لأن العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني لم يتوقف لحظة واحدة منذ التوصل الى اتفاق غزة وبيت لحم أولا.. ولأن زعماء الدولة الصهيونية يتبارون في التنصل من التزامات حكومتهم بموجب الاتفاق.. ولأن العمليات الاستشهادية لم تتوقف في غزة.. بدأت تتردد على الالسنة عبارة أن الاتفاق قد يولد ميتا!!.. وقد يكون هذا صحيحا بمعنى ان اسرائيل لا تنوي تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق ـ على تفاهتها ـ لكن المشكلة الحقيقية التي تواجهها السلطة الفلسطينية هي «جثة» ذلك الاتفاق الذي يقال انه ولد ميتا!! لأن هذه الجثة اذا بقيت مطروحة على مائدة المفاوضات لتجرى محاولة نفخ الروح فيها مجددا بين حين واخر فسوف يتعين على الشعب الفلسطيني ان يدفع ثمنا باهظا لتلك المحاولات.. اما اذا كان مصير جثة الاتفاق هو «الدفن» فان السلطة نفسها سوف يتعين عليها ان تدفع الثمن. وسوف تتزايد عليها الضغوط الاميركية والاسرائيلية والغربية، وتشتد الاتهامات لها بالعجز عن تنفيذ اتفاقاتها.. وبالتالي المطالبة بضرورة تغييرها وتنفيذ «الاصلاحات» الأمنية والسياسية والاقتصادية...الخ، والواقع ان اتفاق غزة وبيت لحم أولا هو، من حيث الجوهر، محاولة اسرائيلية (لتوكيل) السلطة الفلسطينية في محاولة اخماد الانتفاضة وانهاء العمليات الاستشهادية والعسكرية ضد الاحتلال الصهيوني دون انهاء الاحتلال وممارساته الهمجية ضد الشعب الفلسطيني. وفي المقابل تقدم اسرائيل بعض الفتات التافهة مثل الافراج عن جزء من مستحقات السلطة المجمدة لديها من اموال الضرائب والجمارك الفلسطينية يعادل نحو خمسة بالمائة (5%) من مجموع تلك المستحقات التي تبلغ نحو ستمائة مليون دولار (600 مليون دولار).. والسماح لبضعة ألاف من العمال الفلسطينيين من كبار السن والمأمونين تماما بالعمل في الاراضي الاسرائيلية تحت رقابة مشددة للغاية، كما تخفف قوات الاحتلال من حواجزها الامنية داخل المدن والقرى الفلسطينية «وتعيد الانتشار» على اطرافها، ولها، دون ان يعني ذلك الانسحاب من اراضي المنطقة (أ) التي يفترض خضوعها للسلطة بمقتضى اتفاقيات أوسلو، والتي تم اعادة احتلالها بعد اندلاع الانتفاضة. على ان هذه الفتات التافهة لن يتم تقديمها دفعة واحدة.. وانما بالتقسيط المريح، وبقدر تقدم السلطة في «ضبط الأمن»، واعادة بناء اجهزتها الامنية لتكون قادرة على النهوض بهذه المهمة (بالوكالة) عن اسرائيل.. التي تحتفظ لنفسها، في غضون ذلك، بحق التدخل في اي وقت، وبالطريقة التي تراها مناسبة لاعتقال واغتيال من تشاء من ناشطي الانتفاضة في المناطق التي يشملها الاتفاق!! ولقصف وتدمير واقتحام تلك المناطق ونسف البيوت والمنشآت فيها!! وهكذا نرى ان اتفاق «غزة بيت لحم اولا» يمثل حلقة من حلقات الجهود المحمومة الدائرة على المسار الفلسطيني خلال الشهور الأخيرة، والتي تصب كلها في اتجاه تحقيق هدف واحد هو انهاء العمليات الاستشهادية والعسكرية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين والاسرائيليين داخل الخط الاخضر (أرض 1948) وتصفية البنية الاساسية لمنظمات المقاومة المسلحة الفلسطينية. بيع الوهم وقد يكون التفكير في وقف العمليات الاستشهادية والعسكرية داخل الخط الاخضر مثلا امرا مقبولا ولفترة معينة وشريطة وقف قوات الاحتلال لعدوانها الوحشي على المدنيين الفلسطينيين. وهذا هو جوهر المبادرة التي كانت تطرحها حماس ومنظمات فلسطينية اخرى قبل اغتيال الشهيد صلاح شحادة ورفاقه، بل يمكن ان يكون امرا قابلا للنقاش ـ على مضض شديد وبسبب الظروف الدولية والاقليمية شديدة التعقيد المحيطة بالقضية الفلسطينيةـ اتفاق لوقف اطلاق النار لأسابيع قليلة شريطة ان تلتزم به اسرائيل بدورها، وان تقوم بتدابير ملموسة «لتخفيف المعاناة» عن الشعب الفلسطيني، مع التزام واضح ومحدود بالانسحاب من المناطق التي تم احتلالها عقب اندلاع الانتفاضة.. وان يكون ذلك كله في اطار التزام قاطع مضمون دوليا وأميركيا باستئناف المفاوضات السياسية للانسحاب واقامة الدولة الفلسطينية وفقا لجدول زمني قصير ومحدد.. ويبدو ذلك بعيد المنال. ولكننا نقول انه بفرض وجوده جدلا يمكن ان يكون الوقف الشامل لاطلاق النار، والتزام الجانب الفلسطيني «بالتهدئة» أمرا قابلا للنقاش. والواقع انه في ظل غياب ذلك فان قبول السلطة الفلسطينية باتفاق غزة بيت لحم أولا هو نوع من مقايضة الأمن للاحتلال بالأوهام للفلسطينيين!! أو مقايضة ما يسميه بن اليعازر «تخفيف المعاناة عن الفلسطينيين» بالحق في المقاومة.. اي بالسلاح الوحيد الباقي في يد الشعب الفلسطيني!! وهذا امر لا يمكن القبول به بحال من الاحوال. فالاتفاق لا يتضمن اي افق سياسي. وهو بالتالي محض اتفاق امني لصالح اسرائيل وحدها، دون اي التزام من جانبها سوى (وعود) بتخفيف (المعاناة)! الخبرة التاريخية باسرائيل تعلمنا قيمة (الوعود) الاسرائيلية التي ينبغي تسديد مقابلها بالتمام والكمال قبل اي حديث عن تنفيذها!! والتي تتبخر عادة بعد الحصول على ذلك المقابل!! اللهم الا اذا كانت هناك روادع وأوراق ضغط تحمل اسرائيل على التنفيذ.. وهل يا ترى يملك الفلسطينيون أية ورقة يمكن الوثوق بها غير مقاومتهم المسلحة؟ واذا كان الامر كذلك فهل يجوز بأي حال التفريط في هذه الورقة الوحيدة ذات القيمة؟! المناورات ومخاطرها.. مفهوم، بالطبع، ان السلطة الفلسطينية تتعرض لضغوط اميركية واسرائيلية شديدة العنف. كما تتعرض لضغوط غربية لا يستهان بها، وخاصة في اتجاه ضرورة تنفيذ «الاصلاح الامني». بل وتواجه السلطة كذلك حماس والجهاد وغيرها من فصائل المقاومة ضغوطا عربية لحملها على الكف عن الكفاح المسلح دون ان تقدم الاطراف العربية بديلا سوى ما تسميه «ايجابيات الموقف الاميركي ورؤية بوش». ومن ناحية اخرى فان السلطة الفلسطينية قد اصبحت خلال الشهور الاخيرة تواجه ضغوضا ما يسميه البعض «بالجناح المعتدل» فيها.. والذي يمثله عدد من اهم اركان السلطة ووزرائها المقبولين من جانب الولايات المتحدة واسرائيل والغرب عموما، والذين يجرى تداول اسمائهم كبدلاء محتملين لعرفات، او كأشخاص صالحين ليتم من بينهم اختيار رئيس للوزراء يتمتع بسلطة فعلية، بينما يبقى عرفات كرمز أو كرئيس شرفي...الخ الخ ويبدي هؤلاء استعدادا واضحا للتعاون مع الخطط والشروط الاميركية والاسرائيلية بخصوص الاصلاح الامني والمالي والسياسي. ولذلك فإنه يتم استقبالهم على الرحب والسعة في تل ابيب وواشنطن وعواصم الغرب، فضلا عن اغلب العواصم العربية، بينما يبقي الرئيس الفلسطيني المنتخب تحت حصار قاس في مقره برام الله! وتتقلص سلطته الفعلية يوما بعد يوم.. وفي ظل هذه الظروف العصيبة يجد عرفات نفسه أمام اختيارات محدودة وقاسية، ابرزها اثنان: اما الاستسلام للشروط الاسرائيلية الاميركية.. الأمر الذي يؤدي الى تصفية القضية الفلسطينية، وانتحاره سياسيا. واما الانحياز الواضح الى خط المقاومة السياسية والعسكرية للاحتلال. وهو الموقف الذي تتبناه أغلب الفصائل الفلسطينية المقاومة واغلبية الشعب الفلسطيني، رغم فداحة التضحيات. ويعني هذا ضرورة اقامة علاقات ديمقراطية حقا بين السلطة وفصائل المقاومة واصلاح السلطة سياسيا وماليا من منطلقات مخالفة، بالطبع، لتلك التي تريدها اسرائيل واميركا.. ومأزق عرفات انه لا يستطيع تبني اي من الاختيارين بصورة منسجمة. فلا هو يستطيع ان يقطع علاقته بسياسة المساومة والمراهنة على التسويات الأميركية ـ الاسرائيلية بحكم تكوينه الفكري والسياسي. ولا هو يستطيع المضي مع هذه السياسة حتى نهايتها لما يمثل ذلك من انتحار سياسي له، والأهم بما يمثله ذلك من مخاطر فادحة على قضية شعبه. ولا يستطيع عرفات من ناحية اخرى ان يتبنى بشكل حازم خيار المقاومة المسلحة والسياسة المتماسكة، وهو خيار لا يستبعد امكانية التسويات والمساومات، ولكن في اطار مبادئ وضوابط اكثر صرامة، تربط المرونة التكتيكية بالأهداف الاستراتيجية للشعوب وقضاياها التي تواجهها القضية الفلسطينية طوال تاريخها فان عرفات أصبح علما على سياسات المناورة السياسية التي يلخصها بكلمته الشهيرة عن سياسة «اللعم!!» أي.. لا.. ونعم في الوقت نفسه!! والمرتهنة على ان اخطاء اعدائه والتناقضات بينهم يمكن ان توفر له المخرج من المواقف الصعبة.. وان الصبر والانحناء للعاصفة حتى تمر يمكن ان يتيح فرصا أفضل...الخ. وهذا بالضبط ما حاول عرفات ان يستمر في تطبيقه فيما يتصل بقضية «الاصلاح». ان يوافق عليه من حيث المبدأ.. ويحاول تقليص مخاطره الى الحد الادنى. وهو ايضا ما حاول تطبيقه فيما يتصل باتفاق غزة بيت لحم اولا.. فوافق على الاتفاق تحت ضغوط اسرائيلية ـ اميركية وغربية وعربية وداخلية شديدة. وهو يراهن على ان اسرائيل لن تلتزم بوعودها، وان الفصائل الفلسطينية لن تلتزم به.. أو لن تلتزم به تماما، ما دامت اسرائيل لن تلتزم.. وهكذا يربح هو الظهور بمظهر المعقول.. ويربح الشعب الفلسطيني بعضا من «تخفيف المعاناة» وتتحمل اسرائيل مسئولية عدم الالتزام بالاتفاق!! وتخف الضغوط قليلا على السلطة!! ومأساة سياسية المناورة في عالم ما بعد 11 سبتمبر بالذات ان هامش المناورات قد اصبح ضئيلا للغاية أو منعدما أمام الشعب الفلسطيني وسلطته. فالتطابق في المواقف بين «الراعي الاميركي» والدولة الصهيونية تحت حكم اليمين المتطرف. واندفاع ما كان يوما يعرف باسم «اليسار الاسرائيلي» نحو اليمين.. وتخاذل الانظمة العربية من استفحال النزعات الاميركية للهيمنة والعدوان وحرب واشنطن العالمية على ما يسمى «بالارهاب».. وتراجع الدعم الاوروبي للقضية الفلسطينية بصورة واضحة ازاء ذلك كله.. كل هذه عوامل جعلت هامش المناورة يكاد يكون معدوما امام القيادة الفلسطينية.. بحيث أصبح عليها ان تختار بصورة واضحة بين سياسة المساومة والمهادنة ـ التي تؤدي الى الاستسلام والتفريط في قضية شعبها ـ وسياسة المقاومة باهظة الثمن، ولكن التي برهنت على قدرتها على انزال الخسائر المؤلمة بالعدو وافشال خططه في تركيع الشعب الفلسطيني. وكما ذكرنا في بداية هذا المقال فان القول بان اتفاق غزة وبيت لحم اولا قد ولد ميتا (واعتماد سياسة المناورة على هذه الفكرة) لا يحل المشكلة.. وخاصة في ظل ضيق او انعدام هامش المناورة امام القيادة الفلسطينية. فكل التزام وافقت عليه القيادة الفلسطينية يعرضها لضغوط عنيفة اذا تراجعت عنه قيد أنملة.. وبغض النظر عن عدم وفاء اسرائيل بالتزاماتها.. هكذا كانت الحال منذ أوسلو الى تقرير ميتشل الى خطة «تينت». وبمقتضى اتفاق غزة وبيت لحم اولا فان السلطة تلتزم بضبط الأمن ووقف العمليات العسكرية.. الأمر الذي يعني خلق أجواء متوترة بينها وبين الفصائل الملتزمة بالمقاومة المسلحة وفي مقدمتها حماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وحتى كتائب شهداء الاقصى المنتمية لفتح ـ اذا خرجت عن الطاعة ـ وكلها اعلنت رفضها للاتفاق. وهذه الأجواء المتوترة يمكن ان تؤدي الى نشوب اقتتال فلسطيني اذا ما حاولت السلطة تنفيذ الاتفاق، كما نتوقع ان تضغط عليها اسرائيل واميركا لتفعل.. اما اذا تراجعت السلطة عن الاتفاق او امتنعت عن تنفيذه، ردا على الموقف الاسرائيلي، فسوف تتزايد الضغوط عليها وتتزايد الاتهامات لعرفات بالعجز تارة وبالمراوغة تارة اخرى. وفي الحالتين سوف يزداد موقفها ضعفا لصالح الجناح «المعتدل» المستعد للمضي الى اخر الشوط مع اسرائيل. وكلا الامرين يحمل مخاطر فادحة للشعب الفلسطيني وقضيته.. ـ كاتب مصري