يمكننا أن نثبت بداية وبالبنط الأسود العريض، ان اتفاق «غزة - بيت لحم أولاً» محكوم عليه بالفشل الذريع مسبقاً، حيث ان هذا الاتفاق وفقاً لجملة المعطيات الفلسطينية والإسرائيلية ولد قسراً «ميتاً» ولم يأت إلى الفضاء جراء عملية طبيعية منطقية مستوعبة، وبالتالي مهما حاولت الأطراف المعنية ضخ الحياة في مشروع «غزة - بيت لحم أولاً» فان نهايته آتية ان عاجلاً أم آجلاً، فلن يستطيع هذا الاتفاق العقيم مواصلة الحياة بهواء اصطناعي مزيف وفي ظل مناخ غير طبيعي ولا تتوفر فيه شروط الحياة السوية. وحتى يتسنى لنا تحسس الفرص الحقيقية لاحتمالية استمرار هذا الاتفاق أو صموده، يتوجب علينا ان نقرأ أولاً خريطة النوايا والخطط والأهداف السياسية ثم المخططات والخرائط الحربية العدوانية، لحكومة شارون - بيريز - بن اليعازر. وعلينا أن نقرأ ثانياً خريطة البرنامج والمواقف السياسية الفلسطينية، وعلينا أن نقرأ ثالثاً جدلية العلاقة والربط ما بين ما يجري في فلسطين، وما يعدله ضد العراق العربي. البرنامج السياسي الإسرائيلي نتوقف أولاً أمام البرنامج السياسي الإسرائيلي في عهد شارون - بن اليعازر كما هو مبيت ومتفق عليه ما بين الثنائي شارون - بن اليعازر فهما يتكاملان في الأفكار والمشاريع السياسية والحربية، واتفاق «غزة - بيت لحم» لم يكن ليرى النور أصلاً بدون موافقة ومباركة شارون. فعلى خلاف التحليلات القائلة «أنه ليس لدى شارون أي برنامج سياسي تجاه الفلسطينيين» من الأهمية الكبيرة التثبيت هنا أن لدى شارون برنامجاً سياسياً واضحاً تماماً مضمونه الأساسي: «نشر قوات الجيش الإسرائيلي في المناطق الحساسة في غور الأردن وصحراء الضفة وغرب شمال الضفة بهدف السيطرة على هذه المناطق وإفشال السيطرة الفلسطينية عليها.. والتطلع إلى التوصل إلى اتفاق سياسي طويل الأمد دون إطار زمني، يتضمن إقامة دولة فلسطينية في مناطق أ و ب - حوالي 40 من الضفة الغربية، وتفرض قيوداً أمنية على سيادة الدولة، وتواصل إسرائيل السيطرة على أجواء هذه الدولة وعلى معابرها الحدودية، وتبقى المنطقة - جـ - في الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين التوصل إلى تسوية دائمة - صحيفة القدس المقدسية 23/10/2000». أما الخلفية الواضحة لهذا البرنامج السياسي فهي «أن غربي الأردن وشرقه جزءان من أرض إسرائيل، وأن القدس قلب الشعب اليهودي، وأنه لا يمكن القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين وأنه لا بد من التوطين بدل عودة اللاجئين - كما أعلن شارون نفسه يوم 4 فبراير 2001 لمجلة فوكوس الألمانية 5 فبراير 2001». ولذلك كما هو منتظر لم ينجح شارون بارتداء زي رجل السلام والاعتدال مطولاً، وأخفق في الخروج عن طبيعته المعروفة وسرعان ما عاد لارتداء زي الجنرال والقفازات الحديدية، إذ صادق على الخطة العسكرية القاضية بـ «فرض سياسة الحصار والإغلاق والخنق ضد المدن والقرى الفلسطينية وحفر القنوات العميقة وإقامة الحواجز وتدمير الطرق بين المدن والقرى الفلسطينية، وعزل الكتل الفلسطينية عن بعضها، وتنفيذ عمليات عسكرية في مناطق (أ) وممارسة ضغوطات مباشرة على قادة السلطة الفلسطينية - عن صحيفتي القدس 10 مارس 2001 ويديعوت أحرونوت 12 مارس 2001 -. وإذا ما أضفنا المبادئ الخمسة التي تحكم العلاقات مع الفلسطينيين كما أعلنها شارون يوم 12 مارس 2001 والتي تعهد فيها بـ «عدم استئناف محادثات السلام إلا بعد وقف الانتفاضة وأن أولويته هي ضمان أمن الإسرائيليين، وأنه سيحرص على أن لا يستخدم الفلسطينيون العنف لانتزاع تنازلات من إسرائيل في عملية السلام» فإن المشهد يصبح بالغ الوضوح: حكومة إسرائيلية شارونية - بن اليعازرية عدوانية من جهة أولى، وانغلاق الأفق السياسي الحقيقي لعملية المفاوضات والسلام من جهة ثانية، وتصعيد حربي قمعي إسرائيلي من جهة ثالثة. الهدف: إعادة صياغة المشهد السياسي أما الأهداف الكبيرة الأيديولوجية والسياسية المبيتة التي تقف وراء سياسات وتكتيكات وإجراءات شارون - بن اليعازر الحربية، فهي تتعلق من جهة أولى بما يسمى بـ «أرض إسرائيل الكاملة» وتكريس المشروع الصهيوني فيها، وتتعلق من جهة ثانية بـ «إعادة صياغة المشهد السياسي وإعادة تشكيل الشعب الفلسطيني». ففي البعد الأيديولوجي فإن شارون من أشد مؤيدي «أرض إسرائيل كاملة» كما هو معروف، وفي البعد نفسه كثف الكاتب الإسرائيلي مئير شتيغلتس الأفكار الأساسية في مقاله نشرتها له صحيفة يديعوت أحرونوت 8 أغسطس 2000، حيث كتب يقول: «مع شارون، ليس مهما أبدا ما يقوله المهم هو ما يفعله، ومن أجل أن نفهم نهجه يجب أن نصم الآذان، وأن نفتح العيون على اتساعها، والعيون حقاً ترى: نهج شارون هو نهج الحرب من أجل أرض إسرائيل الكاملة، شارون يعمل على تصفية الهوية الوطنية الفلسطينية وإعادة رسم حدود وطابع الدولة». وعزز الكاتب الإسرائيلي آفي شلايم أستاذ العلاقات الخارجية في اكسفورد، حينما كتب في الهيرالد تريبيون مؤكداً «أن برنامج شارون السياسي الأوسع هو القضاء على اتفاقيات أوسلو وإعادة إكمال احتلال الأراضي الفلسطينية، واستبدال ياسر عرفات بقائد متواطئ.. وباختصار أن بطل الحلول العنيفة قد أطلق العنان في المناطق الفلسطينية ليس لقمع الفلسطينيين - فقط - بل لوقف المسيرة نحو حكم ذاتي واستقلال ودولة فلسطينية. أما الأجندة الأيديولوجية الحقيقية وراء حرب شارون فهي الخطة القديمة لحزبه الليكود: إسرائيل الكبرى من نهر الأردن إلى البحر - ترجمة عن صحيفة الرأي الأردنية 7 أبريل 2002». ومن أجل تجسيد وتكريس مشروعه الصهيوني في «أرض إسرائيل»، ربط شارون البعد الأيديولوجي بالبعد السياسي المبني على إلغاء الآخر الفلسطيني سياسياً وإنهاء الطموحات والآمال الفلسطينية في الحرية والاستقلال، وذلك على أرضية «إما نحو وإما هم» كما أعلن شارون نفسه من على منصة الكنيست الإسرائيلي في مطلع ابريل 2002. ولذلك فإن النهج الذي اختاره شارون ومعه بن اليعازر يقود بالضبط إلى ترجمة أهدافه في البعدين المشار إليهما، وفي هذا السياق تحديداً «أطل حلم شارون في اختفاء الآخر - الفلسطيني - إن لم يكن جسدياً فعلى الأقل سياسياً وفكرياً - البروفيسور ميرون بنفنستي/ صحيفة هآرتس 21 يونيو 2001»، وقد أعرب عن «رغبته في إيجاد شعب فلسطيني مختلف حتى لا يضطر للتعامل مع الشعب الحقيقي، وهو يقوم بمحاولات جادة لإسقاط وإعادة تشكيل المشهد السياسي برمته، فهو يتخيل وجود شعب فلسطيني هادئ بدلاً من التفكير في شعب يتمتع بالكبرياء والإباء، شعب تحت قيادة زعماء مرنين ومطواعين بدلاً من قيادة رمز وطني.. ومن يدري كم مقدار الدم الذي سيراق قبل أن يتحقق حلم شارون - جوناتان فريد لاند «الغارديان» عن صحيفة الرأي الأردنية 11 ديسمبر 2001». في الحقيقة هذا هو الملخص المكثف للبرنامج الذي يوحد الائتلاف الواسع لحكومة شارون مع حزب «العمل في اليسار» عبر الليكود والأحزاب الدينية وأحزاب اليمين المتطرف، ويكمن في قاعدة هذا الائتلاف «الرفض القاطع لمشاركة الفلسطينيين في البلاد في دولة أو دولتين، لكن إسرائيل تحتاج إلى دولة» لتخليصها «من الثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني، أبناء الأراضي المحتلة الذين لا تستطيع استيعابهم» اعطاء الجنسية لهؤلاء السكان سيبطل دولة يهيمن عليها اليهود «ولا تستطيع السيطرة عليهم إلى الأبد بالقوة، وبينما يكافح الفلسطينيون من أجل استقلال سياسي في دولة قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل، فان إسرائيل تكافح من أجل ما تسمية حكماً ذاتياً واكثر بقليل أو استقلالاً واقل بقليل، وهو نوع من الاحتلال بالموافقة، يتركها في وضع تسيطر معه على كامل البلاد لكنه سيخلصها من السكان الفلسطينيين، وهذا باختصار يصف ما كانت تعنيه عملية سلام أوسلو. وحيث أن الاحتلال بالموافقة لن يكون مقبولاً لدى الفلسطينيين، لكن سلاماً عادلاً يقوم على استقلال فلسطيني حقيقي ليس مقبولاً لإسرائيل، فإن على إسرائيل أن تفرضه على الفلسطينيين لأن الخط الزمني محكم بالنسبة لإسرائيل - المصدر السابق نفسه -. وعلى أرضية كل ذلك، وكي يتسنى لشارون وبن اليعازر وحكومتهما ترجمة وتحقيق هذه البرامج السياسية والأهداف الأيديولوجية والسياسية على الأرض الفلسطينية، أقدمت القيادات الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية على وضع وبلورة وتبييت جملة لا حصر لها من المخططات الحربية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، فأرخت حكومة شارون - بن اليعازر العنان لخططها وخرائطها وحملاتها واجتياحاتها الحربية العدوانية الدموية التدميرية الشاملة ضد الشعب الفلسطيني وبنيته الاجتماعية والمدنية والأمنية على حد سواء. فبدأت تلك الحكومة حرب الاجتياحات والتدمير ضد الفلسطينيين تحت عنوان «حرب بالألوان» ثم تحت عنوان «خطة الصدمة» و«الخطة الكبرى للجيش الإسرائيلي» ثم الخطة الكبرى حقاً، ثم خطة «الجنرال دغان»، فخطة «كبار الجنرالات»، فخطة «سيناريوهات الحرب»، وصولاً إلى خطة «السور الواقي» ثم «الخطة الصارمة» وصولاً أخيراً إلى خطة «ربما هذه المرة» بعد أن أخفقت كافة الخطط الحربية المشار إليها أعلاه إخضاع الفلسطينيين وإجبارهم على تنكيس أعلام الانتفاضة والمقاومة. مضامين أمنية لاتفاق «غزة - بيت لحم أولاً» ونقول... طالما أن البرنامج السياسي الإسرائيلي بمثل هذا الوضوح المشار إليه آنفاً، وطالما أننا أمام جملة لا حصر لها من الخطط والخرائط الحربية العدوانية التدميرية الجرائمية.. وطالما أن الهدف الاستراتيجي لحكومة شارون - بن اليعازر هو إخضاع الشعب الفلسطيني وإعادة تشكيله بما يتناسب مع المقاييس السياسية والأمنية الإسرائيلية، وطالما أن هناك شبه إجماع سياسي إسرائيلي على ذلك، إذن بالضرورة يمكننا ان نقرأ المضامين والأهداف الحقيقية المبيتة وراء «غزة - بيت لحم أولاً» استناداً إلى كل ذلك وليس غيره. ونقول أيضاً: طالما أن بن اليعازر وزير حرب العدو صاحب مقترحات «غزة - بيت لحم أولاً» كان قد أعلن عن حقيقة رؤيته قائلاً: «الآن يجب أن نعمل كل شيء من أجل الدخول في عملية سياسية بعد استكمال عملية السور الواقي/ هآرتس 12 أبريل 2002»، فان الاستخلاص المنطقي هو أن فكرة «غزة - بيت لحم أولاً» جاءت من رحم السور الواقي: وحرب الاجتياحات والتدمير وهي بالتالي لا تنطوي إلا على الإملاءات والاستخلاصات الأمنية الإسرائيلية. وقد لخصت صحيفة معاريف العبرية (9 أغسطس 2002) الإنجازات الإسرائيلية من وراء اتفاق «غزة - بيت لحم أولاً» قائلة: «- إن غزة - بيت لحم أولاً» التي تحمل إسم بن اليعازر تضمن لإسرائيل إنجازات مؤكدة سواء نفذ الاتفاق أم لم ينفذ. - ان المشروع يضمن وقف أعمال الإرهاب من قطاع غزة مقابل تسهيلات إسرائيلية، وعلى قدر ما يتوقف الإرهاب الفلسطيني على قدر ما تقدم تسهيلات للفلسطينيين. - إذا توقف الإرهاب الفلسطيني فان بن اليعازر وشارون سيخرجان منتصرين، ويمكن ان يدعي كل منهما خلال الانتخابات المقبلة انه نجح في وقف الإرهاب الفلسطيني. - وهناك احتمال آخر وهو أن تحبط حماس والجهاد الإسلامي «غزة أولاً»، وبالتالي يمكن أن تتكرر قصة كامب ديفيد - 2- ويخرج بن اليعازر منتصراً أيضاً. ونقول أيضاً في الخلاصة المكثفة: استناداً إلى كل ذلك: انه طالما أن السقف المحدد لاتفاق «غزة - بيت لحم» هو سقف أمني إسرائيلي بكل المقاييس، وبلا أي أفق أو أمل سياسي حقيقي يؤشر لرحيل الاحتلال بالنسبة للفلسطينيين، وطالما الاجماع الوطني الفلسطيني متمثلاً بالفصائل والشخصيات الوطنية المستقلة يرفض الاتفاق، فاننا يمكن أن نحكم على الاتفاق بالفشل الذريع مسبقاً، وبعد ذلك ستعود الأمور إلى مربعها الأول. وطالما ان المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي مفاوضات أمنية فقط.. واجندتها أمنية فقط، تستهدف النيل من الانتفاضة الفلسطينية وحق الفلسطينيين في الدفاع عن النفس، وفي المطالبة بالاستقلال.. فان هذه المفاوضات وما يترتب عليها من اتفاقيات بالتأكيد سوف تنتهي إلى ما انتهت عليه المفاوضات والاتفاقيات السابقة. فهل يستوعب الدرس... ؟ ـ كاتب فلسطيني