لعل اللغة العربية بكل كلماتها ومفرداتها ومعانيها لن تسعفنا في وصف حال الدمار ومرارة المأساة التي حلت بمخيم جنين، هذا المخيم الصغير الذي عايش سكانه الجريمة بكل فصولها وشهدوا على المجزرة بكل تفاصيلها بقدر ما عايشوا لحظات الانتصار على يد ثلة قليلة من المقاتلين الذين أمنوا بربهم وبعدالة قضيتهم وحقهم بالعيش أحرار على أرضهم وفي وطنهم . في مخيم جنين قد طالت الجريمة الجميع حتى أن الشجر والحجر قد ضاق بفعل عصابات جيش الاحتلال الصهيوني، فهناك هدم البيوت على رؤوس أصحابها وهناك جثث الشهداء، الملقاة في كل مكان حتى أن بعضها تعفن قبل أن تكرم بالدفن وهناك الإعدام الميداني الذي يقتل فيه الإنسان بلا سبب حتى وصل الحد إلى إعدام الولد أمام عيون أبيه، قد يظن البعض أن هذا الوصف فيه شئ من المبالغة لكن هذا ما حدث فعلا مع الحاج فتحي صالح عبد الله الشلبي (63) عاماً من سكان مخيم جنين والذي يسكن في منطقة الساحة في المخيم حيث تم إعدام أبنه وضاح فتحي صالح عبد الله الشلبي (35) عاماً وأبن جاره عبد الكريم محمود السعدي (29) عاماً أمام عينه. وفي تفاصيل الجريمة يقول الحاج فتحي الشلبي في يوم السبت الموافق وبعد أربعة أيام على محاصرة المخيم وفي الساعة الرابعة والنصف عصرا اقتحمت فرقة من الجيش الإسرائيلي بيت جارنا يوسف محمود السعدي وقاموا بإخراج أبنه عبد الكريم السعدي إلى الزقاق المجاور لبيتنا وهناك قاموا بتقييده ثم انتقلوا لجانب السور المجاور لمنزلنا وبدأ الجنود بالصراخ علينا وأمرنا الجنود بالخروج من المنزل حيث كان يتواجد به (17) شخصاً بين رجل وطفل وامرأة وقد مشيت أمامهم للخارج وهناك أمرنا الجنود بالبقاء أنا وأبني وضاح الذي كان يحمل طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز العام الواحد حيث أمره الجندي بإنزالها والبقاء) ويكمل الحاج فتحي الشلبي حديثه وقد بدا عليه الانفعال قائلا (ثم قام الجنود بإدخال الأطفال والنساء لداخل منزل جارنا يوسف السعدي ووضعهم في غرفة واحدة وإغلاق الباب عليهم حيث بقيت أنا وأبني وضاح وأبن جارنا عبد الكريم في الخارج وفي تمام الساعة الخامسة تقريبا وقف أحد الجنود على بعد أمتار قليلة منا وهم بإطلاق النار علينا حيث أصيب وضاح وعبد الكريم برصاص الجندي إصابة مباشرة أما أنا فوقعت على الأرض ملطخ بدماء أبني و أبن جارنا عبد الكريم وفي هذه اللحظة قام الجنود وعلى بعد متر واحد فقط بإطلاق النار مره ثانية للتأكد من عملية الإعدام أما أنا فقد قام أحد الجنود بتحريكي حيث تظاهرت بالموت وساعدني في ذلك أن ثيابي التى كانت ملطخة بالدماء بشكل كبير). وفي سؤال للحاج فتحي عن الجنود الذين أطلقوا النار عليهم قال بعد ساعة من عملية القتل دخل الجنود بيتي وقاموا بإطلاق النار على كل شئ فيه حتى أن إحدى الرصاصات قد أصابت جرة الغاز ولولا لطف الله لدمر البيت ثم خرج الجنود من البيت حيث حضرت للمكان فرقه أخرى من الجنود حيث سأل أحد الجنود الجندي المتواجد عندنا عن سبب قتلهم لنا فرد عليه الجندي وقال ـ ان الملازم (كافي) أمرنا بذلك ـ ثم بعد ذلك غادر الجنود المكان فقمت ورفعت رأس أبني وضاح لأجده قد فارق الحياة شهيدا أما عبد الكريم فقد أصابت رصاصة رأسه مباشرة وتوفي على الفور هو الأخر (وعند تلك اللحظة توقف الحاج فتحي عن الكلام في صمت رهيب). لقد تحمل هذا المسن الكبير في أخر أيامه ما لا يطيق بشر على تحمله بأن يرى فلذة كبده الذي سهر الأيام الطوال. عليه ليراه رجلا يذبح أمامه بلا حول منه ولا قوة وفي سؤال عن مصير جثة وضاح الشلبي وعبد الكريم السعدي قال الحاج فتحي (ان الجثتين بقيتا في المكان بجانب المنزل لمدة عشرة أيام ملقاة على الأرض حيث لم يتمكن أحد من الاقتراب منهما بسبب القناصة المتواجدين حول المنزل والذين لا يتورعون عن إطلاق النار على كل شئ يتحرك في المنطقة، وبعد خروج قوات الاحتلال من المخيم استطاع الصليب الأحمر من أخذ الجثتين حيث تم دفنهما في قبر جماعي في حديقة مستشفي جنين الحكومي). ثم ختم الحاج فتحي الشلبي حديثه قائلا «حسبنا الله ونعم الوكيل، الله ينتقم من الحقير شارون واليهود وأعوانهم من الحكام والجواسيس». هذه احدى جرائم الاحتلال في مخيم جنين ضحيتها شابان فلسطينيات تم إعدامهما بدم بارد على يد أخس مخلوقات الأرض والشاهد على الجريمة أب شيبته ويلات الزمان ومشهد ولده المقتول على الأرض. ومسرح الجريمة مخيم فلسطيني صغير بحجمه كبير بفعله اسمه مخيم جنين.