عندما سئل أرييل شارون رئيس الحكومة الإسرائيلية عن خطة «غزة بيت لحم أولا» أجاب: أنها ليست اتفاقا سياسيا، ولا تعني إعادة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى الحلبة السياسية، وإنما هي ـ على أقصى تقدير ـ محاولة لإعطاء أجهزة الأمن الفلسطيني فرصة لتخفيف العنف الفلسطيني مقابل منح تسهيلات للمواطنين الذين لا يمارسون الإرهاب. وهذه العبارة قد تشير ـ بشكل ما ـ إلى المأزق الذي يعيشه شارون حاليا ـ خصوصا أن هناك حديثا عن انتخابات مبكرة في يناير المقبل ـ إزاء مواطنيه ناجم عن عدم وفائه بوعوده السابقة الخاصة بإحلال الأمن والامان وفي أسابيع قليلة بل ربما في أيام معدودات.. وها هي الشهور تتوالى، ويظل الأمن هو الغائب الأول في المعادلة الإسرائيلية وسوف تزداد الصورة قتامة بالتأكيد إذا اضفنا إلى ذلك الفاتورة الاقتصادية السلبية للاقتصاد الإسرائيلي بسبب نيران الانتفاضة الفلسطينية التي لم تستطع طائرات أف 16 أو الاباتشي أو الدبابات أن تخمدها! وبحسب تعليق لصحيفة «لوفيجاور» الفرنسية فإن شارون والحالة هذه يريد أن يسترد مصداقيته لدى ناخبيه، ولذلك هو مستعد أن يتحالف مع الشيطان وما دام الأمر لا يتعلق ـ من قريب أو بعيد ـ بأية التزامات سياسية من جانبه كرئيس حكومة فإن الكاسب أولا وأخيرا ـ من وجهة نظره ـ هو إسرائيل سيما وأن اتفاقا كهذا لا يفيد ـ كما يقول بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع ـ قوات الجيش في نشاطها ضد الإرهاب. وهذا صحيح ـ جملة وتفصيلا ـ فعمليات هدم المنازل وطرد أسر الاستشهاديين، والقتلى والاغتيالات لم تتوقف حتى بعد الاتفاق على خطة «غزة بيت لحم أولا» وهو السبب الذي من أجله رفضت الفصائل الفلسطينية الاتفاق واعتبرته «جريمة» لأنه لم يغير شيئا على أرض الواقع بل اعتبره نفر من قياديها «أسفين» يدقه الإسرائيليون في الصف الفلسطيني خصوصا بعدما تحمس له وزير الداخلية الفلسطيني عبد الرازق اليحيى وحاول إقناع بعض الجماعات الفلسطينية مؤكدا أن العمليات الاستشهادية لم تعد تخدم الصالح العام الفلسطيني. تصدع الصف الفلسطيني ويبدو أن هذا «الأسفين» قد أتى أكله لأن قياديا بارزا هو الرنتيسي اتهم اليحيى والقيادة الفلسطينية بأنها تبيع نضالات الشعب بأرخص الأثمان، وشجب ما أسماه بالحلول الجزئية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وقال أن اليحيى يريد أن يتخلى الفلسطينيون عن الوسيلة الأكثر فاعلية في كفاحهم ضد الاحتلال الإسرائيلي ـ يقصد العمليات الاستشهادية ـ مشيرا إلى أن الهدف من هذه الخطة المشبوهه هو وقف الإنتفاضة، والمقاومة واجهاض مكتسباتها على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومما يرجح كفة الفصائل الرافضة لخطة «غزة بيت لحم أولا» أن إسرائيل لم تلتزم بباقي الإتفاق ورفضت الإنسحاب من الخليل، كما لم يبد الجيش أي بادرة إيجابية فيما يتعلق بإتخاذ خطوات للتخفيف من الأوضاع الإنسانية للفلسطينية في قطاع غزة (حسبما جاء في نص الإتفاق) وربطت إسرائيل إنسحابها من الخليل (وفق الخطة) بحدوث تطور في الوضع الامني في المدينة وأبلغ الجنرال موشى كابلنسكي قائد المنطقة العسكرية الوسطى، الجانب الفلسطيني بأن إسرائيل ليس في نيتها حاليا الإنسحاب من أي مدينة أخرى في الضفة الغربية استنادا إلى معلومات تفيد بأن هناك هجمات يتم التخطيط لها من جانب الجهاد الإسلامي وهو ما يثير الخوف على حياة المواطنين الإسرائيليين الذين قد يقومون بزيارة الحرم الإبراهيمي في وسط مدينة الخليل في فترة الأعياد المقبلة.. ولهذا فإن الإنسحاب لن يحدث ـ في أغلب الظن ـ قبل ستة أسابيع أخرى.. يتذرع الإسرائيليون أيضا بحجة أخرى وهو أن عناصر فلسطينية لا تزال تتسلل إلى داخل المستوطنات بنية احداث أن تفجيرات الأمر الذي يخل بأصول خطة غزة بيت لحم أولا.. التي يلتزم الفلسطينيون بمقتضاها بالحد من عمليات العنف ضد الإسرائيليين.. ولقد عبر دوري جولد مستشار أرييل شارون عن ذلك بقوله: لقد رسب الفلسطينيون في الامتحان! وأيا كان الامر، فثمة فريق من المحللين يرون أن إسرائيل عندما وافقت على الجلوس مع الفلسطينيين وصولا إلى إتفاق «غزة بيت لحم أولا» لم يكن الهدف أنها راغبة بالفعل في الالتزام بالتعهدات التي تقطعها على نفسها، لأن التاريخ القديم والقريب يؤكد أنها لم تفي بتعهد أو التزام قط (وما إتفاق أوسلو ببعيد عن الأذهان).. دائما الهدف هو توظيف أجهزة الامن الفلسطيني لتقوم بالمهام التي ثبت أنها عاجزة عن القيام بها. أو بحسب تصريحات شارون نفسه: «إن القوات الفلسطينية تواصل مكافحة الإرهاب (لصالحنا) في المناطق التي لا يعمل فيها الإسرائيليون». تبريد الجبهة الفلسطينية سبب آخر يقطع به نفر من المحللين في مجلة «كورييه إنترناسيونال» يقف وراء ظهور خطة «غزة بيت لحم أولا» في هذا التوقيت بالذات هو رغبة الإدارة الأميركية «تبريد» الجبهة الفلسطينية وتخفيف التوتر فيها توطنه للبدء في خطتها الأخرى التي تحمل شعار: العراق أولا وخطورة هذا التحليل أنه يربط بين ما يحدث في السياسيتين الإسرائيلية والأميركية بشأن الخريطة الإقليمية في الشرقين الأدنى والاوسط. بعبارة أخرى أن «خطة غزة بيت لحم أولا» ليست ـ والحالة هذه ـ سوى وسيلة ( لا غاية ) لتهيئة المناخ الإقليمي الضروري الذي يجب أن يسبق الضربة الأميركية التي تتعجلها إسرائيل بفارغ الصبر حسبما جاء على لسان وزير خارجيتها شيمون بيريز قبل أسبوعين! وترجح جملة الاحداث السريعة والقريبة هذا التحليل الذي جاء كما ذكرت في مجلة «كورييه إنترناسيونال» فقبل نحو أسبوعين كانت الرياح تسير باتجاه الدفع المتواصل نحو ضرب العراق.. فالرئيس الأميركي لم يكن يمر يوم أو يومان إلا ويخرج بتصريحات يؤكد فيها ـ بما لا يدع مجالا للشك أو اللبس ـ أن العراق مضروب. مضروب وكان طبيعيا أن تهدأ جبهة إسرائيل ـ فلسطين لكي تتم عملية الضرب بالشكل المرسوم لها خصوص أن إسرائيل ستكون في هذه الحالة طرفا ضاربا ( مع أميركا ) ، وهدفا مضروبا من جانب العراق (كلنا يذكر صاروخ سكود الذي سقط على إسرائيل أثناء حرب تحرير الكويت!) وهو ما يحتم أن تكون إسرائيل متفرغة ( وواعية ) لهكذا مهمة! الزبدة وأموال الزبدة صحيح أن انقسام الإدارة الأميركية بين حمائم وصقور بشأن ضرب العراق من جانب،وظهور تحفظات أوروبية ( ألمانية وفرنسية على وجه الخصوص ) من جانب آخر جعل الرئيس الأميركي بوش «يفرمل قليلا» عمليات الدفع المتواصل باتجاه ضرب العراق،ويعلن أنه في حاجة إلى التشاور داخليا، ومع الحلفاء.. وهو ما انعكس ـ فورا ـ على إسرائيل التي لم تجد مسوغا للوفاء العاجل بالتزاماتها بحسب خطة «غزة بيت لحم أولا» فعادت إلى سياسة المراوغة، والخداع ـ أو كما يقول أحمد ماهر وزير خارجية مصر ـ لجأت إلى سياسة الإدعاء بالرغبة في السلام واللجوء في نفس الوقت إلى ما يتناقض مع السلام والشرعية. وبحسب هذه الرؤية فليس من المألوف انتظار «القليل» الإيجابي من جانب الحكومة الإسرائيلية لأنها تفعل ما تريد داخل الأراضي الفلسطينية في أي وقت تشاء، فكل شئ مستباح ( البيوت والاعراض ) . وكل ما هنالك أنها كانت تريد ـ كما يقول معلق مجلة الاكسبريس الفرنسية ـ الزبدة وأموال الزبدة معا بمعنى أنها تريد كل شئ دفعه واحدة دون أن تقدم المقابل اللهم إلا بعض الوعود والتفاهمات الشفوية التي لا تخرج عن كونها مجرد قفزات في الهواء.. لا أثر لها. بكلمة أخيرة لقد سعت إسرائيل من وراء خطة غزة بيت لحم أولا إلى حزمة من الاهداف منها طمأنة الناخب الإسرائيلي إلى أن الامن لايزال يشغل شارون وأن الطريق لعقد اتفاقات لايزال مفتوحا، لكنها اتفاقات أمنية لا سياسية. والهدف الثاني ضرب الصف الفلسطيني وزعزعة الثقة في الرئيس عرفات الذي بات متهما من قبل الفصائل الفلسطينية بأنه مولع بالحلول الجزئية ولا يبالي بنضالات الشعب ومكتسباته التي حققها من جراء الانتفاضة وحدها. الهدف الثالث هو تبريد أو تهدئة الاوضاع في الاراضي الفلسطينية بمقتضى هذا الاتفاق ريثما يصفو الجو لتنفيذ خطة أميركا «العراق أولا». ثم الهدف الرابع وهو الإلتفاف حول الرأي العام الدولي الذي بدأ يشعر بثقل الوضع الإنساني المأساوي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وباتت إسرائيل مفضوحة أمامه، لأنها تشكو من العمليات الاستشهادية ولا تكف في نفس الوقت عن دفع الفلسطينيين دفعا إلى تفجير أنفسهم بسبب سياسة القمع والتجويع ـ وهدم المنازل وتجريف الاراضي. ـ كاتب مصري