في رصده للاجراءات الداخلية التي قامت بها الادارة الأميركية على صعيد تعزيز الأمن في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، أكد التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2001 والذي يصدره مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ان هذه الاجراءات كانت شديدة العمق والكثافة ربما بصورة تفوق تلك التي قامت بها الولايات المتحدة في الخارج، وانها سعت لتحقيق عدة أهداف أبرزها الحيلولة دون وقوع المزيد من العمليات الارهابية ومعالجة الثغرات التي كشفت عنها الهجمات، بالاضافة الى العمل على تحقيق هدف نفسي رئيسي يتمثل في توفير احساس أكبر بالأمن للمواطن الأميركي. وأشار التقرير الى ان هجمات سبتمبر انطوت على العديد من الدلالات بالنسبة للأمن الداخلي في الولايات المتحدة، يتمثل أبرزها في: أولا: أن الولايات المتحدة لم تعد في مأمن من الهجمات الخارجية وعمليات الارهاب الضخمة واسعة النطاق، وذلك بعد ان ظلت لسنوات طويلة محصنة ضد أي اعتداءات خارجية على الأراضي الأميركية ومحاطة بمحيطين شاسعين وجارتين مسالمتين من الشمال والجنوب، ولذلك كانت الهجمات بمثابة الصدمة القوية للرأي العام الأميركي وازدياد الاحساس بعدم الأمن لدى المواطنين وباتت قضية الأمن الداخلي مطروحة بصورة أكبر من أي وقت مضى. وثانيا: العجز عن الكشف المسبق عن العملية أثناء مرحلة التخطيط والاعداد، على الرغم من الامكانات الضخمة لأجهزة الأمن والاستخبارات الأميركية. في حين تمثلت الدلالة الثالثة في ضعف قدرة الأجهزة الأمنية الأميركية على التصدي السريع للعمليات الارهابية فور وقوعها، حيث كشفت الهجمات وجود ثغرة ضخمة في الدفاع الجوي حول المراكز الحيوية في الولايات المتحدة، وبدا ذلك واضحا في الهجوم على مقر البنتاغون، كما كشفت في الوقت نفسه عن ضعف فاعلية اجراءات الأمن على الرحلات الداخلية في المطارات الأميركية. الهاجس الأمني وحول طبيعة الاجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة لتعزيز الأمن الداخلي، قال التقرير انها اشتملت نوعين رئيسيين الأول يتمثل في الاجراءات الأمنية العاجلة المتعلقة بتسيير دوريات جوية وبحرية مكثفة وتعزيز اجراءات الأمن في المطارات وحماية البنية الأساسية الخاصة بالغذاء والمياه وزيادة دوريات الشرطة حول خطوط البترول والغاز الطبيعي وحماية البنية الأساسية في مجال المواصلات والطرق وتخزين الأدوية والأمصال وتأمين المنشآت الحيوية ولاسيما المفاعلات النووية ومحطات الكهرباء الضخمة. أما النوعية الثانية من الاجراءات فهي تتعلق بالاجراءات طويلة المدى الخاصة بتعزيز الأمن الداخلي وزيادة قدرة أجهزة الأمن الأميركية في مجال مكافحة الارهاب، وهو ما تمثل في: أولا: تشكيل قيادة عسكرية للأمن الداخلي تتحدد أهدافها في الدفاع عن الأراضي الأميركية والنهوض بمهام قيادة الدفاع الفضائي لأميركا الشمالية والتي تضم الولايات المتحدة وكندا، وسوف تتكامل أنشطة هذه القيادة مع الهيئات المدنية، ليس فقط في حالات العمليات الارهابية ولكن أيضا في حالات الكوارث، وعلى الرغم من ان هذه القيادة الجديدة سوف تركز في عملها على الأمن الداخلي للولايات المتحدة، الا ان عملها ربما يمتد من الناحية الجغرافية الى ما وراء حدود الولايات المتحدة لتشمل كلا من كندا وأجزاء من منطقة الكاريبي والمياه القريبة في المحيط الأطلسي والهادي. أما الاجراء الثاني فهو تعزيز قوانين مكافحة الارهاب حيث شرعت الادارة الأميركية في سن حزمة من القوانين الجديدة الخاصة بالأمن ومكافحة الارهاب، كان أبرزها قانون مكافحة الارهاب الذي صدر في أكتوبر 2001 بهدف تعزيز قدرة سلطات الأمن الأميركية في مجال مكافحة الارهاب، وقد تضمنت مواد هذا القانون اعطاء المدعي العام الأميركي سلطة احتجاز الأجانب المشكوك في قيامهم بأنشطة ارهابية لمدة سبعة أيام دون توجيه اتهام لهم، واعطاء السلطات الفيدرالية الحق في التنصت على أجهزة التليفون المختلفة التي يستخدمها الارهابيون المشتبه فيهم، بما في ذلك التنصت على التليفونات المحمولة وليس الخطوط الثابتة فقط، كما تضمنت السماح لسلطات الأمن بالحصول على تسجيلات الاتصالات عن طريق البريد الالكتروني من الشركات التي تقدم خدمات الانترنت، ومشاركة أجهزة البحث الجنائي والمخابرات في المعلومات المتعلقة بالارهابيين، وزيادة أعداد قوات حرس الحدود على الحدود الشمالية للولايات المتحدة الى ثلاثة أضعاف، فضلا على زيادة عدد مفتشي الهجرة في كل نقطة من نقاط العبور على الحدود الشمالية الى ثلاثة أضعاف أيضا. وأكد التقرير ان صدور هذا القانون أشار وبما لا يدع مجالا للشك الى أن المجتمع الأميركي وقع في حالة من الهوس الأمني في فترة ما بعد 11 سبتمبر، وأن هذه الحالة أثرت بالضرورة على طبيعة المجتمع الأميركي كمجتمع ديمقراطي مفتوح، وعلى الرغم من ان العديد من الليبراليين ومنظمات حقوق الانسان في الولايات المتحدة وخارجها حذرت من ان تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الارهاب يجب ألا يكونا مبررا لانتهاك حقوق المشتبه فيهم، وشددت على ضرورة ان يتم ذلك بطرق تتفق مع القيم الأميركية ومن دون السماح للارهابيين ان يغيروا انفتاح المجتمع الأميركي أو احترام الحكومة للحريات المدنية، فان أسلوب الادارة الأميركية في التعامل مع تداعيات أحداث سبتمبر على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة انطوت على قدر كبير من العصف بمبادئ حقوق الانسان والديمقراطية، سواء من حيث الاعتقال الواسع النطاق للعرب والمسلمين المشتبه فيهم في الولايات المتحدة أو من حيث شيوع خطاب سياسي يشجع على معاداتهم. وزارة الداخلية في حين تمثل أبرز التطورات التي نتجت عن أحداث سبتمبر، والتي رصدها التقرير في استحداث وزارة للأمن الداخلي في الولايات المتحدة، وبدأ ذلك باعلان الرئيس بوش في 20 سبتمبر الماضي عن انشاء مكتب جديد تابع للبيت الأبيض أطلق عليه مكتب الأمن الداخلي، وجرى تعيين توم ريدج حاكم بنسلفانيا كمدير لهذا المكتب. وتمثلت مهمة هذا المنصب في التنسيق بين 50 وكالة وجهاز أمني لحماية أمن الجبهة الداخلية، خصوصا منع وقوع أعمال ارهابية جديدة متوقعة والتعامل معها بسرعة اذا ما وقعت، مع المساعدة في أعمال التخابر ضد الارهابيين وتطوير أجهزة وبرامج تدريبية للكشف عن الهجمات البيولوجية والكيماوية والنووية، واعداد الأجهزة الصحية لمواجهة هجمات الارهاب وخاصة ما يتعلق بسعة المستشفيات وتوفير مخزون كاف من الأدوية والأمصال، وزيادة الحماية للمنشآت الأساسية والبنية التحتية وخطوط الاتصالات وشبكات الكمبيوتر وكل وسائل المواصلات وتوفير الحماية للغذاء والمياه التي قد تصبح هدفا للارهاب وتنسيق التدريبات اللازمة للاستعداد لأي هجوم ارهابي، والتعاون في ذلك مع كل المستويات الحكومية. وقد واجهت مهام توم ريدج في البداية العديد من الشكوك بشأن مدى قدرته على التنسيق والاشراف على التعاون بين مكتب التحقيقات الفيدرالية والاستخبارات المركزية، علاوة على حوالي 50 وكالة وجهاز أمني واستخباراتي، كما كانت هناك مخاوف من ان يكون هناك تعارض بين مهام وزير الأمن الداخلي ومهام كبار المسئولين عن الأمن القومي ومدراء وكالات مهمة أخرى، كما كانت هناك تحديات متعلقة بالخوف من ان يتضمن عمل وزارة الأمن الداخلي انتهاكا للحريات والحقوق المدنية بسبب الصلاحيات الواسعة التي أعطيت للأجهزة الأمنية عقب أحداث 11 سبتمبر. وأخيرا يشير التقرير الى أنه، وعلى الرغم من كثافة وتنوع الاجراءات التي قامت بها الادارة الأميركية على صعيد حفظ الأمن الداخلي، فان الكثير من هذه الاجراءات كان من النوع الذي يصعب ظهور نتائج سريعة المدى له، علاوة على ان الكثير منها كان يتم تنفيذه وفق جدول زمني محدد لتفعيلها. ولكن يبقى ان هذه الاجراءات كانت محل اجماع قومي في الولايات المتحدة وبدا واضحا شيوع درجة عالية من التوافق السياسي العام هناك بشأن سبل حماية الأمن الداخلي، وهو ما انعكس في ان الكونغرس الأميركي منح الرئيس بوش مبالغ أكبر من تلك التي طلبها لمواجهة متطلبات الحرب ضد الارهاب، والامتناع عن فتح ملف التقصير الأمني في هجمات سبتمبر والامتناع عن جعل قضية الحرب ضد الارهاب موضوعا لمنافسة حزبية كبرى بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس الأميركي.