لا يخرج الاتفاق الذي أقر بين السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية تحت عنوان غزة ـ بيت لحم أولاً عن مخططات اسرائيل المستمرة والرامية الى القضاء على المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية، بكل الوسائل العسكرية والسياسية وبالتالي تكريس سياسة الأمر الواقع التي ينتهجها شارون لتضليل الرأي العام الاسرائيلي والدولي وللتغطية على جرائمه التي يقترفها بحق الشعب العربي الفلسطيني. ان عمليات الاغتيال اليومية والاعتقالات الجماعية واستمرار قوات الاحتلال في حربها المفتوحة على الفلسطينيين تؤكد أن مشروع خطة غزة بيت لحم ليست سوى مناورة اسرائيلية جديدة تهدف الى تصفية الانتفاضة الوطنية واثارة الفتنة في الصف الفلسطيني. وهذا الاتفاق بمثابة هدنة مريبة لتحقيق مكاسب لاسرائيل ذات أبعاد عديدة انها ذات طبيعة انتخابية خاصة وان الانتخابات الاسرائيلية قد تجري قبل موعدها المقرر وهي لا تشكل سلاماً للفلسطينيين أو تراجعا اسرائيلياً عن الأراضي التي فرض شارون عليها الهيمنة والحصار وأيضاً يقدم فرصة كبيرة لتوسيع شقة الخلاف وازدياد مساحة الجدل بين أبناء الشعب العربي الفلسطيني مما يعطي الفرصة الأكبر لحكومة الاجرام الصهيونية للاجهاز على المقاومة الوطنية التي سجلت انتصاراً كبيراً في ساحة النضال الوطني الفلسطيني ويدرك أبناء شعبنا الذين يتصدون للعمليات الاجرامية ان هذا الاتفاق لن ينهي معاناتهم من المحتلين وانما يحقق الاستراتيجية التي وضعها شارون وهذه المرة تعمل حكومة اسرائيل على محاصرة الانتفاضة من خلال أبنائها ولدفع السلطة الفلسطينية لفعل ما عجزت عنه الآلة الحربية الصهيونية عن فعله ومن ثم جعل الأمن الاسرائيلي على حساب الأمن الفلسطيني وهذه حقائق صهيونية لم تستطع حكومة شارون اخفاءها على الرغم من كل محاولات التضليل التي فرضها على الساحة السياسية ومنها تغليف هذا الطرح باسم حزب العمل ورئيسه وزير الحرب بنيامين بن أليعازر الشريك الأول لشارون في تنفيذ المجازر وسفك الدماء، فمذبحة غزة ليست الأولى ولا الأخيرة في مسلسل الاجرام الصهيوني المستمر والذي يسجل فصولاً جديدة أكثر وحشية على مدار الساعة هذه الأيام حيث يعاني المواطنون الفلسطينيون في مدن الضفة وغزة أسوأ الأوضاع التي يمكن أن يواجهها البشر من جراء الحصار وسياسة القتل والتدمير. اتفاقات مشبوهة وتتكرر اليوم ـ أوسلوـ وفيما تعيد القوى الفلسطينية المناضلة ترتيب أوضاعها من الداخل لتصعيد دورها في مواجهة قوات الاحتلال تحدث المفاجأة وتختلط الأوراق ويظهر اتفاق جديد على غرار الاتفاقات المشئومة بلا غايات سياسية ولا أهداف وطنية الا تلك المتصلة برفع الأعباء عن الغزاة المحتلين تمهيداً للدخول في مفاوضات لاطائل منها سوى اضعاف المقاومة الوطنية وقتل الروح المتنامية لدى رجال الانتفاضة، والحديث عن غزة وبيت لحم أولاً يقودنا لاستذكار خطة أريحا أولاً، وكيف تأتي غزة أولاً على أنقاض أريحا أولاً وقد دمرت الآلة العسكرية الاسرائيلية كل ما تبقى من أريحا أولاً من مفرزات «اتفاق أوسلو» الذي كان من نتائجه توسيع اطار القتل والارهاب، حتى ان القيادات الميدانية والوطنية تقبع وراء القضبان والبنية التحتية مدمرة بالكامل والمجتمع الفلسطيني يعاني من حالات حظر التجول داخل المدن والمخيمات ولم تتحرك السلطة الفلسطينية تحركا مجدياً لتعميق الحوار الوطني بهدف دعم أساليب المقاومة لازالة الاحتلال في حين ارتضت الدخول في مفاوضات عقيمة. لقد نسي العالم الأمل الذي أثارته في 12 سبتمبر 1992 المصافحة بين رابين وعرفات، فرغم غموض اتفاق المبادئ الفلسطيني الاسرائيلي والذي يعكس ميزان القوى كان يمكن مع ذلك تلمس طريق نحو السلام ولوكان ملتوياً. لم يحدث شيء من هذا فمن التمهل الى التأخير الى التراجع بالنسبة لتطبيق اتفاقي أوسلو1 ـ وأوسلوـ 2ـ حول المسئولون الاسرائيليون الدولة الفلسطينية المنشودة الى «بانتوستان» حقيقي وقد وظفت اسرائيل أعمال التفجير التي لم تستطع السلطة الفلسطينية تجنبها لخنق أراضي الحكم الذاتي ولاذلال وتجويع الفلسطينيين فهل نستغرب بعد هذا تفاقم أعمال التفجير، حيث عملت الحكومة الاسرائيلية على افراغ اتفاقات أوسلو من مضامينها وذلك عبر تسريع أعمال الاستيطان واقامة المستوطنات الجديدة لمتابعة الحلم الصهيوني القديم بالاستيلاء على كل فلسطين ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة. وان اسرائيل احتفظت بنسبة 40 بالمائة من أراضي قطاع غزة وهذه المساحة أصبحت خارج قوانين وأحكام السلطة القضائية المسموحة للفلسطينيين بموجب اتفاقية أوسلووملحقاتها من حيث التصرف والتسجيل والفرز والخدمات ، كما أعطت اسرائيل المستوطنين المجال الأقصى للتوسع ولاتملك الادارة الذاتية صلاحيات حق تغيير التخطيط الاسرائيلي السابق على اتفاقية تطبيق أوسلو. الحل بانهاء الاحتلال وعلى أثر المذبحة التي ارتكبت بحق معارضي اتفاق أوسلو في غزة الا أن المجزرة التي وقعت آنذاك كانت اختباراً صعباً للقوة بين مؤيدي ومعارضي الاتفاق، وتجاوزت أحداث المجزرة حدودها في القطاع وأضعفت الموقف الفلسطيني في المفاوضات ذلك آخر ما يتمناه قادة سلطة الحكم الذاتي الذين يعانون من نقص كبير من ضعف وقلة أوراقهم التفاوضية أمام الاسرائيليين مما ينعكس على قدرة الجميع للوصول الى أهدافهم القومية المشتركة لاجبار اسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة ،وما يحدث من اتفاق مشبوه يؤدي الى اثارة المشاكل لدى الفلسطينيين وبالدرجة الأولى يضعف سلطة الحكم الذاتي التي تريد بسط نفوذها على كامل الضفة وشرقي القدس، وقد يؤدي الى الاقتتال بين الفلسطينيين أنفسهم رغم ان اطلاق النار على المدنيين أيا كانت الذرائع والمبررات التي تطرحها الاتفاقات المضللة أمر مرفوض كلياً وجماهيرياً وشعبياً فما زال الشعب الفلسطيني يشعر باستمرار الضعف والارهاب الاسرائيلي الذي يتعرض له يومياً. ومن أجل زيادة الأوضاع المأساوية في الأراضي العربية المحتلة بدأت حكومة اسرائيل بالتخطيط لطرح مشاريعها التفاوضية التي تجني منها مكاسب لخلق الفتن واشعال حرب أهلية فلسطينية من خلال الضغط المستمر على السلطة الذاتية للالتزام الأمني الكامل بما تطرحه حكومة شارون ، ولمتابعة اغتيال المناضلين بل ربما كان الدفع الاسرائيلي بهذا الاتجاه أي الحرب الأهلية من أبرز ملامح مخطط الترانسفير الفلسطيني الطوعي فليس مثل الحرب الأهلية بين الأشقاء ما يدفع الى مغادرة الوطن. وما يجدر وضعه في مرتبة اليقين ان اسرائيل ستظل تعمل على تحقيق حلمها باخلاء ما تسميه ـ أرض اسرائيل ـ من العرب الفلسطينيين بشكل شبه كامل وبات الشعب الفلسطيني يعيش في عزلة تامة حتى عن واقعه العربي ومحيطه القومي. التمسك بالمقاومة الحقيقية فما تطرحه حكومة شارون من اتفاقات ليس سوى السم في الدسم وهذه الاتفاقات واللقاءات التفاوضية لا تقدم ولا تؤخر ويبقى الاحتلال قائماً والاستيطان مشروعاً واغتصاب القدس مسوغاً فالأمن لاسرائيل وأين أمن الشعب الفلسطيني وما مصيره؟ وما هذه المساومات الجارية التي لن تكون في المحصلة الا وبالاً على الشعب الفلسطيني وقضيته القومية ولن تقرب المنطقة خطوة واحدة من السلام، فمنذ عشر سنوات افترق الفلسطينيون الى قسمين قسم اتجه نحو وهم اسمه السلام على الطريقة الاسرائيلية وقسم تمسك بالمقاومة والبندقية كخيار ونهج ولم تفتر عزيمته بهذا لأنه عرف وخبر حقيقة الصهاينة ومشروعاتهم وذلك ما أكده نائب رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية ـ حماس ـ من أن الزمن يدور من طاولة مفاوضات الى أخرى ومن اتفاقية الى أخرى ما يقارب ثماني سنوات اكتشف الشعب الفلسطيني خلالها أن وهماً كبيراً يسوّق له اشتراه في البداية وأعطاه فرصة وفي النهاية فتح قبضة اليد فوجدها خاوية فتش في دفاتر المعاهدات فلم يجد بنداً واحداً يعطيه كرامة ولا فقرة واحدة تعطيه حرية ووجد واقعا أليماً ـ فالمستوطنات تمددت بنسبة 200 بالمائة في مرحلة مفاوضات السلام والمستوطنون ازدادوا بنسبة 75 بالمائة وقبل ـ أوسلو ـ بلغت نسبة البطالة 12 بالمائة بينما بعد أوسلو 45 بالمائة. وكان الفلسطينيون يتنقلون من الضفة الى القطاع والى كل مكان لكن بعد الاتفاقات المشبوهة تتعرض معظم المناطق الفلسطينية للعزل والحصار والدمار. وفي جميع الأحوال مهما تعددت الطروحات تبقى قضية فلسطين حية خالصة نقية ولن تموت طالما الانتفاضة مستمرة وطالما يدرك شعبنا الفلسطيني الأعزل من السلاح مخاطر الغزوة الصهيونية ويدرك أيضا المعاني الحقيقية لمثل هذه الاتفاقات فهو يتمسك بمقاومته الوطنية ويقدر تضحيات شهدائه ويظل يؤكد أن لا اتفاق الا على ازالة براثن الاحتلال واجتثاث كل مظاهر الاحتلال عن كامل الأراضي المحتلة ذلك ما تقره قرارات الشرعية الدولية. ـ كاتب سوري