كشفت المواجهات العاتية التي حدثت فى قمة الارض مدى غطرسة الولايات المتحدة الأميركية، ورغبة استمرارها في تحدي العالم، خاصة شعوب الدول الفقيرة التي تعاني من تدني المستوى الاقتصادي، وتلوث البيئة، والنقص الشديد في الموارد الطبيعية، التي تعتبر اولى اسس الحياة، حيث تنذر ندرة المياه، ونظافتها بكارثة بيئية وصحية تهدد العالم، ومن غير المستبعد ان تكون الحروب القادمة بسبب المياه، كما ان نقص المرافق الصحية الضرورية، وعدم وجودها تماما لدى كثير من شعوب الدول الفقيرة، هو كارثة قائمة تضرب أهم جوانب الحياة الاجتماعية لهذه الشعوب، وقد اظهرت قمة الارض بواطن الخلل، وتمسك أميركا بقضايا سياسية ومصالحها الاقتصادية على حساب ملفات البيئة والتقدم الاجتماعي والتنمية المستدامة لشعوب العالم. الدكتور ميريل فان دونك خبير شئون البيئة في هولندا، أدلى بمعلومات صريحة لـ «الملف» فقال: ـ هناك الكثير الممكن قوله في هذا الملف الحساس، والذى لا يمس حياة الفقراء وحدهم في العالم، بل الاغنياء ايضا، فلم يعد من الطبيعى قبول واقع ان تعيش بعض الشعوب في رفاهية وثراء وتقدم، واخرى تعانى من الاحتياج لاسس الحياة والفقر والتخلف، كما ان قضية تلوث البيئة لم تعد بخفية على احد، في انتشار وحرية وسهولة تداول المعلومات بفضل الانترنت، وهو التقدم العلمى الذى سيساهم في مزيد من كشف حدة الفجوات الهائلة بين الفقراء والاغنياء، ومن ناحية اخرى الاوجه المتعددة للخطر الذى يهدد سكان المعمورة، وهو الذى لن يستثنى شعبا بعينه من الدمار، والجديد الذى رأيناه في قمة الارض هذه المرة هو الجرأة والصراحة التى انطلقت من مؤسسات دولية، وكذلك من شخصيات عامة لها وزن سياسى واقتصادي في العالم. - ولقد تابعنا احداث قمة الارض من خلال غرفة عمليات عبر الانترنت من امستردام، وشاهدنا كيف ان لجنة المناخ التابعة للأمم المتحدة لم تخف وجود أدلة حقيقية وارتباط وثيق بين ارتفاع درجة حرارة الارض والفيضانات التي حدثت في بعض مناطق آسيا وأوروبا، وهو الامر الذى اكده «راجندرا باتشوري» رئيس لجنة تغيرات المناخ بالأمم المتحدة، مؤكدا بان الكوارث التى ضربت مناطق بعينها في العالم مؤخرا، والتغيرات المناخية في الأرض تتزايد، ولدينا نسخة من التقرير الذى اصدرته لجنة المناخ العام الماضي موضحا أن درجة حرارة الأرض سترتفع الى ما بين 1.4 الى 5.8 درجات بحلول عام 2100، وذلك مقارنة مع مستويات عام 1990، وان مستويات اسطح البحار سترتفع من ثمانية الى 88 سم، وهو الامر الذى يهدد الجزر الصغيرة والمناطق المنخفضة في العالم. ـ هل ستفضي جهود المؤسسات الدولية ومؤتمرات القمة لنتائج عملية توجد حلولا عملية لهذه المشاكل؟ ـ كانت أول قمة للأرض قد عقدت في «ريو دي جانيرو »وذلك منذ عشر سنوات، واسفرت عن توقيع «بروتوكول كيوتو للمناخ»، التى تفرض على الدول الصناعية الغنية العمل على الحد من انبعاث الغازات التى تسبب تلوث المناخ واخطرها 2ُك الذى يؤدى لارتفاع درجة حرارة الارض ومناخها الجوى، لكن للاسف الشديد رفضت أميركا الدخول ضمن البروتوكول، وهى - أميركا - تعتبر من أكبر دول العالم واكثرها تسببا في تلوث المناخ العالمى، وكان في حينه ولايزال حتى اليوم موقف أميركا سببا في وجود اعتراضات من اوروبا ودول كثيرة في العالم على موقفها، وتأكيد قمة الأرض في جوهانسبرغ هذه المرة على ان الكوارث المناخية تتسبب في خسائر سنوية قيمتها مائة مليار دولار في العالم، سيوقظ نسبيا أميركا والغرب فهما يفهمان لغة الخسائر بالاموال قبل البيئة والمناخ والقضايا الاجتماعية. ـ طالما تحدثت عن القضايا الاجتماعية وعلاقتها بملف البيئة، هل سيستمر وضع العالم هكذا فقر حاد وثراء كبير؟ ـ لا اعتقد.. وذلك ليس لان حكومات الدول الغنية حريصة على مساعدة الفقراء، لا.. لكن لأن الابحاث والدراسات الاجتماعية والبيئية تؤكد بأن استمرار الفجوة الخطيرة بين شطري العالم تهدد الاغنياء، ومن الممكن ان تجهض تقدمهم وثرائهم، وليس من المستبعد حدوث زحف واقتحام من الشعوب الفقيرة للغنية، وهو الامر الذى توجد له مؤشرات واقعية وحقيقية، ألم نرى في هجرة الفقراء للدول الغنية دليلا على ذلك؟، ألم نرى ان الفقراء من المغرب يموتون في البحار من اجل الدخول لاسبانيا للفوز بفرصة عمل والخبز؟ لكن المسألة هى قضية وقت، هذه الهجرة هى عمل شرعى للانسان، في البحث عن عمل ومسكن ملائم، ومن هنا كان التركيز والجرأة في التناول بقمة الارض، انطلاقة من مشروعية وضرورة عدالة توزيع الموارد في العالم، وأتوقع حدوث متغيرات خلال الاعوام القليلة المقبلة في صالح شعوب الدول الفقيرة، فقد دعا الامين العام للأمم المتحدة كوفي كبار رجال الأعمال في العالم للاستثمار في البلدان النامية تحقيقا لمصلحة الفقراء والأغنياء على حد سواء، وقال ان الاستثمار المستمر ضروري لاخراج البلدان الفقيرة من فقرها، ومن السابقة التاريخية ان تعلن «ماري روبنسون »، مفوضة حقوق الانسان ان واشنطن تعمل خلف الستار لضمان ابعاد الاشارة لموضوع حقوق الانسان في الميثاق الختامي لقمة الأرض، وحقوق الانسان ليست الحريات والديمقراطية، فقبلهما حق الحياة والوجود والحصول على لقمة العيش والمياه النظيفة. ـ لكن رفض أميركا لتحديد أهداف مُلزِمة في شن الحرب على الفقر جاء مخيبا لآمال كثير من الدول الأوروبية والنامية في آن واحد، ما رأيكم بذلك؟ ـ نعم.. لكن القضية لها شق سياسى، فأميركا لا تريد ان تظهر بموقف الدولة التى تخضع لشروط يفرضها الغير عليها، ولا ننسى ان واشنطن قد عقدت مؤخرا مؤتمرا مؤخرا تبحث فيه عن اجابة سؤال لماذا يكرهها العالم؟ وقد علمنا ان الادارة السياسية لواشنطن حصلت على نصائح من مستشاريها الأميركان بالتوقف عن اساليب التعنت في علاقاتها الدولية، خاصة من الدول الفقيرة، وان واحداً من اخطر مصادر الارهاب هو دوافع الاحتياج للطعام والماء، واتوقع اننا سنشهد تحولا قريبا في السياسة الأميركية، لان استمرار وضعها في العالم هكذا اصبح يهددها اكثر من اى وقت مضى، وسماعها هذا الواقع من الخبراء الأميركان له صدى وتأثير اكبر من النصائح والنقد الذى يخرج من الدول الفقيرة. ـ لكن لاتزال أميركا تتعلل بملف الارهاب وتتخلى عن مسئولياتها امام شعوب العالم، اضافه الى انها تحقق اهدافها بالقوة والقهر.. وتفرض حروبا كحربها المتوقعة ضد العراق مثلا، ما تعليقكم على ذلك؟ ـ هذا الامر ليس بجديد على أميركا.. سواء بالنسبة للعراق او غيرها من دول العالم، السؤال هو دائما اين توجد مصلحتها الاقتصادية؟ اضافة للسلوكيات الأميركية وعقدة التفوق على الغير، تلك العقدة التى اصابت الالمان وكانت من نتيجتها حربان عالميتان اولى وثانية، وأميركا جربت سقطتها الاولى في فيتنام، وهى على شفا حفرة مستنقع في افغانستان، لذلك فهى اكثر حذرا من الماضى، واعتقد بأن العالم الآن لم يعد يمنح أميركا شيكاً على بياض، خاصة الاتحاد الاوروبى الذى عارض سياسة أميركا بشدة تجاه العراق، وهذا يبين لنا جميعا وجود مؤشرات للتحول، وليس امام أميركا اعتبارا من الان فصاعدا الا التوافق العملى مع المنظومة العالمية ومتطلباتها، وذلك بتقاسم الموارد الطبيعية، والابتعاد عن الغطرسة وتحقيق المصالح على حساب شعوب اخرى فقيرة، فقد كشفت قمة الارض غضب الفقراء ومكابرة الاغنياء، وعلى رأسهم أميركا، وهو الوضع الذى سينتهى بدون شك. ـ من اين لكم هذا التفاؤل بحدوث تحول في السياسة الأميركية؟ ـ المسألة هى حسابات سياسية بالدرجة الاولى، ولا تخضع لمشاعر تشاؤم او تفاؤل، فاستمرار فرض أميركا لسلوك بعينه على حكومات وشعوب دول اخرى ثبت فشله، فواشنطن تطلب ما تشاء من الدول الاخرى تغيير القوانين، او فرض اجراءات خاصة بحقوق الانسان او غيرها، لكن الواقع هو الذى ينتصر دائما.. واقع الشعوب.. والتغيير لا يطلب من الجائع، وهذا هو ما تأكدت منه أميركا، لذلك فخضوعها للمطالب الدولية سيحدث، وان كانت واشنطن تعلن غير ذلك.