غير مشجعة مثل: اتساع هوة الفقر فيه، والفاتورة الباهظة التي دفعها بسبب العولمة، و«تأديبه» و«معاقبته» بحجب المساعدات الدولية الكبيرة بذريعة جوفاء لكنها فاعلة ضده، تتحدث عن انتمائه لنادي الداعمين للارهاب والفساد، والتلوث، والانحدار التنموي نتيجة التفاؤل الداخلي الذي يظهر بين فترة واخرى (وغالبا ما يكون «بكبسة زر» من الخارج لتبرير عزله عن المسار الدولي سواء المقرر في قمتي الارض او سائر الاتفاقيات والقرارات والتوصيات. «كبسة زر» هذه هي نفسها التي كانت وراء الخطوات البطيئة بعد قمة ريو دي جانيرو، كما اشارت الاعلامية رزق، اذن لابد من تحديد اسباب تعثر قمة الارض الاولى بعدم تنفيذ قراراتها حتى لا تصيب العدوى مرحلة ما بعد قمة جوهانسبيرغ. أميركا «نيرون الأرض» تختصر تلك الاراء بعض ما رافق انعقاد قمة جوهانسبيرغ ومن ما قيل بداياتها حتى ما بعد نهاياتها وبالمختصر المفيد تبقى الولايات المتحدة المتهمة الاولى في خيبات الامل التي اعقبت قمة الارض الاولى وتلك المرتقبة (والحتمية بالنسبة للكثيرين) ما بعد جوهانسبيرغ. وفي رأي السفير نعيم محمد قداح (المستشار سابقا لبرنامج الامم المتحدة للبيئة) ان الولايات المتحدة لا تكتفي باحباط محاولات انقاذ الارض، لا بل تعمل على احراقها. يقول السفير قداح موضحا: «الامر يتعلق بارتفاع الاحتباس الحراري نتيجة غاز «ثاني اكسيد الكربون» فالعالمان البريطانيان الاستير فيتر ووالده ريتشارد، المتخصصان في علم الاحياء نشرا في شهر مايو الماضي بحثا حول الاحتباس الحرارى في مجلة العلوم البريطانية ووجد الاب والابن ان 16 بالمئة من نباتات اكسفورد شاير بالقرب من لندن اخذت بالتنوير ولتفتح بشكل مبكر في التسعينيات اكثر مما كانت عليه في العقود السابقة القراص الابيض، وهي نبتة صغيرة، دائمة، ازهارها بيضاء، اخذت تزهر سنويا في يناير بدل مارس مبكرة 55 يوما، الربيع يتبدل: كما يقول فيتر الابن هذا الاكتشاف ماهو الا الحلقة الاخيرة في سلسلة البيانات الجديدة حول التسخين الحراري التي تأتي من علماء الاحياء في حقولهم وليس من علماء المناخ بفقاعاتهم الجوية ونماذجهم الحاسوبية المقعدة في الماضي القريب تسلم الرئيس جورج دبليو بوش رسالة مشابهة على شكل تقرير اعدته ادارته نفسها حول وضع التغيير المناخي في الولايات المتحدة واستنادا الى ردة فعله فقد جاء التقرير كعاصفة ثلجية في يونيو 2002 وقال الرئيس: «قرأت التقرير الذي اخرجته البيروقراطية» (نيويورك يونيو 2002). ـ هل يمكن ان يكون حل المشكلة بانضمام اميركا الى «اتفاقية كيوتو» الهادفة الى التقليل من انبعاث الكربون، كما فعلت اليابان والدول الاوروبية مطلع يونيو الماضي؟ ـ السفير قداح: «المجموعات البيئية في الولايات المتحدة كانت تناقش اهمية كيوتو باعتبارها بداية عملية لمنع انبعاثات غاز الكربون مما سيتطلب متابعة قوية تتجاوز فترة انتهائها عام 2012. وقد هجر بعضهم هذا السبيل الآن واستنتج الاميركيون ان كل الجلبة حول كيوتو قد تسبب الضرر اكثر من النفع لقضيتهم، كيوتو لا تشكل في الحقيقة اولوية محلية كبرى كما يقولون ببساطة لاننا لا نظن انها هدف يمكن تحقيقه