ازاء جملة من العوامل والأهداف المشتركة لحماية الجنس البشري، والحفاظ على بيئته، فإنها ايضا، فرصة نادرة تجمع قادة دول العالم في قمة لمناقشة هدف مقدس يفترض ان يكون متفقاً عليه بين الغالبية العظمى من الدول، باختلاف سياساتها وميولها وأجناسها، ألا وهو دراسة الارض، ووضعها، ومدى امكانية التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية، وحماية البيئة، والتقدم الاجتماعي لستة مليارات من البشر، يعيشون على سطحها. ورغم تأكيد حكومات الدول الصناعية الكبرى على ضرورة التوصل الى اتفاقيات عملية لتحقيق اهداف التنمية المستدامة، ومكافحة الفقر في العالم، فإن سكان العالم لم يتوصلوا الى لغة واحدة للتفاهم، ويسود الاعتقاد بأن ذلك سوف يستمر لفترة طويلة، ما دامت الارض تعاني من العبء، وسوء الاستغلال حيث يتقدم منطق سيطرة رأس المال، الذي لا يأبه بمصالح الاجيال القادمة، ويتصرف في ثروات هذه الارض، وسط شعور جدي بالاحباط، من ان يتمادى «القوي» في افساد امكانات انتشال البيئة تماما كما يفعل في «السياسة». وتتجه دول العالم، نحو محور «النزعة التشاورية» استنادا لنقاط اساسية منها ان سبب الفشل في حماية البيئة والتنمية المستدامة، لا يكمن فقط في عالم السياسة والمصالح الاقتصادية وحدها، بل في عالم الفكر والروح اساسا، فإلى ان تنجح البشرية في نفض الغبار الرأسمالي وتخطي تياراته وصولا للحداثة الانسانية، ستواصل الحداثة الرأسمالية نهش الجسد والطبيعة والمخلوقات البشرية بلا رحمة والى ان تتمكن المجتمعات المدنية في العالم من تطوير عولمة بديلة اكثر انسانية، وأقل توحشا ستتابع العولمة المفترسة الراهنة تمزيق كل انسجة الحياة وبكل اشكالها. ولمعالجة هذه الامور، تنعقد قمة الارض الثانية، في جوهانسبرغ بين (26 اغسطس و4 سبتمبر) الحالي حول هدفي (البيئة والتنمية) اللذين كانا محور القمة الاولى في ريودي جانيرو، قبل عقد من الزمن، وقد يصبحان ايضا محوراً لقمم قادمة طالما كانت هناك حاجة قائمة وملحة لاطلاع حكام العالم، الاغنياء منهم قبل الفقراء، والاقوياء قبل الضعفاء، ان العالم مترع بالفقر والتلوث والمرض، وانه ليس هناك امل اذا ظلت بعض الدول تمارس هواية التخريب المفضلة، فلم يمر على البشرية في تاريخها المعاصر مكاشفة تصميم واصرار على التخريب المتعمد للحياة على الكوكب مثلما يحصل الآن ورغم وضوح ذلك فلم يستطع احد ان يحرك ساكنا، سوى قيام الاحتجاجات السلمية التي لم تعد فاعلة ولا تعطي ثمرا وعما قريب سوف تعتبرها القوى النافذة في العالم، شكلا من اشكال التخلف ونوعا من انواع الارهاب التي يجب التوقف عنها. والهدف من قمة الارض الثانية هو الحفاظ على الموارد الطبيعية والارض، والبيئة وضمان استدامتها ومن المفترض ان العالم يعيش في قرن واعد، وتقع على الدول وحكامها مسئولية تحويله الى قرن من التنمية المستدامة القابلة للاستمرار والتي تثري جميع الشعوب من خلال سبل اطلاق الامكانيات البشرية عبر خطوط التنمية الاقتصادية المتشابكة والقائمة على سياسات سليمة حيث ستراجع انجازات «قمة ريو عام 1992»، والتي يجمع المختصون على انها كانت عبارة عن جهود فاشلة في معظم المجالات، حين اتفقت 170 دولة على الخفض الطوعي للغازات الحبيسة المسببة لسخونة الجو، وثقوب الاوزون الى المستويات التي كانت عليها عام 1990، لكن انبعاثات الغازات الكربونية زادت بنسبة 9 في المئة عالميا، ومنذ قمة ريو تعهدت الدول بحماية التنوع البيئي ايضا، بيد ان تقارير الامم المتحدة لحقبة التسعينيات تشير الى ان 2.4 في المئة من غابات العالم، اختفت ودمرت، كما تم تدمير ثلث الشعب المرجانية واستنزاف 60 في المئة من محيطات الارض التي تعرضت الى استغلال فائض لثرواتها السمكية، وتعهدت قمة ريو ان يحصل جميع سكان العالم على مياه شرب نقية خلال عقد من الزمن، لكن لا يزال (1.1 مليار نسمة) يفتقرون الى الماء النظيف والصرف الصحي، ويزداد الطلب على الماء بنسبة الضعف كل 21 عاما، وتتوقع التقارير الرسمية للمنظمات الدولية ان يواجه نصف سكان العالم العطش عام 2025، وبالنسبة للأمراض والفقر، فقد تعهدت الدول في قمة ريو بالقضاء عليها بحلول عام 2015 ثم تم ارجاء ذلك لعام 2030، بعد ان تبين ان عدد المرضى والفقراء يزدادون باطراد، وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية الى انه يموت 2.7 مليون شخص سنوياً بسبب الملاريا، و3 ملايين شخص بسبب تلوث الهواء، و2.2 مليون شخص بسبب تلوث المياه، و60 مليون شخص اصيبوا بالايدز، وتنادي الأمم المتحدة الى ان العون التنموي في العالم يحتاج الى 100 مليار دولار كل سنة للوصول الى الهدف المنشود بخفض الفقر الى النصف بحلول عام 2015، ولكن المجتمع الدولي لم يظهر ارادته بتنفيذ القرارات المتفق عليها عام 1992 بهدف وقف الدمار البيئي والفقر وعدم المساواة والتحرك باتجاه تغيير تلك الاوضاع، بل مازال الموقف على ما هو عليه. وأمام ذلك، تصر الدول النامية على ان «قمة جوهانسبرغ» هي قمة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في «قمة ريو»، ولكي يتم هذا التنفيذ لابد من تحديد برامج والتزامات محددة تسمح بتنفيذ المقررات التي لم يتم تنفيذها، وتطرح هذه الدول فكرة وجود تلك الالتزامات بجداول زمنية محددة، في حين ان الدول المتقدمة والغنية تعارض ذلك، وتميل اكثر الى جعلها (صياغات) غير ملزمة وغير مرتبطة بأية جداول زمنية، ونتيجة لذلك وعلى مدى عشر سنوات فإن معظم ما اتخذ فيها من توصيات لم ير النور، وظل حبيس الأدراج لأسباب شتى أهمها تعارض تلك التوصيات مع مصالح الدول الكبرى، والتأجيل المستمر لتطبيقها بحجج واهية واسباب غير مقنعة، اضافة الى كونها تعالج قضايا يهم معظمها الدول النامية، وهي قضايا لا تمثل أولوية للدول الغنية، ومع ان وسائل الإعلام العالمية استطاعت ان توجه الرأي العام نحو الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية التي تبنتها، وان تؤثر فيها تأثيراً واسعاً، لكن قضايا البيئة لم تحظ حتى الآن بذلك الاهتمام المنشود وتلك الحملة الضرورية، فالواقع ان المباحثات تدور الآن حول المقاطع المختلف عليها في خطة تهدف الى التوفيق ما بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة وتطبيق توصيات الاجندة 21 التي تم تبنيها قبل عشرة أعوام في قمة ريو، فالمجال مفتوح أمام 189 دولة مشاركة في هذه المباحثات، لكن الحوار يحتدم بين أقطاب رئيسيين، الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وحليفاتها (اليابان واستراليا وكندا) ومجموعة الـ 77 للدول النامية، ومن الملفات الشائكة المطروحة هي الأهداف الجديدة المحددة التي يعتبرها الاوروبيون أساسية لمساعدة الدول الفقيرة على المضي في التنمية، والتي ترفضها الولايات المتحدة رفضاً قاطعاً بسبب معارضتها تقديم أي التزام تعددي، وتتعلق المباحثات ايضاً بخفض نسبة سكان الأرض الذين لا يحصلون على نظام صرف صحي مناسب للمياه بحلول عام 2015، ووقف تبديد المصادر الطبيعية والعمل على تنميتها وزيادة حصة الطاقة المتجددة، وتنقسم الدول النامية بشأن هذه الاهداف، فهي ترى في برامج العمل المتعلقة بالمياه والطاقة وتغيير أسلوب الانتاج والاستهلاك التي يقترحها الاتحاد الاوروبي بالتعارض مع الولايات المتحدة تدخلاً في الاستراتيجيات الوطنية للتنمية، كما وترغب الدول الفقيرة في زيادة وتحديد المساعدات الحكومية للتنمية، وفي الوقت نفسه خفض المساعدات المقدمة الى الزراعة في دول الشمال، لأن هذا الدعم يشجع تلك الدول على انتاج فائض زراعي يطرح في أسواق الدول الفقيرة بأسعار تقل عن كلفة الانتاج، ويتسبب ذلك في تدمير الزراعة المحلية وعجز الدول النامية عن بيع محصولها أو تصديره. لذلك، تسعى الدول النامية الى التركيز على مطالبها خلال القمة للحصول على المزيد من المساعدات وفتح اسواق الدول الصناعية امام صادراتها وتشعر الدول الصناعية الكبرى بالقلق ازاء التأثير المتوقع لفتح ابواب اسواقها امام الدول النامية، وان ذلك قد يعني ان الدول الصناعية سوف تتجنب الزام نفسها بتعهدات مالية تجاه الدول النامية اضافة الى انها سوف تعرقل المحاولات الرامية الى تحقيق تقدم ملموس تجاه القضايا التي سبق مناقشتها في قمة ريو، بجانب ذلك فيرى خبراء البيئة ان التوصل الى اتفاق بشأن مكافحة الفقر والتنمية المستدامة وحماية البيئة يعتبر ايضا امرا غاية في الصعوبة في ضوء اصرار الدول الصناعية والغنية على ضرورة ترشيد سلوك حكومات الدول النامية وتعزيز قدرتها على ادارة الموارد الطبيعية قبل تخصيص المساعدات لها لتحقيق التنمية المستدامة ويرتكز التشكيك في جدوى سياسات المعونات التي يتبعها عدد من الدول الكبرى على التخفيف من حدة الفقر وتحقيق اهداف التنمية المتواصلة نظرا لقصور الادارات الحكومية والفساد المنتشر في عدد من حكومات دول العالم الثالث ذلك ان قدرا كبير من المعونات التي تخصصها الدول الصناعية غالبا ما تضيع هباء لسوء الادارة وفي هذا الصدد يرى مسئولو الدول الفقيرة ان امرا كهذا يمكن ان يعتبر تدخلا في شئونها الخاصة ولا داعي لادراجه ضمن شروط ومحددات، بل وتعتبر ان «الدول الصناعية الغنية» اخلت بتعهداتها تجاه الدول النامية وان عدد الفقراء في العالم لم يتناقص بصورة ملحوظة رغم معدلات النمو المرتفعة التي تحققت بالدول الصناعية الكبرى خلال السنوات الاخيرة الامر الذي يشير للتداعيات السلبية والخطيرة لاستمرار مشكلات الدول النامية الامر الذي يغذي مشاعر الكراهية والغضب في هذه الدول تجاه الدول الصناعية. والمدخل السياسي في قمة جوهانسبرغ ان العالم بحكوماته واحزابه وبرلماناته ومنظماته غير الحكومية وشركاته وضعت نصب اعينها امرا مهما بل واساسيا لحمل الولايات المتحدة على الانصياع للارادة الدولية في حماية البيئة وفي اقامة نظام اقتصادي عالمي اكثر تكافؤا، وكما رفض الرئيس بوش (الاب) المصادقة على برتوكول ـ كيوتو ـ بزعم انه يتسبب بخسارة 400 مليار دولار للولايات المتحدة هاهو بوش (الابن) يغيب عن القمة التي لا تروق للادارة الاميركية متحاشيا بذلك الاحراج الناجم عن حقيقة ان (بلاده قوة العالم الكبرى الوحيدة اليوم) هي بالذات تتناسى داء الفقر المتحكم باكثر في نصف سكان العالم الذين يعانون سوء التغذية ونقص المياه وتفشي الامراض ولا تنفك تفرض شروط هيمنتها على المساعدات التي تقدمها لبعض الدول التي تقبل الرضوخ لاملاءاتها وتحت شعار (الاصلاحات) كحجة لحجب تلك المعونات عن البعض الآخر الذي يتخبط في دوامة الموت اليومية فالقمة لن تتكلم عن هوس الحرب الذي يسيطر على عقول افراد الادارة الاميركية ولن تبحث في وسائل مكافحة ما تسميه واشنطن (الارهاب) الذي وضعته الولايات المتحدة في اولويات اهتماماتها في حين وضعت الحرب على الفقر في درجة متأخرة من الاهمية فالبيئة اضحت موضوعا هامشياً على جدول اعمال الادارة الاميركية على الرغم من ان التقارير تفيد انها مسئولة عن 25 في المئة من الاصدارات الغازية الملوثة التي تسهم في تلويث الغلاف الجوي ورفع حرارة الارض. والمفارقة ان رأس الحربة في المواجهة مع الولايات المتحدة لم يعد الجنوب النامي الذي يشكو من هيمنة الشمال انما اطراف في الشمال باتت تضيق ذرعاً من النزق الاميركي في التعامل مع القضايا التي يطرحها المجتمع الدولي ازاء البيئة والتقسيم الدولي للعمل وصارت تدعو الى «تحالف دولي من اجل العدالة الشاملة» يضم دول اوروبا والعالم الثالث للضغط على الولايات المتحدة في سبيل ان تراعي المصالح المختلفة لدول العالم في التوفيق بين النمو الاقتصادي وتقليص الفوارق الاجتماعية وحماية البيئة. ومن بين النتائج المنتظرة في القمة صدور اعلان سياسي يجدد التأكيد على الالتزام بالتنمية المستدامة التي تلبي احتياجات سكان العالم من استخدام الموارد الطبيعية والحصول على الخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل وتحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، بالاضافة لخطة عمل ذات أهداف محددة ترمي الى تحقيق غايات التنمية الالفية لتكون «قمة جوهانسبرغ» مختلفة عن سابقتها، وتركز على الافعال، فلا حاجة اليوم لبيانات خاوية بلا اهداف او تدابير، وانما لنتائج تضيق الانقسام بين دول العالم الصناعية الغنية والدول الفقيرة، دون الحاق اضرار بكوكب الارض، كما ان تحقيق القواسم المشتركة لحماية الجنس البشري والحفاظ على بيئته سليمة يتطلب بالتأكيد توفير الظروف الاقتصادية والوطنية الدولية الملائمة وتعبئة الموارد اللازمة، والجميع يعتريهم الامل ان تسفر القمة الثانية عن بناء اجماع دولي لتحقيق التنمية المستدامة باعتبارها الخيار الوحيد والامثل للمحافظة على منفعة البشرية حاضرا ومستقبلا. ـ كاتبة عراقية