بدأ حزب المؤتمر الوطني الشعبي بزعامة د. حسن الترابي المعتقل حالياً بأمر من رئيس الجمهورية حرباً جدية ومكشوفة ضد اتفاق ماشاكوس الموقع ما بين الجيش الشعبي لتحرير السودان والحكومة الشهر الماضي وما يجرى الآن من مفاوضات بين الطرفين ورئيس الحزب من خلال مجموعة من البيانات المتتابعة الصادرة عن اجهزته ضد ماشاكوس ومخلفاتها واصفين الاتفاق بأنه صفقة وقسمة تقاسم بها الطرفان السودان وحددا مصيره ومستقبله وحدهما: الشمال للحكومة والجنوب للحركة. وحشد الحزب رغم التضيق الحكومي الواسع الممارس عليه خلال اليومين الماضيين اعداداً كبيرة من مساعديه معمماً عليهم توجيهاً صارماً بمناهضة اتفاق ماشاكوس من كل المناير المتوفرة لهم. وكان الحزب قد اصدر ما اسماه بالمذكرة التفسيرية لاتفاقية ماشاكوس حدد فيها سبع نقاط قال انها تعتبر مهددات رئيسية، ووضع في بند منها الغاء الشريعة الاسلامية وفصل الدين عن الدولة الذي قال انه تم بطريقة «خبيثة» رغم ان الاسلام دين الاغلبية ومضى حزب الترابي في مذكرته التي اودعها لدى رؤساء الاحزاب السودانية المختلفة بما فيها الحزب الحاكم مجملاً ما اعتبره مهددات للامن الوطني السوداني من قبل ماشاكوس ليقول: ان الاتفاق الغى دستور 1998م والغى كذلك الحكم الفيدرالي والغي وحدة السودان وجعل الشمال تحت سيطرة ثقافة الجنوب ومنح الحكم الشمولي الحالي وضعية استمرار لست سنوات مقبلة. ودعا حزب الترابي لاشراك كافة القوى السياسية السودانية في تحديد مصير بلادها وعدم قصر الامر على طرفين فقط وتعهد الحزب بمقاومة الاتفاق الذي عده قاصراً ولا يمثل حلاً لمشكلة البلاد. ومن باب الحرص على التوثيق تورد «البيان» فيما يلي الفقرات الرئيسية الواردة في نص مذكرة حزب المؤتمر الوطني الشعبي. الغاء الشريعة الاسلامية بطريقة خبيثة تنص الفقرة 3 ـ 1 ـ 1 من البروتوكول على ان القانون الاعلى (وهو الدستور) وهو الذي يجب ان تخضع له كل القوانين وتسايره ـ وهو الذي ينظم العلاقات والسلطات بين كل مستويات الحكم في السودان كما جاءت المادة 1 ـ 2 ـ 1 لتجعل الحكومة القومية هي التي تجيز القوانين على المستوى القومي ـ وهي حكومة قومية مبهمة التكوين لا يعرف منها الا الطرفان ـ اذ لم يرد نص على كيفية تكوينها بل هي التي تجيز القوانين. اذ لم يرد نص على وجود هيئة تشريع (برلمان) ولم يرد نص على ذكر اصول تشريع لها، اذ ترك مصدر التشريع مجهولاً ليستر العلمانية واللا دينية في القانون الاعلى (الدستور) والذي يؤكد علمانيته تصريحات قادة الحركة الشعبية ياسر عرمان ودينج الور ثم جون قرنق نفسه اوضح فيها ان الدستور الاتحادي لا يكون اسلامياً وان الحكومة المركزية ليست فيها شريعة اسلامية (شلناها بره). ثم تجيء الفقرة 3 ـ 2 ـ 1 طالبة مراعاة التنوع الثقافي والديني في وضع القوانين ولم تذكر مراعاة الاغلبية المسلمة في السودان والتي ينبغي ان يكون لها حق التعبير في التشريع. اما المادة 6 فإنها تطلب عدم استخدام الدين كعنصر تفرقة بين المواطنين ولكنها جعلت القوانين في الولايات الجنوبية مصدرها الرأي العام والاعراف والتقاليد والمعتقدات ولكنها لم تجعل الشريعة كأحد مصادر المعتقدات في التشريع في الجنوب بالرغم من وجود عدد مقدر منهم هناك ـ بل انها جعلت الجنوب في عصمة من الشريعة الاسلامية في كل ما ورد في الفقرة 3 ـ 2 ـ 4. وهي تجعل الجنوب الزاماً علمانياً ولا سبيل لتطبيق الشريعة الاسلامية حتى في المستقبل ولئن جعلت الفقرة 3 ـ 2 ـ 2. مصدر التشريع في غير الولايات الجنوبية (الشمالية) هي الشريعة (وليست كمصدر اساسي) واجماع الشعب الذي سيتعذر تحقيقه كما انها لم تجعل في الاتفاق كياناً للولايات الشمالية تصدر فيه شريعة اسلامية فالشريعة معلقة على غير كيان موجود ـ كما انها ذكرت ضرورة مراعاة التعدد الثقافي والديني ـ ولم تذكر مراعاة الاغلبية المسلمة اطلاقاً في كل الاتفاقية، ويعني هذا ان قوانين الولايات الشمالية ستصطدم بالقانون اللا ديني الاعلى (الدستور) ـ الذي لن يكون قطعاً اسلاميا في المواضيع ذات العلاقة المشتركة بين الشمال والجنوب ـ في الاقتصاد ـ والسياسة الخارجية ـ والحياة العامة السياسية وغيرها مما هو من اختصاص الحكومة القومية، حيث لم يذكر مصدر التشريع وستبقى الشريعة الاسلامية محصورة في الاحوال الشخصية كما في الفقرة 6 ـ 4 وهكذا الغيت الشريعة بصورة ذكية بل انها اعتبرت عنصر تفرقة بين المواطنين ولا ينبني عليها اي قانون. الغاء الدستور الحالي 98 لانه مصدره الرئيسي الشريعة اوردت الفقرة 3 ـ 1 ـ 1 ان القانون الاعلى (الدستور) الذي ستخضع له كل القوانين ـ مع انه مجهول المنشأ والكيفية ـ وبصدوره: سيلغى دستور 98 الحالي بمواده ومصادر الشريعة الاسلامية ومؤسساته الدستورية التي قامت عليه بل وتم الغاؤه بغير ما ورد فيه من طرق للتعديل والالغاء وهو كانه انقلاب جديد وشيمة الانقلابات انها تفعل ذلك الغاء واصداراً للدستور الجديد. ـ سيظل اي قانون ذي تنشئة دينية ما عدا ما يستثنى هذا القانون الاعلى وهكذا تضبع كل الجهود التي بذلت في دستور 98، والاجماع الفريد الذي ناله، وهو أمر مستحيل حدوثه بعد هذا الاتفاق. وهكذا تتواصل خطوات الغاء الشريعة الاسلامية وفصل الدين عن الدولة. الغاء الحكم الفيدرالي القائم على دستور 98 لئن حددت فقرات لاتفاق وانشئت بموجبها الشكل السياسي الوارد في الاتفاق (وهو كونفيدرالية غير مسماة) وهي مخالفة للشكل الفيدرالي الوارد في دستور 98 ولا سبيل لتغيرها طبقاً للفقرة 3 ـ 1 ـ 5. ولئن الغى الاتفاق دستور 98 الذي يقوم على شكل فيدرالية فإنه بصدور قانون اعلى جديد الفقرة 3 ـ 1 ـ 1، فإنه يكون الحكم الفيدرالي الحالي فكرة ومؤسسات تكون قد الغيت وانتهت معه اتفاقيات السلام والتي كانت سيجري عليها الاستفتاء او الانفصال وكان في بقائها نواة لوحدة السودان. انهاء وحدة السودان بالتمهيد لانفصال الجنوب ان الفقرة 2 ـ 5 التي حددت استمرار هذا الاتفاق إلى ما بعد نهاية الفترة الانتقالية لست سنوات (دون مراعاة طاريء او ظروف تستجد صالح الوحدة) والجنوب على شكله الحالي الوارد في الاتفاق (كونفيدرالية غير مسماة) الواردة في الاتفاق بل ان تعبير شعب الجنوب الوارد في صدر الاتفاق والذي يرد لاول مرة بهذا التعبير يوحي بوجود شعبين في السودان وهو امر مخالف للحال الذي عليه السودان شعباً واحداً منذ النشأة. وسيكون الاستفتاء بحق تقرير المصير في الجنوب على ذلك الشكل او الانفصال وهذا معناه لن يعود السودان أبداً كما كان عليه من قبل ايام الوحدة ثم ايام الفيدرالية التي كان سيقدم فيها الدعم للتنمية والخدمات حتى تكون نتيجة الاستفتاء لصالح الوحدة اما الآن بهذه الاتفاقية فسيكون الوضع بعد الاستفتاء اما كونفيدرالية واما انفصالاً وهذا سبب التخوف لدى السودانيين والجيران وهي ظاهرة قد تفتح باب تمزيق افريقيا إلى دويلات متعددة. التدخل الخارجي الدولي لقد جاءت الفقرة 2 ـ 4 ـ 1 من الاتفاق لتجعل التقييم والرقابة مقصورين على الطرفين: ـ الحكومة والحركة. ـ ثم من دول الانقاذ الخمس ـ اريتريا ـ اثيوبيا ـ اوغندا ـ كينيا ـ جيبوتي. ـ ثم من المراقبين الاربعة (ايطاليا ـ النرويج ـ بريطانيا ـ اميركا). ـ ثم اقطار ومنظمات اقليمية ودولية يتم الاتفاق عليها من الطرفين ـ ومعظم هذه الدول والمنظمات التي لم تحدد ستكون لاشك ضد السودان اسلامياً. بينما حشد الاتفاق دول تجاور القطب الشمالي فإنه استبعد القوى العربية والاسلامية التي كان يمكن ان توازن القوى الاوروبية والافريقية بل انه استبعد الدول المجاورة ليبيا ومصر التي لم يراع عمق علاقاتها مع السودان او مستلزمات امنها القومي المشروعة. كما ان كيفية اضافة الدول للاتفاق غير معروفة وغير محدودة مما يجعل اعداداً هائلة من المراقبين وقد يكونون متشاكسين من اجل مصالحهم ومذاهبهم وهكذا تدولت قضية السودان واصبح القرار ليس سودانياً والحوار ليس بين القوى السياسية السودانية العالية وانما عند كل هذه الاطراف والدول والمنظمات وهكذا يفتح الباب امام التدخل الخارجي دخولاً وقراراً وبقاءً لعدة سنوات حسب مدة الاتفاق او قد تزيد. استمرار الحكومة الشمولية ان طرفي التفاوض حرصا على اقتسام السودان بينهما خلال الفترة الانتقالية (وهي ست سنوات) بدأ من حصر التفاوض بينهما، ثم احتكار اضافة المراقبين من الدول والمنظمات فيما بينهما ـ إلى تكوين الحكومة القومية ووضع القانون الاعلى دون ذكر لمشاركين آخرين فيها ـ بل ان هذه الحكومة القومية والمبهمة التكوين ومجهولة المرجعية وكيفية اقرار الاتفاق بالاستفتاء ام بالبرلمان الذي لاسيرة له وهكذا تجمع الحكومة القومية القادمة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية خلافاً لمبدأ فصل السلطات الذي يقتضي ايضاً استقلال القضاء الذي هو غير متوفر الآن. كما خلا الاتفاق من اي سيرة لاعطاء الحريات للشعب او ممارسة للديمقراطية او تبادل سلمي للسلطة، وهي كلها مباديء اساسية للسلام من اي سيرة لاعطاء الحريات للشعب او ممارسة للديمقراطية او تبادل سلمي للسلطة، وهي كلها مباديء اساسية للسلام والاستقرار، وهكذا تنفرد الحكومة الحالية بالشمال، لنفعل به ما تريد، دون اشراك للقوى السياسية الا من تريد، وكيف تريد، وهي ظروف تجعل الالزام لهذا الاتفاق للطرفين الموقعين فقط لاسيما وان هناك فقرات سرية 4 و5 غير معروفة. جعل الشمال تحت سيطرة الجنوب ثقافة وتشريعاً ان ما ورد في الاتفاق من مباديء في الفقرة 1 ـ 2 يعطي الاخوة في الجنوب حق الادارة والسيطرة على اقليمهم ـ وهو حق طبيعي حالت دونه مركزية الانجليز وحتى العهود الوطنية بل يمتد ذلك الحق للمشاركة في الحكم الاتحادي ولكن هذا لا يعني ان تكون المشاركة خصماً على حقوق الشماليين الآخرين في الولايات المتحدة في قسمة الثروة ولائياً ومركزياً وفي حرمانهم من التعبير عن ارادتهم الغالية وان تذوب في بوتقة التعدد الثقافي فتغلب اللادينية على اسلامية الاغلبية