في محاولة مكثفة لشق الصف الفلسطيني على ما يبدو بعد التلويح بانتخابات مبكرة وحل الكنيست الحالي روجت اسرائيل في الأسبوع الماضي لمزاعم خطيرة، عن أعضاء الكنيست العرب وكان محور وهدف تلك المزاعم جليا ويمكن اكتشافه فور مطالعتنا للسطر الأول من التقرير الموسع الذي نشرته «هآرتس» حيث ذكرت: على خلاف ما هو ظاهر للعيان من وحدة وتحالف بين أعضاء الكنيست العرب، وهو ما يظهر خلال عمليات التصويت على القوانين والقرارات فإن الخلافات حادة بينهم من تحت السطح وهو ما يظهر ـ والكلام للصحيفة الاسرائيلية ـ من خلال حوارات معهم . التقرير الاسرائيلي روج لوجود انتقادات متبادلة وخلافات ومنافسات ترجع للسعي للحصول على أصوات نفس الجمهور مما يعني أن التنافس السياسي تجاوز أي اعتبار آخر ففي الانتخابات الأخيرة حصلت ثلاث قوائم عربية على نسبة الحسم وهي النسبة المئوية التي تتيح للحزب دخول أعضاء قائمته للكنيست والتي لو لم تحصل عليها القائمة فإن أصوات الناخبين تذهب سدى ولا يدخل للكنيست أي عضو من القائمة وكان مجموع أعضاء الكنيست العرب 10 أعضاء (تكرر هذا الرقم في الانتخابات السابقة رغم أن عدد الناخبين الفلسطينيين يتيح دخول 17 عضوا في حالة الاتفاق من البداية على قائمة عربية موحدة) ،ابرز التقرير الاسرائيلي الانقسام الذي حل على تحالف عزمي بشارة مع أحمد طيبي «ميدع» (التجمع الوحدوي الوطني) عقب انتهاء الانتخابات مباشرة وتأسيس الثاني لقائمة خاصة به وزعمت أن الاثنين لا يتبادلان إلا عبارات مقتضبة رغم جلوسهما متجاورين في الكنيست ورغم الحرص الدائم على المجاملة في المناسبات العائلية. في المقابل أسس «محمد كنعان» و«توفيق خطيب» أيضا قائمة مستقلة عن قائمتهم الأصلية « رعم» (القائمة العربية الموحدة) نسب التقرير لأعضاء في «حداش» (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتي تقبل أعضاء يهوداً) انتقادات لأسلوب عمل بقية القوائم العربية بقولهم لم تحدث لدينا انشقاقات وظلت قائمتنا موحدة لأن لدينا برنامجا حقيقيا وايديولوجية بينما قامت القوائم الأخرى على التقاء المصالح التي لم تستمر. وفي الإطار نفسه قال «هاشم محاميد» أقدم أعضاء الكنيست العرب (كان في حداش وانتقل لرعم): أعضاء الكنيست عن حداش لا يمثلون الحزب بل يمثلون جميعا في الواقع «مقاي» (الحزب الشيوعي الاسرائيلي السابق)، القائمة العربية الموحدة كانت بدورها تمثل ثلاث حركات هي الحركة الإسلامية ويمثلها عبد المالك دهامشة، والحزب الديمقراطي العربي ويمثله طلب الصانع، وجبهة الاتحاد القومي ويمثلها هاشم محاميد. لوبي المتدينين العرب وفي مقابل عدم التنسيق الكافي بين أعضاء الكنيست العرب أوضحت الصحيفة أن أعضاء الكنيست المتدينين يقيمون رغم المنافسة المحتدمة بين أحزابهم لوبي موحداً. وعن هذا يقول أحمد طيبي فكرنا في البداية في التنسيق من خلال ملتقى ثابت لكن سرعان ما تبخر الحلم عندما بدأنا في مناقشة فكرة التقدم بمرشح عربي لمنصب رئيس الوزراء. ومع هذا أعرب كل أعضاء الكنيست العرب عن أملهم في عودة هذا الملتقى لممارسة نشاطه المهم بل وأوضحوا أنهم جميعا يحلمون بدخول الانتخابات المقبلة بقائمة موحدة. ومن النماذج على هذا الرأي قول احمد طيبي: غالبية الناخبين الفلسطينيين يريدون قائمة موحدة لكن هناك أعضاء كنيست عرب لا يريدون ذلك. وقول هاشم محاميد: سيكون من المؤسف للغاية ألا ندخل الانتخابات المقبلة بقائمة موحدة. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي توقف ضياع الأصوات العربية سدى (بسبب طريقة نسبة الحسم). انعدام التنسق في التصويت التقرير الاسرائيلي ذكر أن التصويت يتباين بين أعضاء الكنيست العرب في القضايا التي لا تتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي والمشاكل التي تتعلق بفلسطينيين الـ 48 حيث يقوم كل حزب نتيجة لانعدام التنسيق بالتصويت بالطريقة التي تتراءى له ومن الأمثلة على ذلك تصويت أعضاء الكنيست العرب عند طرح قانون يعفي طلبة المعاهد الدينية من التجنيد بالجيش الاسرائيلي. فقد صوت لصالح القانون أعضاء الكنيست عن حداش وضده أعضاء الكنيست عن القائمة الموحدة. كما أيد القانون عزمي بشارة وامتنع عن التصويت عليه أحمد طيبي. عصام مخول من حداش قال: نحن متفقون في كل الأمور المتعلقة بإدانة اسرائيل لهدمها المنازل ولاتباعها سياسات عنصرية واضطهاد ضد فلسطينيين الـ 48 وعمليات الجيش الاسرائيلي في الضفة وغزة، ونطالب بانسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة فورا، ولا توجد حاجة للتنسيق المسبق فمواقفنا واحدة، لكن بالنسبة لموضوعات أخرى فإننا نتباين في المواقف لتباين المصالح وتباين الأسس الفكرية. ومن الأمثلة على ذلك خلافات حداش مع الحركة الإسلامية حول موضوعات الدين والدولة، والنساء. وفي السياق نفسه قال عزمي بشارة: حداش تعترض على سياسات الخصخصة لكني أؤيدها بشكل كبير فأنا أؤيد خصخصة شركة الكهرباء. وأيده من حيث المبدأ أحمد طيبي بقوله : لا يمكن أن أؤيد اقتراحاً اقتصادياً لست مقتنعا به لمجرد أن عضوة ـ يهودية ـ عن حزب حداش تقدمت به. التقرير الاسرائيلي رصد اختلافاً في أسلوب ممارسة العمل داخل قاعة الكنيست فذكر أن هناك قسم من أعضاء الكنيست العرب يصرون على سياسة الصوت العالي والمصطلحات القوية ومقاطعة رئيس الوزراء (والمتطرفين اليهود) عند إلقائهم بيانات أمام الكنيست وأعضاء الكنيست العرب الذين ينتمون لهذه المدرسة هم: محمد بركة وعصام مخول، و أحمد طيبي، وطلب الصانع. وفي المقابل تعرضوا لعقوبات متعددة منها الإبعاد لبضعة أيام وتحديد الحركة داخل القاعة من الأمثلة على ذلك : تعرض «مخول» لحظر حضور المناقشات لمدة ثلاثة أيام بعد أن قال لشارون أن محكمة مجرمي الحرب تنتظره وما تعرض له طيبي لمجرد إشادته بصمود أبطال مخيم جنين .. أما الطرد من الجلسة فقد أصبح أمرا معتادا ومتكررا تجاه غالبية أعضاء الكنيست العرب. وهو ما علق عليه أحمد طيبي بقوله : لا أسعى لأن أحوز رضا وإعجاب الساسة الاسرائيليين ومن حقنا أن نعبر ـ كل بطريقته ـ بشكل مباشر عن رأي المجتمع العربي. وعند هذه النقطة سعى التقرير أيضا للوقيعة حيث نسب لهاشم محاميد قوله: لا أسعى لتسجيل الصحف لمواقفي في مانشيتات رئيسية عن طريق الصراخ الشديد. وكنت أنا شخصيا استخدم هذا الأسلوب حتى عام 93 عندما اشتركت في مظاهرة تأييد للفلسطينيين والانتفاضة الأولى وهنا تم اعتبار ما قلته تحريضا وتم فرض حظر على حركتي لمدة ثلاثة اشهر فتوقفت منذ هذا الحين عن اتباع أسلوب الصوت العالي. فقد توصلت لقناعة بأنه لكي أغير في الواقع علي أن أتحدث مع وزراء وأعضاء الكنيست اليهود ولهذا السبب لا اتبع نفس النهج الذي يسير عليه بعض أعضاء الكنيست العرب من حيث إلقاء بياناتي باللغة العربية فأنا أتحدث بالعبرية لأنني في حاجة لتفاهم الآخرين مع ما أقول. وهو الرأي الذي اتفق فيه معه توفيق خطيب حيث قال : أغلب العرب لا يفضلون الصوت العالي والذين يستخدمون العبارات اللاذعة ويفضلون من يوصلون الرسالة بشكل موضوعي. عزمي بشارة وضع لنفسه مبدأ في هذا الموضوع أوضحه بقوله: عندما يعبر الصراخ عن الم يكون أمرا مقبولا، لكن إذا كان الصراخ فقط للفت الانتباه أمام الكاميرات فهذا أمر غير مقبول ويجعل الناخبين يتساءلون عما إذا كنا نعمل في الكنيست أم التلفزيون. تلاسن وتبادل هجوم الغريب أن التقرير نسب لعضو الكنيست توفيق خطيب هجوما غير متوقع على زميله أحمد طيبي لمهاجمة الأخير لرئيس الأركان الأسبق شاؤول موفاز من فوق منصة الكنيست حيث قال توفيق : هناك من لا يستطيعون العيش بدون تغطية وسائل الإعلام لأنشطتهم والتي غالبا تبحث عن أخبار على غرار رجل عض كلباً أو عضو كنيست يهاجم موفاز وأنا ضد هذا أرفض أن يتم مهاجمة شخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه فهذا ليس أسلوبي! أحمد طيبي رد قائلا : انتقاداتي لرئيس الأركان لاقت تأييدا واسعا وسط الجماهير العربية. وقد تجاوزنا عصر (العمد) والجماهير تريد من ينتقد بصوت عال. التقرير تضمن أيضا عبارات ضد هاشم محاميد لضمه للجنة حساسة وذات صلاحيات واسعة هي لجنة الخارجية والأمن (رغم اعتراضات أعضاء كنيست من اليمين) حيث نسب لعضو كنيست لم يذكر اسمه!. ليس من المستغرب اختيار الاسرائيليين لهاشم محاميد لكي ينضم للجنة فهو مسالم ولم يغضبهم ولو لمرة واحدة. محاميد علق على هذا بقوله: أطرح آرائي أمام رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان ومدير الاستخبارات الداخلية وقد أضاف لي هذا أمام الناخبين ولم يحدث العكس. فأنا أتحدث عن مشاكل الجماهير العربية الأمنية أمام لجنة في غاية الأهمية. وقد جلست مع شارون لإقناعه بضرورة منح من يتم هدم منازلهم أراضي بديلة فأنا مستعد للجلوس مع أي مسئول اسرائيلي من أجل دعم الحقوق والمصالح العربية.