في العام 1948 خرج اهالي ما اصبح يعرف بمخيم جنين للاجئين الفلسطينيين من ديارهم داخل الخط الاخضر، شأنهم في ذلك شأن ملايين الفلسطينيين ممن اخرجوا من ديارهم تحت وطأة المجازر الرهيبة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية. واستقر هؤلاء الذين كانوا يعدون بالمئات في سهل «جنزور» قرب بلدة قباطية في محافظة جنين، حيث نصبوا مجموعة من الخيام على امل العودة إلى منازلهم في الجليل والمثلث، خلال ايام او عدة اسابيع. ومكث اللاجئون في ذلك السهل حتى اوائل الخمسينيات، حيث اضطروا إلى مغادرته بعد ان غمرته المياه جراء الامطار والسيول الغزيرة التي حولت السهل إلى اكوام من الطين المتحرك، وكادت تغرق من كان يسكنه من اللاجئين ممن اتت المياه على خيامهم واشيائهم الاخرى، فخرجوا مرة اخرى بالملابس التي كانت على اجسادهم، دون ان يتمكنوا من انتشال شيء من اغراضهم سوى القليل. وبدأ هؤلاء بالتجمع على قطعة من الارض غرب مخيم جنين، حيث باتوا ليالي طويلة افترشوا خلالها الارض والتحفوا السماء، وسط اجواء البرد القارس، حتى حصلوا على عدد محدود من الخيام تقاسموها فيما بينهم حتى تحصل كل عائلة على خيمة تؤويها وتقيها وطأة البرد الذي ازهق ارواح العشرات من الاطفال وكبار السن. وبدأ ذلك التجمع بالتطور تدريجيا حتى بلغ عدد سكانه في العام 1967، نحو 4500 نسمة يعيشون على قطعة من الارض مصنفة املاك غائبين تبلغ مساحتها 374 دونما، اصطلح السكان على اطلاق اسم «مخيم جنين» عليها. وعندما اندلعت حرب الرابع من يونيو عام 67، رحل عن ذلك المخيم ربع سكانه ممن اصبحوا يعرفون بـ «النازحين» الذين نزح معظمهم إلى الدول العربية المجاورة وفي الشتات. وارتفع عدد سكان المخيم وفقا لاحصائيات وكالة الغوث الدولية لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى نحو لاجيء يعيشون على ذات قطعة الارض التي كان يقطن فيها 4500 لاجيء منهم في العام 67، ما تسببت بازمة ازدحام خانقة دفعت بعض الازواج الشابة إلى الهجرة عن المخيم بحثاً عن مساكن لها خارجه. ورفض سكان المخيم عدة افكار طرحت من اجل توسيع رقعته، خشية منهم ان يكون ذلك التوجه بمثابة محاولة لتوطينهم، والتفافا على حقوقهم وفي المقدمة منها حق العودة الذي تم تأجيل مسألة التفاوض بشأنه حتى المفاوضات النهائية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، بينما يمنع قانون وكالة الغوث البناء لاكثر من طابقين (الارضي والذي يليه)، كما هو الحال في سائر مخيمات اللاجئين. وعندما اندلعت الانتفاضة المجيدة أواخر العام 87، كان أواخر عرضة لجرائم القتل وهدم المنازل من قوات الاحتلال، حيث استشهد واصيب المئات من سكانه برصاص الجيش الاسرائيلي، بينما هدمت العشرات من المنازل، وجرى اعتقال الآلاف من الشبان ممن امضوا فترات متفاوتة في السجون والمعتقلات الاسرائيلية. وكان المخيم حاضنا رئيسيا إلى جانب بلدة قباطية لظاهرة المطاردين خلال الانتفاضة المجيدة، وخصوصا مجموعات «الفهد الاسود» الجناح العسكري لحركة فتح ومجموعة «النسر الاحمر» الذراع العسكرية للجبهة الشعبية. وحرصت تلك المجموعات على التواجد في المخيم بشكل رئيسي اعتقادا منها انه المكان الاكثر امانا من اي مكان آخر، وذلك بسبب تلاصق المنازل وكثرة الأزقة التي يكاد من يولد وينشأ في المخيم يضيع فيها. وعندما بدأت مفاوضات السلام الفلسطينية ـ الاسرائيلية، كان اهالي مخيم جنين من اوائل الفلسطينيين ممن خرجوا إلى الشوارع وهم يحملون اغصان الزيتون التي وضعوا بعضاً منها على دوريات ما يعرف باسم حرس الحدود الاسرائيلي، اعتقادا منهم ان تلك المفاوضات ستجلب لهم الامن والسلام، وتمكنهم من العودة إلى ديارهم داخل الخط الاخضر التي يحلمون بالعودة اليها. ومع اندلاع «انتفاضة الاقصى» شكل مخيم جنين هدفا لاسرائيل التي حاولت لعدة مرات اقتحامه، وجوبهت بمقاومة عنيفة من قبل المقاومين، وصمود من الاهالي ممن اثروا البقاء داخل منازلهم في المخيم، رغم الاخطار الكبيرة التي كانوا يتعرضون لها. وبلغت الاعتداءات الاسرائيلية على المخيم ذروتها، فجر الثالث من ابريل الماضي، حيث دفعت اسرائيل بالمئات من الدبابات وناقلات الجند المصفحة والآليات الثقيلة المعززة بالمروحيات القتالية، إلى مشارف المخيم، وبدأت بقصفه بالصواريخ والقذائف ورصاص الرشاشات الثقيلة. وشكلت المنازل التي كان السكان يعتقدون انها آمنة، هدفا مباشرا للقوات الاسرائيلية التي تعمدت قصف جميع المنازل هناك بدون استثناء، فدمرت منها المئات التي سوتها الجرافات والصواريخ والارض، بينما اصبحت غالبية المنازل غير صالحة للسكن بسبب حجم الدمار الهائل الذي لحق بها. ولا يزال اهالي المخيم يقدمون المساعدات لفرق الانقاذ من اجل انتشال المزيد من جثث الشهداء التي مازالت تحت انقاض المباني المدمرة، بعد ان تمكنوا من انتشال 53 جثة شهيد دفنوها في مقبرة جماعية انشئت غرب المخيم وخصصت لشهداء المجزرة. واوقفت اعمال البحث عن مفقودين احياء تحت الركام، بعد ان تبين للفرق الاجنبية التي تولت تلك المهمة ان مسألة البحث عن احياء تحت الانقاض باتت غير مجدية بسبب استحالة امكانية العثور على هؤلاء الاحياء ممن يسود الاعتقاد انهم قضوا تحت الانقاض.