الناظر الى المشهد السياسي في الاراضي الفلسطينية المحتلة والى المواقف السياسية المختلفة والمتخذة حياله يصاب باليأس مما يجري وتتأكد حقيقة واحدة اصبحت تسود العالم ، والمجتمع الدولي: «سيادة منطق القوة، وسقوط كل ما تدعي البشرية انها شرعته عبر مخاض عسير». وهناك تأكيد يفيد ان رسم الخلفية التي تتحرك عليها حكومة شارون تبدو كمن فقد البوصلة واضاع الاتجاهات حيث يثير المناخ الذي تجري فيه المفاوضات الفلسطينية ـ (الاسرائيلية)، شعورا يتم عن حيرة لحقيقة مواقف الاطراف التي تتناول الادلاء بتصريحات متناقضة والقيام بتحركات غير متوافقة. والسلطة الفلسطينية تتقبل ما تمليه عليها (اسرائيل) وحليفتها الولايات المتحدة، فقد تمخض اجتماع وزير الدفاع (الاسرائيلي) بنيامين بن اليعازر، مع وفد في السلطة الفلسطينية تم تعينه من قبل الرئيس عرفات للبحث في خطة اطلق عليها (غزة ـ بيت لحم اولا) تهدف لانسحاب اسرائيل في قطاع غزة، ثم من بيت لحم يليه انتشار لاجهزة الامن الفلسطينية في هذه المناطق وان هذا الاتفاق يبدو من دون ثمن سياسي او امني وغير مكتوب فهو وكما فنده شارون (ردا على انتقادات عدة في الوزراء في حكومته الامنية المصغرة)، ان تلك الخطة تمت تحت اشرافه وبموافقته وهي لاتعدو ان تكون مجرد (تفاهمات) لخدمة الموقف الحالي، وبذلك فهي مناورة اسرائيلية لا تهدف حقا الى الانسحاب من المدن الفلسطينية او تهدئة الاوضاع كما ولن يحدث في الامر اي تغيرات جوهرية على واقع الارض، لان القوات (الاسرائيلية) لم تكن اصلا في غزة او في بيت لحم، ومن الواضح ان (اسرائيل) ستواصل عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين في كل مكان. وفي حين اعتبر الجانب (الاسرائيلي) وبشكل صوري ان هذا الاتفاق سيعيد «بناء الثقة بين الجانبين» فيما يرى الجانب الفلسطيني ان الاتفاق سيشكل اختبارا لمدى جدية (اسرائيل)، كما ويحيط بالفلسطينيين بشكل عام حالة من عدم الفهم تجاه محتواه حيث لم يوضح اي مسئول فلسطيني بنود هذا الاتفاق او يدافع عنه او يشرح كنهه وابعاده او يسوقه للرأي العام الفلسطيني مما يوحي في الاعتقاد ان الجانب (الاسرائيلي) سوف لن يلتزم به وان لاجدية لدى شارون في تنفيذ اي اتفاق مع الفلسطينيين بل وسيستحق اي تفاهم في اي نوع في مهده لانه سيهدد الاجماع في حكومته القائم على محاربة الفلسطينيين وليس للتصالح معهم، وربما كان ذلك احد اسباب موافقة الفلسطينيين على الاتفاق لاحراج الحكومة (الاسرائيلية) دوليا ومحاولة جرها الى طاولة المفاوضات. وبغض النظر عن الاسباب التي دفعت الفلسطينيين للموافقة على هذا الاتفاق فان لهذه الموافقة الكثير من الدلالات، اهمها انه يعكس حالة الضعف التي تعاني منها كلا القيادتين الفلسطينية و(الاسرائيلية)، وحاجتهما الماسة الى تهدئة الوضع القائم، وان اطلالة سريعة على الاوضاع داخل اسرائيل، تنبيء عن وجود ازمة حقيقية في كل المجالات، عبر عنها بنيامين بن اليعازر «صاحب الفكرة» باعترافه بان جميع الاجراءات العسكرية فشلت في انهاء الانتفاضة، وربما القناعة نفسها وصلت الى شارون، ولكن متأخرا، بعدما بات كل «اسرائيلي» يؤمن بعدم امكانية تحقيق تقدم في المسار الامني، ادى ذلك لتراجع شعبية شارون بشكل فعلي، الى جانب الازمة الاقتصادية التي ترهق الحكومة ومصيرها، لا سيما بعدما هدد شارون بالدعوة لانتخابات مبكرة والتي لا يتمناها احد داخل الكيان الصهيوني، سواء في احزاب اليمين او اليسار، فحزب الليكود يعاني من ازمة انعدام البرنامج، واعتبار شارون الطلقة الاخيرة للحزب، فيما حزب العمل يعاني من ازمة قيادة، اضافة الى ان كل عملية تقوم بها المقاومة الفلسطينية تثبت فشل السياسات الامنية التي يقودها شارون. كذلك يعكس الاتفاق على الجانب الفلسطيني تراجعا واضحا، فهو نسخة مقزمة من اتفاق «تينيت» ولكن من دون اي مدخل الى الجانب السياسي، او اي مكسب يذكر، فالاتفاق حسبما اعلن عنه، ينص على تعهد فلسطيني وقف الاعمال العدائية ضد الاهداف «الاسرائيلية» في وقت لاتزال فيه القوات الاسرائيلية تسيطر على المناطق الفلسطينية وفي حين لم يشر اي تعهد اسرائيلي بوقف اعمال الاغتيال او التوغل في المناطق الفلسطينية، مما يعيطي مؤشرا الى ان السلطة الفلسطينية صارت مستعدة للقبول بأي اتفاق مهما كانت بنوده او التعهدات فيه، كما ان الاتفاق كرس منهجا تفاوضيا قديما وجديدا، تحدثت السلطة الفلسطينية مرارا عن رفضها اياه، وهو «احياء المرحلية»، فمنذ بدء الانتفاضة تحدث رموز السلطة عن رفضهم اي محاولة لاعادة المرحلية كاسلوب تفاوضي، واصروا في كافة القضايا، خاصة القضايا النهائية ان تكون جملة واحدة، قطعا للمماطلة «الاسرائيلية» في تنفيذ البنود المرحلية، فيما جاء هذا الاتفاق ليكرس المرحلية بل وبصورة اسوأ مما كان في الاتفاقات السابقة. ولا شك ان لدى اسرائيل ملفات عديدة مطروحة على طاولة البحث، قبل الافراج عن هذا الاتفاق، والموافقة عليه، بحيث يستغل لخدمة مراهنات متعددة، بعضها داخلي، والاخر خارجي، ولعل المراهنة على مواجهة فلسطنيية ـ فلسطينية، كانت في طليعة القضايا التي شغلت الذهنية الاسرائيلية، لا سيما وان الاقتراح ورد بعد فشل حو ار المقاومة الاسلامية والسلطة الفلسطينية لتأطير عمليات المقاومة، وحصرها داخل الاراضي المحتلة في عام 1967، مما يتيح تشاغل او الهاء السلطة لفترة وجيزة مع الفصائل الفلسطينية، قد يعصم اسرائيل عن عمليات مؤلمة تحضرها المقاومة انتقاما للمجازر اليومية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، والذي يبدو ان اتفاق غزة ـ بيت لحم اولا لن ينجح في كبحها ايضا. وقد تدفع هذه الاشارات، في مدى امتلاك السلطة الفلسطينية خيارا اخر غير القبول بالعروض الاسرائيلية وحول ذلك لابد من الاضطلاع بمصير الوحدة الوطنية ومحاولات تشكيل قيادة موحدة ووثيقة تجمع عليها القوى، فماذا يبرر التعدد الآن اذا كانت الفصائل، بل كل الشعب الفلسطيني يرى ان المهمة العاجلة والتي تتقدم على كل ما عداها هي مهمة انهاء الاحتلال، ومن اجل تحقيقها تؤكد الفصائل الوطنية على ان المقاومة المسلحة هي السبيل، اليس من الضروري في هذه الاحوال ان يتم تشكيل جبهة واحدة تسمح بوجود قيادة واحدة وتخطيط واحد على ان تترك الخلافات الايديولوجية في تقرير اوضاع الاراضي المحررة وغير المحررة الى ما بعد الانتهاء من هذه المرحلة، بمعنى ترك اي نظام اجتماعي، اقتصادي، سياسي الى ما بعد التحرير، لا سيما وأنه بات معروفا ان تعدد المنظمات الفلسطينية لم يكن معبرا حقيقيا عن التركيبة الاجتماعية الفلسطينية، كما ثبت ان الخلافات الفلسطينية لم تكن اختلافا على البرامج السياسية، بل ان اغلبها كانت خلافا على المواقع والمكاسب والمصالح غير الوطنية، وكانت الحصيلة النهائية ان ضاعت المنظمات، وقبلها ضاعت مصالح الوطن الفلسطيني الموعود ومصالح الشعب المنكوب الذي تحمل اكثر من طاقته دون ان يصل الى شيء مما حلم به طيلة عقود، وبجانب ذلك فليس سرا ان السلطة الفلسطينية نفسها تشكو من التشقق في جدارها، وفي المرحلة الراهنة ازدادت سرعة عطبها، وبرزت الخلافات الى العلن بين فريق المراهنة على واشنطن وبين فريق المقاومة، وتزداد المخاطر في وقت يحتاج الوضع الفلسطيني الى تعزيز الوحدة الوطنية على قاعدة مشروع وطني مرحلي يتصدره بند ازالة الاحتلال لكن العكس هو الحاصل، وخلف غبار هذا الواقع بدأ التضعضع يدب في الوضع الفلسطيني، لينقله من خندق الوحدة المحتملة الى خندق تبديد هذا المكسب، الامر الذي ينطوي على شل المقاومة واشغالها بحماية رأسها في عصا السلطة، وهو الهدف الذي طالما سعت اليه اسرائيل. فالسلطة الفلسطينية اعلنت رفضها لموقف الفصائل الفلسطينية المعارضة والرافض للاتفاقيات غير المتكافئة مع اسرائيل والتي وضعت على رأس اولوياتها ومتطلباتها، انهاء المقاومة وتصفية الانتفاضة من خلال الزام ما تبقى في اجهزة السلطة تنفيذ ما عجزت آلتها الحربية عن فعله، لذلك فإن الرد جاء سريعاً تجاه الموقف، عبر البيانات التي صدرت عن القوى والفصائل الفلسطينية معتبرة انه محاولة ومناورة اسرائيلية لالتقاط الانفاس، وفي الوقت نفسه اعربت الفصائل تفهمها للموقف الفلسطيني من الاتفاق، والحاجة الى عدم تأجيج حالة التوتر مع السلطة أو فيما بينها ومنع التلويح بالاقتتال داخل الاراضي الفلسطينية لان ذلك مغزى مهما في الاتفاق وهدفاً اساسيا لشارون، حيث يجمع المراقبون السياسيون، بأن اسرائيل لم تصل الى قناعة كاملة بفشل الخيار الامني لتبحث عن مخرج رغم ان الساحة السياسية في الداخل الاسرائيلي وفي حزب العمل على وجه الخصوص، لم تكن غائبة عن سجل المراهنات الاسرائيلية خصوصا وان بنيامين بن اليعازر الرئيس الحالي لحزب العمل يرى ان موقعه مهددا باتجاه منافسه «ابراهام متسناع» رئيس بلدية حيفا الذي تتصاعد جماهيرته في الحزب وقيادته بعدما اثبت ابن اليعازر وشريكه شيمون بيريز فشلهما في الحفاظ على الاطار السياسي العمالي داخل الائتلاف الاسرائيلي الحاكم لذا فإن ابن اليعازر يرى في الاتفاق فرصة لتحسين صورته داخل حزبه واعادة فرصته في الانتخابات الاسرائيلية والتي قد تكون مبكرة، في الاشهر الاولى من العام المقبل نظراً للازمة الاقتصادية التي يمر بها الكيان، عليه فقد تحاول جهات اسرائيلية عديدة السعي لاخفاق هذا الاتفاق كونه لا يتماشى مع النهج المتطرف جدا، ويصب في خدمة ابن اليعازر في صراعه مع منافسيه على زعامة حزبه، وفي هذا الاطار تظل مراهنة اسرائيلية جديدة دفعت بشارون لقبول الاتفاق، كي يعطي جرعة سلام للازمة قد تكون كفيلة باعادة احياء الحكومة الاسرائيلية امنيا واقتصاديا وايضا سياسياً. كما وان ما يشار اليه في هذا المضمار انه اذا كانت خطة «غزة بيت لحم اولاً» سليمة فعلاً بأهدافها وتوجهاتها كما يدعي القائمون بها، فلماذا لم يتم وضع خطط تشمل كافة الضفة الغربية، ذات الاختراقات الكبيرة والتي اعيد احتلالها تماماً، أفلم يكن الاجدر بالجانبين الفلسطيني «والاسرائيلي» ان يتناقشا ويوثقا اتفاقا حقيقيا لانسحاب الجيش الاسرائيلي من كافة المناطق التي اعاد احتلالها وكرس فيها مبدأ ارهاب الدولة المنظم، لان خطة كهذه تضمن انسحاب الاحتلال كانت ستلقى آذانا صاغية واهتماما من جميع الفصائل الفلسطينية، كونها تستغل القيد المضروب على القرى والمدن الفلسطينية وسوف تحرر الرئيس عرفات ومن معه من حجزهم في مقر المقاطعة برام الله، وتعطي الشعب الفلسطيني الشعور بالامن للحركة والتنقل بحرية، اضافة الى انها كانت ستعطي المفاوضات وقتا كي تكمل ما افشلته سياسة التعنت الاسرائيلي من قبل الحكومات السابقة، تلك التي رفضت تطبيق ما وقعت عليه من اتفاقيات وخطط، وبما ان شيئا من ذلك لم يتحقق فلان شارون يستخدم مقولة (بقاء الكيان الصهيوني في خطر)، انما لكي يبرر صناعة الموت التي ينتهجها بوحشية غير مسبوقة في التاريخ البشري، وان يتحول الانتاج كما الصناعة، الى امتياز له سماته وصفاته، وينفرد به الصهاينة ويجيده شارون الى حال الابداع، ويراهن ايضا على انهاك المقاومة، ولكن اذا كان قد حقق بعض التقدم على المستوى التكتيكي الميداني، ممثلا في نجاحه في القضاء على البنية التحتية للمقاومة والتدمير الاجرامي للمدن والقرى الفلسطينية، وايقاع خسائر بشرية ومادية بالفلسطينيين، فإنه في الصعب تصور ان يحرز الاسرائيليون نجاحا على المستوى الاستراتيجي لان المقاومة واستمرارها خيار استراتيجي للشعب الفلسطيني بعد ان تحولت المفاوضات الى (مساومات على الارض والحقوق والمصير والمقدسات)، في حين استطاعت المقاومة ان تضرب الوحدة الاساسية في بنية المشروع الصهيوني الا وهي «الاستيطان» وان تخترق اهم مكوناتها اي «الامن». ومن ذلك كله يتضح انه بقدر ما تصمد القيادة الفلسطينية وتتماسك، ويجري تصليب الوضع الفلسطيني الداخلي، ويتكثف الدعم المادي والسياسي العربي بقدر ما يغرق شارون في دوامة المأزق الصهيوني الداخلي، ويكون اخفاق استراتيجيته اسرع، وسقوط حكومته واسدال الستار على عهده اقرب، فعلى مدى خمسة عقود ماضية، تحدث الجميع عن عجز الحلول الامنية وعن ضرورة توفير الحل السياسي الشامل والعادل للقضية الفلسطينية، ولكن الجميع يتصرفون على اساس البحث عن حلول توفر الامن لاسرائيل لكن احدا لا يتصرف على اساس ان انعدام الامن لاسرائيل سببه استمرار الاحتلال للاراضي الفلسطينية، على الاقل منذ يونيو 1967، لذلك يجب ان يفهم الصهاينة ان للشعب الفلسطيني حقوقا وطنية وقومية غير قابلة للتنازل او للتجزئة من خلال اتفاقات منفردة، وعلى الذين يتحدثون عن الامن والسلام ان يقتنعوا ويتصرفوا طبقا لهذه الحقيقة، فالقوة الغازية الظالمة قد تستطيع فض الاحتلال لكنها لا تستطيع ان توفر الامن والسلام لاحد، فقد كشف بالملموس عن حتمية رجوع هذا الصراع الى اصله الذي يقول ان الاحتلال لا علاج له غير المقاومة وكسر محاولات الوقيعة بين الفصائل الفلسطينية، هكذا كان، وهكذا هو الآن وغدا والصراع مع العدو الصهيوني ليس شاذا على قانون التاريخ. ـ كاتبة عراقية