عندما اعترض وزراء حزبي (المفدال) و(اسرائيل باعليا) اليمينيين المتطرفين على اتفاق (غزة ـ بيت لحم أولا) الذي توصل اليه مسئولون فلسطينيون واسرائيليون مؤخرا، قلل شارون من أهمية هذا الاتفاق موضحا الحقيقة في تصريحه (ان كل ما قمنا به هو تحريك بعض المصفحات من وسط بيت لحم)، وقد أيد هذا المفهوم بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع عندما أوضح ان هذا الاتفاق (ليس الا مجموعة من التفاهمات فقط لنعطي الفلسطينيين طوق نجاة ليتمكنوا من مساعدة أنفسهم) وأضاف (كانت المسئولية الأمنية ولا تزال على عاتق اسرائيل)، ونفى بن اليعازر وجود طابع سياسي لهذا الاتفاق. وقد طمأن شارون وزراءه المتشددين عندما تعهد بمواصلة العمليات في (كل مكان). - وبينما اعتقد البعض في العالم العربي ان هذا الاتفاق يعد خطوة على طريق أسلو (3)، نفى زالمان شوفال المستشار السياسي لشارون ذلك، واصفا الاتفاق بأنه ترتيب مؤقت مع الاشخاص الجدد الذين باتوا يقودون مسئولية الأمن الآن على الجانب الفلسطيني. - وحقيقة الأمر ان هذا الاتفاق ـ غزة أولا ـ ليس سوى خدعة اسرائيلية جديدة، ومؤامرة خبيثة تستهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية واستكمال ضم القدس الشرقية وتهويدها، وخدمة المعركة الانتخابية الاسرائيلية القادمة. لذلك فإن هذا الاتفاق لا يحقق ما تصبو اليه السلطة الفلسطينية من وقف نزيف الدم والهدم واعمال الاعتقال والتعذيب التي تمارسها السلطات الاسرائيلية، يؤكد ذلك اجتياحها الاخير لمخيمات خان يونس وطولكرم وبلدة (دورا) واغتيال الكوادر الفلسطينية، وتدمير البيوت ونسفها واعتقال وطرد وترحيل سكانها، ناهيك عن رفض شارون الانسحاب من الخليل وبيت لحم. لذلك لم يكن غريبا ان ترفض الفصائل الفلسطينية هذا الاتفاق الذي يخدم فقط أهداف شارون وبن اليعازر الداخلية، وهما مقبلان على انتخابات مبكرة، لانه يقيد حركة المقاومة الفلسطينية، ويتيح للقوات الاسرائيلية استكمال تصفية عناصر المقاومة دون أدنى التزام اسرائيلي بايقاف حربها المعلنة ضد الفلسطينيين منذ عامين. - ومن المعروف ان فكرة (غزة وبيت لحم أولا) كان بيريز قد عرضها منذ ستة أشهر ورفضتها السلطة الفلسطينية، لانها كانت بمثابة مصيدة يستهدف بيريز من ورائها تحويل الضفة الغربية الى كانتونات مقسمة يديرها حكام عسكريون، وان تقوم أجهزة الأمن الفلسطينية بمهمة حراس الأمن الاسرائيلي. ولكن بعد الاجتياح الاسرائيلي لمدن الضفة في مارس الماضي، وما ترتب عليه من تدمير للأجهزة الأمنية الفلسطينية ومحاصرة عرفات، وخطاب بوش.. الخ كل ذلك شكل ضغوطا على الفلسطينيين دفعتهم الى التراجع والقبول بفكرة غزة وبيت لحم أولا، مع التأكيد أن السلطة الفلسطينية لن تتولى زمام الأمن الا بعد انسحاب اسرائيل الى أوضاع ما قبل 28 سبتمبر الماضي، ووقف كافة العمليات العسكرية، وان تكون رام الله أول المدن الفلسطينية التي ينسحب منها الجيش الاسرائيلي، وهو ما رفضه الاسرائيليون وقلصوا مبادرتهم الى غزة فقط واسقطوا بيت لحم، أما رام الله فستكون اخر المدن التي سينسحبون منها. وهكذا ثبت تلاعب الاسرائيليين بالفلسطينيين، خاصة وانه لم يوقع اي اتفاق مكتوب في هذا الشأن، وحتى لو تم التوقيع على اتفاق، فما قيمته وجدواه بالنظر لما سبق ان وقعت عليه حكومات اسرائيل السابقة من اتفاقات أوسلو، والتي الغاها شارون كلها، ولم يعد لها أدنى اعتبار في نظره رغم ان الضامن لها هو الولايات المتحدة الأميركية!! الفشل السياسي والانتخابات القادمة ـ مما لا شك فيه ان فشل شارون في تحقيق وعوده للاسرائيليين بالأمن والسلام، وبعد حملة عسكرية استمرت 23 شهرا، ونجاح الفلسطينيين في الصمود وعدم الاستسلام واستمرار عمليات المقاومة التي كبدت الاسرائيليين حتى اليوم أكثر من 400 قتيل ومصاب، ناهيك عن خسائر اقتصادية تقدر بأكثر من مليار دولار، مما أثر على الوضع الداخلي في اسرائيل سياسيا وامنيا واقتصاديا واجتماعيا، حيث تزايد شعور المواطن الاسرائيلي بالاحباط، وهو ما انعكس في تراجع شعبية شارون الى أقل من 40% وقد واكب ذلك احساس داخل المؤسستين السياسية والعسكرية بالافلاس والفشل السياسي، وعدم جدوى سياسة القبضة الحديدية التي يمارسها شارون في القضاء على المقاومة بشكل جذري وحاسم، وبما يعيد الشعور بالامن للمواطن الاسرائيلي، وهو ما افتقده لأول مرة في عهد شارون ومنذ قيام اسرائيل 1948. ـ وقد عبر عن هذا الاحساس وزير الدفاع بن اليعازر عندما صرح أكثر من مرة ان اسرائيل استنفدت كل الوسائل العسكرية في مواجهتها للانتفاضة، وانه اذا لم نتوجه نحو اتفاق سياسي، فإن البديل سيكون مواجهة تدوم سنوات. وكان بن اليعازر قد سبق له ان اعترض على خطة لشارون تستهدف اقتحام غزة واحتلالها، حيث اعتبر ذلك بمثابة تورط في مستنقع ولا خروج منه، فضلا عن ان ذلك لن يحقق الهدف بالقضاء على كافة عناصر المقاومة هناك، حيث تفرخ مخيمات الفلسطينيين وقطاع غزة كل يوم الآلاف من عناصر المقاومة الفلسطينية الشابة، التي تغذيها روح الانتقام للأهل الذين راحوا ضحية المجازر الوحشية التي ارتكبها الفاشيون الاسرائيليون واجتياحهم المدن والبلدات والقرى والمخيمات الفلسطينية. - ويشارك شيمون بيريز هذه الرؤية مع بن اليعازر بقوله (إن اسرائيل وصلت الى حائط مسدود، وان مستوى المقاومة لم يترك امام اسرائيل الا بديلا واحدا هو الحل السياسي). خاصة بعد ان عجزت المقاتلات (إف ـ 16) ومروحيات الاباتشي الهجومية في كسر ارادة المقاومة الفلسطينية التي تزداد استعارا وتحديا مع استشهاد كل رمز من نشطاء الانتفاضة حقيقة مهمة وهي، ان اقصاء عرفات بابعاده الى بلد عربي مجاور أو استمرار احتجازه لن يؤثر كثيرا في تغيير واقع المقاومة القائم. ذلك انه اصبح بلا فاعلية أو قدرة على فرض سياسته على الفصائل الفلسطينية الاخرى الناشطة في ميدان المقاومة، لاسيما حماس والجهاد والجبهة الشعبية، وجميعها رافضة لفكرة غزة أولا. بل العكس، فقد أدرك المسئولون الاسرائيليون ان بقاء عرفات في وضعه الحالي، يعد صمام أمن الى حد ما يقي من انفلات السيطرة على الوضع الأمني في حالة غيابه، واطلاق أيدي المتشددين في الفصائل الفلسطينية الاخرى. - واذا كانت المشكلة الاقتصادية المتفاقمة، والتي برزت بوضوح مع مناقشة الميزانية مؤخرا، قد اشعلت حدة الحرب الكلامية بين الاحزاب الاسرائيلية، وبين ممثليها في الائتلاف الحاكم وهددت تماسكه، وهو ماانعكس في تصريحات حاخام حزب شاس (يوسف عوفيديا) الذي وجه كلاما قاسيا لشارون، وهدد بسحب تأييده له، الا ان الأهم من المشكلة الاقتصادية، والذي يؤرق كلا من شارون بصفته زعيم الليكود، وبن اليعازر زعيم العمل هو المواطن الاسرائيلي المحبط والذي فقد ثقته في هذه الأحزاب، حتى بين المستوطنين وقطاعات اليهود الروس مما يهدد بفقدان الليكود التأييد الشعبي الذي حصل عليه في الانتخابات الماضية، كما لا يعطي حزب العمل التأييد الذي يمكنه من تشكيل حكومة متماسكة، الأمر الذي يهدد بدخول اسرائيل في دوامة عدم استقرار سياسي لسنوات طويلة قادمة، سيكون لها بالطبع مردودات على المستويين الأمني والاقتصادي، وهو ماتمثل في تدهور حالة الجيش الاسرائيلي على الصعيدين المعنوي والانضباطي. لذلك نجد ان كلا من شارون وبن اليعازر يطرح نفسه داعيا للسلام في الانتخابات القادمة والتي ربما تجري في يناير المقبل وذلك من خلال خطة غزة أولا ذات الخمس مراحل، بعد ان فشل شارون طوال العامين الماضيين في اقناع شعبه بان الحسم العسكري يمكن ان يحقق له مايريده من أمن واستقرار وسلام ـ لذلك نجد شارون يتراجع في خطته لابعاد عرفات لأن الشعب الاسرائيلي سيتبين له بعد ذلك حقيقة كذب ومزاعم شارون بانه تخلص من (رئيس زمرة الارهابيين) وهو الزعم الذي اجتهد شارون كثيرا في اقناع الاسرائيليين والأميركيين به، حيث من المتوقع ان تزداد المقاومة الفلسطينية واعمال العنف اشتعالا بعد ابعاد عرفات، خاصة بعد ان رفض الفلسطينيون الاقتراح الأميركي بأن يختار المجلس التشريعي الفلسطيني رئيسا للوزراء للتقليل من نفوذ عرفات، وابقائه رئيسا فخريا فقط، حيث ستؤدي الانتخابات الفلسطينية المقبلة الى عودة نفس الاشخاص الموجودين حاليا. استكمال ضم القدس الشرقية ـ ومن الأهداف التي يسعى شارون من ورائها الى تسويق فكرة غزة أولا، الهاء الفلسطينيين عن العمليات الميدانية التي تجري على الأرض حاليا، وتستهدف توسيع (غلاف القدس الكبرى) بضم مساحات شاسعة من الاراضي اليها من دون اصحابها، وذلك تطبيقا لمقررات مجلس الأمن القومي الاعلى الاسرائيلي عام 2002، والقاضي بتقسيم فلسطين على اساس ديموجرافي بدءا بالقدس وتنفيذ خطة (القدس الكبرى) التي تتلاحم فيها مدينة القدس بقسميها الغربي والشرقي ـ من خلال المستوطنات ـ مع مدن (رام الله) في الشمال، (بيت لحم) في الجنوب، ومستوطنات (اريحا) في الشرق، ومستوطنات (عيتسيون) في الغرب، وان يقفز عدد اليهود في القدس الشرقية من 155 ألفا إلى 750 ألفا بحلول عام 2003. ولا يخفي شارون هذا الهدف، وهو الذي اعترف بأنه (يكرس المبررات الأمنية لتحقيق اهدافه السياسية). - وبدعوى توسيع الحواجز العسكرية، وبناء الجدار الأمني الفاصل، ضمت السلطات الاسرائيلية حوالي 850 دونما من الارضي الفلسطينية في (كفر عقب) وقلنديا) و(الام)،و(رفات) وحتى حي لأم الشراييط، في مدينة البيرة شمال القدس، واضعة بذلك نحو 20 ألف فلسطيني في هذه المنطقة (خارج الجدار) في حين استولت على الأراضي المحيطة بالاماكن السكنية، وبدأت فعلا باقامة السياج وحفر الخنادق حولها لتصبح حدود (القدس الكبرى) الفعلية التي لن يتمكن أي فلسطيني من اجتيازها بأي حال من الأحوال، حتى وان كان يحمل بطاقات الهوية المقدسية ويسكن داخل القدس الشرقية. - ويجري تنفيذ مخطط (القدس الكبرى) بهدوء اعلامي وتسارع زمني، يبدو واضحا في اعمال الجرافات الاسرائيلية في الجهة الشرقية للقدس، حيث ترسم الحفريات والاسيجة الملازمة لها خطا متعرجا حول القرى المحيطة بالقدس مثل (أبوديس) و(الزعيم) و(العيزرية) ويجري اقتطاع الاراضي الفارغة من اسكان، وضم مستوطنة معاليه أدوميم، ومسلسل المستوطنات المرتبطة بها على طريق (أريحا) أما في جنوب القدس، فقد انتهت عملية ترسيم حدود القدس الكبرى بعد ان اوشكت اعمال الحفريات وشق الشوارع الفاصلة المدعومة بالاسلاك الشائكة والعوائق على الانتهاء. كما بدأ العمل الأسبوع الماضي على مسار الجدار الفاصل الواقع بين جبل أبوغنيم، والشارع الالتفافي الاستيطاني حول بيت ساحور، وشارع الانفاق الذي يصل القدس بالمستوطنات المقامة على أرض الخليل، وكانت صحيفة (كول هعير) قد أفادت أن الجيش سيتسلم الجدار في ديسمبر المقبل من شركات المقاولات العاملة فيه. - ويرتبط تنفيذ خطة القدس الكبرى بخطة أخرى لم يخفها شارون تستهدف جلب مليون يهودي مهاجر من الشتات الى اسرائيل ـ خاصة من فرنسا وأميركا اللاتينية تحت دعوى ان اليهود هناك يعانون من معاداة السامية، والظروف الاقتصادية الصعبة في الأرجنتين، وان يتم تنفيذ هذه الخطة في عام 2005. وكان هدف اسرائيل ابقاء عدد الفلسطينيين في القدس تحت نسبة 22% من اجمالي سكانها، بمعنى المحافظة على أغلبية يهودية. أما وان سكان القدس من الفلسطينيين تزايدت نسبتهم الى 35% في اوائل التسعينيات رغم كل العراقيل التي تواجه بقاءهم في القدس، وبعد ان حذرت هيئة الاحصاء الاسرائيلية من انه خلال العشرين عاما القادمة ستبلغ نسبة الفلسطينيين في القدس 50%، حيث ستواجه الحكومة الاسرائيلية مشكلة القومية المزدوجة في القدس، ومايتطلبه ذلك من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية لهم لا يمكن للحكومة الاسرائيلية تجاهلها، في ذات الوقت الذي فشلت فيه الجهود الاسرائيلية للتشجيع على الزواج والانجاب بين اليهود، بل على العكس، حيث أدت الانتفاضة الفلسطينية ليس فقط الى وقف تيار هجرة اليهود الى اسرائيل، بل ادت الى نزوح الاسرائيليين منها الى الخارج تحت وطأة الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها اسرائيل. لذلك تقوم خطة شارون حاليا على ضم أكبر قدر من مساحة الأراضي وأقل عدد من الفلسطينيين، وزرع التكتلات الاستيطانية في هذه الاراضي لتحقيق التوازن الديموجرافي في القدس الكبرى التي ستحوي 10% مجمل أراضي الضفة الغربية، وبمساحة تصل الى 500 ـ 600كم2، وبذلك تقسم القدس الكبرى الضفة الغربية عرضيا الى قسمين، احدهما شمالا يضم المدن الفلسطينية كثيفة السكان، نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية، والقسم الأخر جنوبها وبه الخليل. وذلك بعد ان قسمت المستوطنات الضفة طوليا الى ثلاثة قطاعات: الاول في الشرق بحزام المستوطنات المقام في غور الأردن، والثاني على هضبة الشمرون في الوسط، والثالث بمحاذاة الخط الأخضر، وبذلك انحصرت تجمعات الفلسطينيين في كانتونات اشبه بمعازل السود في جنوب افريقيا ابان فترة الحكم العنصري (البانتستونات)، وتحاصرها المستوطنات والطرق الالتفافية التي تجوبها الدوريات الاسرائيلية، ونقاط التفتيش. ومن ثم ينتهي الحديث عن دولة فلسطينية في الضفة، ويكتفي بدويلة للفلسطينيين تضمهم في غزة، على ان يجري تصفية وترحيل الفلسطينيين من الكانتونات المتواجدة في الضفة تدريجيا، الى غزة والأردن ومصر، ومااتفاق غزة أولا الا خطوة على هذا الطريق. ـ كاتب مصري