لا أظن أن أحدا كان من السذاجة بحيث توقع نجاح ما يسمى تفاهمات «غزة ـ بيت لحم أولا»، التي تم التوصل إليها يوم 19/8 بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمتضمنة التوصل إلى وقف إطلاق نار تدريجي، ومناطقي مقابل انسحابات وتسهيلات انسانية، إذ أنه لم يمض أسبوع واحد، فقط، حتى قام الفلسطينيون في25/8 بنعي هذا الاتفاق، ردا على تأجيل إسرائيل نيتها انسحاب قواتها من مدينة الخليل. وكان شارون عبر عن استهتاره بهذا الاتفاق بقوله: كل ما فعلناه أننا أخرجنا جيب ومجنزرة من وسط بيت لحم! «يديعوت أحرونوت 22/8». وفي الحقيقة فإنه ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لم يكونا جادين أصلا في هذه التفاهمات وأنهما اضطرا لعقدها بدفع من عوامل عديدة منها: أولا، الأوضاع الداخلية الصعبة السياسية والأمنية والاقتصادية التي يعاني منها الطرفان، على المستويين الرسمي والشعبي، ثانيا، الضغوط الخارجية التي يتعرضا لها خصوصا من قبل الإدارة الأميركية التي تهيئ المسرح لتوجيه ضربة عسكرية ضد العراق، ثالثا، اعتقاد كل طرف بضرورة تقطيع الوقت وتحسين أوضاعه الداخلية والخارجية لمواجهة استحقاقات ما بعد الضربة الأميركية المبيتة ضد العراق، رابعا، مراهنة كل طرف على التغيرات التي يمكن أن تحصل لدى الطرف الآخر. ولعل هذه الأسباب هي التي دفعت سيفر بلوتسكر لتفسير ما حصل بالقول: لا يوجد اتفاق..ثمة تفاهمات تخدم مصالح الطرفين. حكومة إسرائيل تفهم ان بقاء الجيش في المدن الفلسطينية يستدعي إقامة إدارة مدنية. إسرائيل لا تريد ذلك. والسلطة الفلسطينية تفهم انه بدون انسحاب إسرائيل من المدن فإنها ستكف عن كونها الحاكم السيد في المناطق..والمصالح المشتركة تخلق قاعدة لاتفاقيات متبادلة قوتها في غموضها وجزئيتها. «يديعوت أحرونوت 21/8» أما جدعون سامت فيرى الأمر على النحو التالي: لم يكن أمام الجانبين مفر..ليس عرفات وحده هو الذي أصبح ضعيفا. شارون وبن اليعازر أيضا تعلما درسا جديدا في ضعف القوة... «هآرتس21/8». أما الدوافع الإسرائيلية التي دفعت شارون لتمرير هذه التفاهمات، فهي تتمثل بالنواحي التالية: أولا، تدارك الهبوط في شعبيته في استطلاعات الرأي، وثانيا، ترميم وضع حكومة الوحدة الوطنية، التي ظهر ما يرجّح احتمال انفراطها والتوجه نحو انتخابات مبكرة للكنيست ولرئيس الحكومة في فبراير أو مايو من العام المقبل، ثالثا، ازدياد التدهور الأمني والاقتصادي، وازدياد القناعة بعقم الحلول الأمنية، بدليل عدم القدرة على ترجمة الانتصار العسكري على الفلسطينيين سياسيا وبدليل صمود الفلسطينيين واستمرار مقاومتهم، رابعا، محاولة التساوق مع الخطوات الأميركية في العدوان على العراق. وهذه العوامل هي التي اضطرت شارون إلى اعطاء الضوء الأخضر لشريكه في الائتلاف ووزير دفاعه بن اليعازر لعقد تفاهم ما مع الفلسطينيين، في سبيل تقطيع الوقت وارضاء شريكه في الائتلاف واعطاء انطباع للجمهور الإسرائيلي بأنه ثمة حلحلة للوضع. أما من ناحية بنيامين بن اليعازر زعيم حزب العمل، الشريك الثاني في حكومة شارون، فقد كانت التفاهمات وسيلة لتبرير إصراره الاستمرار في هذه الحكومة ومحاولة لوقف تراجع مكانته داخل حزبه. ومعروف أنه ثمة تيار واسع داخل حزب العمل يطالب بالخروج من حكومة شارون، لأن الاستمرار فيها أدى إلى تدهور مكانة هذا الحزب في المجتمع الإسرائيلي وضيّع هويته السياسية، وقد بلور هذا التيار قوة ضغط للدفع في هذا الاتجاه، من مظاهرها استقالة شلومو بن عامي وزير الخارجية في حكومة باراك من الكنيست وانسحاب داليا رابين من الحزب وتهديد إبراهام بورغ بدعم رامون أو متسناع بالتنافس على رئاسة الحزب ضد بن اليعازر، وتشكيل يوسي بيلين لحركة يسارية جديدة، هذا فضلا عن انسحاب العديد من قياديه من الحزب ومن الحياة السياسية كعوزي برعام مثلا، وهناك العديد منهم على الطريق في حال استمر الوضع على حاله. وفي الفترة الأخيرة شعر بنيامين بن اليعازر بأنه بات يخسر السباق إلى رئاسة الحكومة والحزب لصالح عميرام متسناع، رئيس بلدية حيفا، الذي قدم برنامجا حمائميا ولفت الانتباه بصعود نجمه في فترة قياسية وجيزة حصل خلالها على شعبية واسعة في استطلاعات الرأي متقدما في ذلك على بن اليعازر. ومن المنتظر أن يعقد حزب العمل مؤتمره في نوفمبر المقبل لحسم التنافس على زعامة الحزب وحسم مسألة البقاء في الحكومة أو الخروج منها. وبالطبع فإن من شأن أي تغيير في هذا الاتجاه تحويل المسار السياسي في إسرائيل، بما في ذلك التأثير على العلاقة مع الفلسطينيين. ويصف بن كسفيت وضع شارون وبين اليعازر بقوله: يتوجب على شارون وفؤاد ان يواصلا العيش معا. لكل واحد منهما مشكلة صغيرة في بيته الداخلي. فلدى شارون مشكلة بيبي، وفؤاد هو الآخر يملك بيبي خاص به واسمه عمرام متسناع. عندما يتهمونه في ان غزة أولا قد ولد في خلال الحاجة اليائسة لفرملة اندفاع رئيس بلدية حيفا، يستشيط غضبا.«معاريف 23/8». وإضافة إلى ما تقدم فإن ما يجب لفت الانتباه إليه هنا هو أنه على الصعيد الإسرائيلي، أيضا، ثمة دور كبير لقادة الجيش الإسرائيلي في الدفع نحو تهدئة تدريجية مع الفلسطينيين، إذ أن موشيه يعلون، رئيس الأركان الجديد، يعتقد بجدوى خوض حرب استنزاف ضد الفلسطينيين يتحقق فيها النصر بالنقاط، على خلاف سابقة موفاز الذي كان يعتقد بإمكانية ذلك من خلال توجيه ضربة قاصمة للفلسطينيين. وفي هذا الإطار، أيضا، كشف أمير أورن، في تقرير نشره في «هآرتس5/8» الاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي التي تتحدث عن ضبط النفس كوسيلة للحفاظ على انجازات إسرائيل، يقول أورن في تقريره: خطة عمل جيش الدفاع تتضمن الامتناع عن التصعيد في الأسابيع والأشهر القريبة في فترة انتظار للتغييرات المفرطة محليا وإقليميا. وثلاثة من هذه التغييرات تعتبر انقلابية الطابع وهي الهجوم الأميركي الوشيك على العراق وظهور قيادة فلسطينية تنحرف عن خط ياسر عرفات المتشدد، والثالثة إقامة طريق آخر، وهي المائة وعشرة كيلومترات من الجدران والعوائق بين شمالي ووسط الضفة الغربية وإسرائيل..حسب تقييم الوضع الذي أعده قسم العمليات يتوجب على جيش الدفاع ان يستعد للقتال في ثلاث جبهات ـ الفلسطينية والشمالية والعراقية ويتابع جيش الدفاع يستعد لذلك، الا ان الافتراض في الخطة هو ان التوجه العام ورياح الزمن يعملان في صالح إسرائيل وضد عرفات، ولذلك من الأفضل لإسرائيل ان تصك أسنانها حتى في مواجهة العمليات الصعبة وان تحافظ على مكافحة الإرهاب في مستواها الحالي. لأنه حتى ربيع 2003 سيختفي نظام صدام حسين من الوجود، أما عرفات فسيصبح في الهامش في مكانة رمزية قليلة التأثير ولن يكون ساحل البحر المتوسط أمام أنظار سكان طولكرم وقلقيلية، وانما جدارا يشكل رمزا واشارة لنهاية توسع العالم العربي والمعنى من كل ما تقدم أن إسرائيل غير جادة في التفاهمات التي تعقدها وغير معنية بها وأن كل ما يهمها هو الإمعان في تدمير الفلسطينيين وخلخلة جبهتهم الداخلية وكسر إرادتهم، وذلك بغض النظر عن مدى تجاوب القيادة الفلسطينية مع متطلباتها، بدليل عدم انسحاب إسرائيل من غزة أصلا، وسحب القوات الإسرائيلية من داخل بيت لحم إلى محيطها، واستمرار اقتحام الجيش الإسرائيلي للمدن والمخيمات الإسرائيلية وقيامه بتدمير المنازل واعتقال واغتيال النشطاء وفرض الحصار على الفلسطينيين. وفي الواقع فإن إسرائيل في ظل شارون ترفض أي تحرك من المربع الأمني إلى المربع السياسي لأن شارون اصلا يرفض عملية التسوية جملة وتفصيلا، وهو لا يملك أي مشروع سياسي، والمخرج الوحيد لشارون هو الإيحاء بالتحرك بانتظار المتغيرات القادمة. ويؤكد ألوف بن ذلك بقوله: في القدس يعرفون، انه إذا تقدم الفلسطينيون في خطواتهم الأمنية وعملوا ضد الإرهاب سيزداد المطلب الدولي بخطوات متبادلة من إسرائيل. والانتخابات في السلطة الفلسطينية واقامة الدولة المؤقتة ستطرح من جديد قضايا الاتفاق الدائم، وستفرض على جدول الأعمال تاريخ الهدف الذي حدده بوش لاقامة دولة فلسطينية ـ يونيو 2005 ـ ولكن الأفق السياسي هذا يبدو بعيدا وفي الطريق إليه ستأتي الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل وسيتضح ما إذا كان بوش ينوي مهاجمة العراق وفرض نظام جديد في المنطقة.«هآرتس25 /8». الآن وعلى ضوء كل ذلك يمكننا أن نفسر، مثلا، طرح إسرائيل لخطة غزة وبيت لحم أولا، التي وافقت القيادة الفلسطينية عليها، ولو مكرهة، وأن نفسر، أيضا، تراجع إسرائيل عن خطتها هذه. ومعنى ذلك أن مسرح الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن يهدأ، في الأشهر المقبلة، بل إنه على العكس من ذلك قد يشهد تصعيدا، بحدود مسيطر عليها، في محاولة كل من الطرفين ممارسة مختلف أشكال الضغط على الطرف الأخر لتعزيز النقاط لصالحه وللمساهمة في تغيير المعطيات لدى الطرف الآخر، بانتظار المتغيرات الإقليمية والدولية. ـ كاتب فلسطيني