يطرح العديد من المراقبين تساؤلات ملحّة حول ما اذا كان هناك تعارض مبدئي بين اتفاق الفصائل الفلسطينية على وثيقة وطنية موحدة تحدد اهدافها المشتركة المرحلية والنهائية، ووسائل عملها النضالي والتنظيمي لبلوغ هذه الاهداف، ومشروع «غزة أولاً» الذي يجري تنفيذه حالياً. في حين تتزايد حاجة هذه الفصائل لتعزيز وحدتها الداخلية أمام الضغوط الشديدة التي تتعرض لها من اسرائيل واميركا ومن أطراف دولية وعربية مختلفة، يبرز المشروع الاسرائيلي الذي حمل عنوان «غزة أولاً» وكأنه محاولة أخرى جديدة لشق الصف الفلسطيني، وليس فقط تقليص النضال الفلسطيني حيث يستجيب لمقتضيات تحقيق وضمان الأمن الاسرائيلي وحده. لهذا يبدو قلق بعض الفصائل الفلسطينية مما وصفه وزير الاشغال الفلسطيني عزام الاحمد بـ «المصيدة» الاسرائيلية، مفهوماً تماماً. إذ ان المشروع الذي كان الثعلب الاسرائيلي شيمون بيريز قدمه قبل نحو ستة أشهر يعيد الى الذاكرة الفلسطينية مجموعة من المصطلحات كان لها على الدوام وقع سييء بسبب انعكاساتها السلبية على النضال الفلسطيني. فمن «غزة أولاً» الى «غزة واريحا أولاً وأخيراً»، الى «غزة ورام الله أولاً»، الى «غزة وبيت لحم أولاً»... والى مصطلحات عديدة اخرى يجري ابتكارها مرة بعد مرة وفقاً لحاجات الاسرائيليين، وكبدائل لحلول جدية تحقق انهاء الاحتلال الاسرائيلي وتمنح الشعب الفلسطيني فرصة تقرير مصيره بنفسه وفق مصالحه الوطنية. على ان ما ينبغي التوقف عنده في هذا المجال هو التزامن المريب بين طرح موضوع وثيقة العمل الوطني الفلسطيني وانشاء «القيادة الفلسطينية الموحدة» والنسخة الجديدة من المشروع الاسرائيلي القديم «غزة أولاً»! وفي هذا المجال لابد من تسجيل ملاحظتين: الملاحظة الأولى: ان الفصائل الفلسطينية الثلاثة عشر التي تجسّد النضال الفلسطيني في مراحله المختلفة من أجل التحرر وتحقيق الاستقلال الوطني، كادت ان تتوصل الى اتفاق نهائي في شأن «الوثيقة الوطنية الموحدة» برغم اختلاف وجهات النظر حول العديد من بنودها الرئيسية، مما كان سيشكل خطوة بالغة الاهمية على طريق توحيد الموقف الفلسطيني ومنع اسرائيل من استفراد أي فصيل وضربه. بيد ان بروز المشروع الاسرائيلي «غزة أولاً» واعادة طرحه في صيغة جديدة، ثم اضطرار السلطة الفلسطينية الى القبول به تحت تأثير ضغوط مختلفة المصادر والاتجاهات، أضاف عوامل أخرى الى تلك التي كانت تدفع بعض الفصائل الى التردد في الموافقة على الصيغة المقترحة لوثيقة العمل الوطني. وبدلاً من ان يقتصر التجاذب بين الفصائل الفلسطينية على محاولة التمييز بين الاهداف المرحلية والنهائية للنضال الفلسطيني وتحديد وسائل العمل المناسبة لكل مرحلة، وهو أمر ضروري ومشروع تماماً، تولّدت شكوك وانقسامات اضافية بسبب التباعد الواضح حول النظرة الى جدوى تجربة المشروع الاسرائيلي «غزة أولاً» بعد الفشل المريع، والباهظ الثمن الذي سجله اتفاق اوسلو وتداعياته. فاتفاق أوسلو الذي عرف بـ «غزة وأريحا أولاً» كان أوسع مدى وأكثر قبولاً في الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، ومع ذلك ظل عاجزاً عن اكتساب مشروعية كافية لدى الطرفين، خصوصاً لدى الطرف الاسرائيلي الذي كان يتعامل مع بنوده ومراحله والالتزامات التي يرتبها في صورة انتقائية، مما أفقده القدرة على الصمود حتى يحقق نتائجه المرتجاة. وإذا كان التلاعب الاسرائيلي ورفض الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة التقيد بالاتفاقات التنفيذية الناشئة عن «أوسلو» أدى في نهاية المطاف الى خلق الظروف التي ولدت الانتفاضة الفلسطينية، وبالتالي الى الوضع الكارثي الراهن، فكيف يمكن الوثوق بأن المشروع الاسرائيلي الحالي، وبعد كل المجازر الاسرائيلية وعمليات التدمير المبرمجة يمكن ان يحقق نتائج أفضل من تلك التي حققها اتفاق أوسلو؟ الهاجس الاسرائيلي الدائم الملاحظة الثانية: ان التخلص من «جحيم غزة» كان الهاجس الدائم للحكومات الاسرائيلية، خصوصاً خلال المراحل المختلفة التي سبقت اتفاق أوسلو. ويمكن القول ان أحد الدوافع الاسرائيلية لعقد اتفاق أوسلو كانت الرغبة في انهاء الانتفاضة الأولى والخروج من غزة، الى دوافع اخرى عديدة أبرزها استفراد الجانب الفلسطيني وبعثرة المسارات العربية التي كان من المفترض ان تظل موحدة تحت مظلة مؤتمر مدريد. وإذا تأملنا المشروع الاسرائيلي الجديد «غزة أولاً» نراه لا يخرج عن هذا التصور القديم، فاسرائيل التي تتجنب العودة الى «جحيم غزة» خوفاً من النتائج التي ستترتب على خطوة كهذه، كما أعلن رئيس اركان جيشها وكبار المسئولين فيها، تحاول ان تبيع هذا الموقف للفلسطينيين باعتباره جزءاً من تسوية اختبارية مرحلية وليست نتيجة لفشل رهانات أرييل شارون وحكومته اليمينية المتطرفة، ان أقصى ما يمكن ان تذهب اليه حكومة شارون في هذا المجال هو قيام كيان فلسطيني ما في قطاع غزة تحاصره القوات الاسرائيلية من الجهات كافة، بحيث تصبح الهجرة بالنسبة للفلسطينيين المكدسين داخل هذا الكيان الخيار الافضل، وهو ما يحاول شارون ان يفعله الآن من خلال جعل حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية والقطاع امراً لا يطاق، واذا كان ثعلب اسرائيل العجوز شيمون بيريز هو صاحب النسخة الجديدة من المشروع القديم «غزة اولاً» الا انه بدا من السهل عليه اقناع شارون ووزير دفاعه بن اليعازر بتبنيه، فالمشروع الوهمي لن يكلفهما شيئاً باستثناء اطلاق المزيد من الوعود الكاذبة لاضفاء نوع من الجدية عليه، وذلك برغم مواصلة حملتهما التدميرية في الضفة الغربية المحتلة واعتقال واغتيال المزيد من المدنيين الفلسطينيين. دوافع اسرائيلية اخرى ومع ان للمسرحية الاسرائيلية الجديدة ابعادها واهدافها الخاصة، الا ان ثمة دوافع اخرى لمحاولة تبريد الساحة الفلسطينية ابرزها تركيز الاهتمام على العراق وتهيئة الاجواء للحملة العسكرية التي تعدها الولايات المتحدة ضده، فقد ظهرت آراء داخل الولايات المتحدة وخارجها مفادها انه لا يمكن خوض الحرب ضد العراق من دون تسوية المعضلة الفلسطينية، لان بقاء الوضع الراهن على حاله يعني تحول النقمة العامة في المنطقة ضد الولايات المتحدة واسرائيل معا مما يهدد بردود فعل ومضاعفات قد يصعب التحكم بها تماما. ويعتقد الكثيرون في اسرائيل والولايات المتحدة ان حسم الوضع في العراق يساعد لاحقا على حسم الصراع العربي ـ الاسرائيلي لمصلحة الهيمنة الاميركية ـ الاسرائيلية المشتركة. ولهذا فان المشروع الاسرائيلي الحالي يخدم هذا الهدف تماما، اذ يتيح التفرغ للموضوع العراقي وحشد كل الطاقات العسكرية والدبلوماسية وتوجيهها نحو الارض العراقية. ان الفصائل الفلسطينية جميعها تدرك هذه الحقائق بالتأكيد، ولذلك فان نجاحها في وضع وثيقة وطنية موحدة والالتزام بتطبيقها يجنبها مزالق العمل الفردي في مرحلة تتطلب اقصى درجات سد اللحمة الداخلية، فالصراع الذي لم يحسم عبر نصف قرن من المواجهات المستمرة، ثم خلال مرحلة اوسلو الملتهبة ،لن يحسم في ايام او اشهر قليلة، لكن اسرائيل، التي استطاعت ان تركب موجة مكافحة الارهاب وتستفيد منها الى اقصى حد ممكن، تسعى اليوم الى ركوب موجة الحرب التي يجري اعدادها ضد العراق، وربما ضد دول اخرى تضعها واشنطن ضمن «محور الشر» وهذا الامر يرتب مسئوليات اضافية على قيادات الفصائل الفلسطينية، لان كل ذلك ستظهر آثاره ومضاعفاته في فلسطين، كما في العراق، وربما في دول شرق اوسطية اخرى سيأتي دورها، بحسب ما تنبيء الرياح المسمومة التي تهب من واشنطن وتل ابيب في صورة متوازية. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس