تشهد الولايات المتحدة اكبر تحول في سياستها الداخلية والخارجية، منذ خمسين عاماً، وجاء ذلك بعد احداث هجوم سبتمبر الماضي، الذي غير مفاهيم كانت سائدة على صعيد العلاقات، بين النظام الاميركي ومجتمعه وصعيد مفاهيم العلاقات الدولية، وعناوين النزاعات العالمية في القرن الحادي والعشرين، وآلية الهيمنة الاميركية تحديداً على المناطق والشعوب الاخرى، وتداعيات ذلك الحدث على صعيد العلاقة بين الغرب والاسلام. فقد انفردت الولايات المتحدة بالنظام العالمي الجديد بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الانساني، بفضل تفوقها التقني الذي جعل من المستحيل على اي قوة اخرى اللحاق بها، بعكس ما شهده التاريخ في الماضي، من امكانيات انتقال التقنيات من قوة الى اخرى، بل والتجويد عليها بحيث امكن سقوط حضارات قديمة وعريقة امام قوى بازغة، وقد ادى التقدم التقني والثورة العلمية الى الانتصار الاميركي والهيمنة على العالم. فالولايات المتحدة ذات الامتداد التاريخي الذي لا يتجاوز القرنين وربع القرن من الزمان، قد الفت الانجازات والانتصارات، ونأت بنفسها عن التجارب التاريخية المريرة، التي اعتادت شعوب ودول العالم على مواجهتها، لا لشيء إلا لخصوصية الخبرة والتجربة الحضارية، فضلاً عن المعطيات الجيواستراتيجية الفردية لذلك الكيان العالمي الحديث نسبيا، لذا فإن الاحداث الجسام والنوائب المفجعة التي ألمت بالشعب الاميركي في فترات وظروف تاريخية لاحقة، كان لها من الاثار والتداعيات ما هو اعمق من نظيراتها ومثيلاتها في دول اخرى كانت قد الفت مثل هذه النوائب والاخفاقات. وامام هذا الواقع الدولي جاءت احداث سبتمبر الماضي بمثابة زلزال عنيف زلزل «نظرية الامن الاميركي» وحطم شعور القوة والغطرسة العسكرية، واصاب الاقتصاد الاميركي بخسائر فادحة فاقت كل تصور وامتدت اثاره لتطول مختلف بلاد العالم، وانتاب الاميركيين حكومة وشعبا هلع شديد من خطر لم يألفوه، ولم يكونوا يتوقعونه بينما هرع المثقفون منهم نحو البحث عن تفسير موضوعي لما لحق ببلادهم، في محاولة لمنع تكراره، واندفعت الادارة الجمهورية الى حشد طاقات بلادها لمواجهة عدو غامض، وغير محدد الملامح، هو الارهاب، في حين فشلت الاجهزة الامنية والاستخباراتية الاميركية في تحديد اية معالم لهذا العدو الجديد حتى يمكن ملاحقته وكان الاستسهال والرغبة في الانتقام من كل ما هو عربي واسلامي قد اطلقا اشارة البدء للعمليات العسكرية ضد العالمين الاسلامي والعربي، بدعم قوي من وسائل الاعلام الاميركية، التي حرصت على تهيئة الرأي العام في الولايات المتحدة والعالم اجمع لاي عمل عسكري اميركي قد لا يرتكن لاي سند قانوني. اخفاق داخلي وعلى الصعيد الداخلي فإنه رغم امتلاك واشنطن لكل عناصر القوة إلا انها اخفقت في تخفيف تداعيات المرحلة، وبرزت حالة من الهوس الامني، ترافقها تيارات الغضب والاحباط وموجات الاحتجاج التي عمت البلاد، مما يمكن القول ان اكبر مظاهر ضعف النظام الاميركي تكمن في الداخل، ولو حددت عناصر ذلك فإن اهمها قد يكون في تراجع النظام الاخلاقي الانساني، الذي نشأت في ظلة الحضارة الاميركية، وكان يعتمد على ان اخلاص الانسان، يكون في الصدق والاستقامة في العمل، وهو امر مرهون بمسلك الفرد ودرجة اتقانه لواجباته، وما يقدمه لمجتمعه، وحل بدلاً من ذلك النظام، رؤية تعتمد على فكرة ان الانسان يكون على الطريق القويم، اذا وهب حياته وولاءه الى الطائفة التي ينتمي اليها، مما فتح المجال امام مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» وتراجع الوازع الاخلاقي الانساني العام عند المواطن والجماعة، بحيث اصبح من المقبول ان يرى الاميركيون الفقراء يزدادون فقراً، والاغنياء يزدادون غنى، دون شعور بالتراحم الانساني. كذلك تراجعت درجة تمتع المواطن الاميركي بالحقوق المدنية كسمة اساسية في النظام الاميركي، تحت وطأة اعمال مكافحة الارهاب بحيث اصبح القائمون على تنفيذ القانون مستعدين لتعطيل سيادة القانون والشروع في اعتقال الناس بلا محاكم، وبلا توجيه اتهام، بل ومصادرة الاموال الخاصة بالافراد والمؤسسات ومعاملة الاسرى دون اعتبار للقوانين الدولية التي تنظم هذه المعاملة، بجانب اهمال دور الشعب الاميركي في اعادة التوازن المفقود في المجتمع، وفي الدفاع عن الوطن، ما ادى الى تهميش قطاعات كبيرة منهم، وتراجع قدراتهم في الضغط على صناع القرار لتبرز كفاءة النخبة واللوبي الصهيوني ليأخذ دوره في ذلك، ويتزايد الانقسام الطبقي لقلة غنية تركزت في يدها السلطة والثروة ومجموعات فقيرة تعاني الاحباط وتشعر بالغضب، لاسيما الطبقة العاملة حيث لم يشعر العمال بالرخاء الموعود مع دخول الاستثمارات الاجنبية وظهر التعبير عن ذلك الغضب في موجات الاحتجاج التي تعم شوارع نيويورك وواشنطن وسياتل من حين لآخر، وفي خروج البعض عن الاطر المؤسسية القائمة والعمل خارج القانون. وازاء هذا الموقف فإن دواعي الحال تبرر وبما لا يدعو الى الشك انه اذا كان من الصعب التكهن بحقيقة الامر في المسألة المثارة، فلعله من نافلة القول ان الامر برمته لا يخلو بطبيعة الحال من وجود تضاد في عمل الجهاز الحكومي ايضا، خصوصا المتعدد والمتنازع السلطات، مثلما انه من غير المستبعد نزوع عناصر مخلصة ونزيهة داخل الاجهزة الحكومية الاميركية، لرفع الستار عن بعض الحقائق الموجهة ضد الجمهور. وبأخذ كل ما تقدم من احتمالات وفرضيات فإن جانبا مهماً في الصورة لا يبدو انه قد اخذ حظه من كتلة الضوء، اذ بقى «الضوء» محجوباً عنه نزولاً عند موجبات التحكم في حدة الصراع بين مختلف اجنحة الطبقات السياسية المهيمنة على النظام السياسي الاميركي صوب الواقع الحالي، والمعني بذلك، الصراع بين ممثلي بعض المصالح وقطاعات الاقتصاد المدنية وممثلي مصالح وقطاعات الاقتصاد النفطية والعسكرية، وتحديداً بين الجناح الليبرالي «الحزب الديمقراطي» وبين الجناح اليميني المحافظ «الحزب الجمهوري الحاكم»، بمعنى ان هذين الحزبين ليسا بعيدين عن التجاذب المندلع في واشنطن حول مسئولية الاطراف المعنية بحماية السياسة الامنية. وهناك بالتأكيد متضررون من جنوح الادارة الاميركية الحالية نحو الغلو والتطرف الجامح في تعاطيها مع الشئون الداخلية، وكذلك الخارجية والتي حولت الولايات المتحدة الى دولة بوليسية في نظر الكثير من فئات المجتمع، وكذلك خارجيا ليس في نظر الدول الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة، وانما في نظر حتى اصدقائها الاوروبيين. تقييد الحريات على ان الامر الاكثر اهمية في هذا الجانب، هو ذلك المتصل بالضرر الذي يلحقه هذا الجموح الطائش لسياسات الجمهوريين بمراكز القوى والمصالح الداخلية التي توجه ايضا الى تقييد حريات الشعب الاميركي من جراء انتهاكاتهم الصارخة لموازين القوى الداخلية ولقواعد اللعبة الديمقراطية. لذلك يلوح الديمقراطيون «بالشق الامني» المهم الذي استثمروه في اختطاف شعبيتهم، ومحاولة البناء على هواجس الشعب الاميركي الذي بات رهينة تقييد لحرياته من قبل وزارة الامن الداخلي التي انشئت عقب اعلان الرئيس بوش عن مقترحات تاريخية باجراء اصلاحات أمنية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس الأميركي ترومان، الهدف منها تنسيق وتنظيم عمل عدد كبير من الادارات والوكالات والمكاتب الحكومية العاملة في مجال الاستخبارات، والتي تسعى عموما الى حماية الدولة الأميركية من الهجمات الارهابية. وبرغم انه من المفترض ان يكون لوزارة الامن الداخلي اهداف رئيسية من اهمها دعم أمن الطيران والسفر على الطرق البرية والسكك الحديدية ومنع الاشخاص غير المرغوب فيهم من العبور الى الولايات المتحدة، ثم تحسين قدرة البلاد على مواجهة الأزمات الطارئة والرد عليها ومنع الهجمات بالاسلحة الكيماوية والبيولوجية والاشعاعية، كذلك حماية البنية التحتية الاساسية واتاحة مركز مقاصة لتحليل معلومات المخابرات، فان هذه المهام المقصود منها اعادة هيكلة ضخمة داخل الحكومة الفيدرالية تعكس عددا من الامور، تبدو اقرب الى الحقائق منها رضوخ الادارة الاميركية لضغوط الكونغرس، المطالب باصلاح الاجهزة الأمنية بل ويطالب بالحساب للمقصرين، وفي ذلك ما يشير الى كابوس الانتخابات المقبلة التي يعاني منها بوش. ويجعله اكثر تركيزا في الفترة المقبلة على اتخاذ قرارات انفعالية أو جماهيرية الطابع، بغض النظر عن مضمونها، كذلك يبدو ان هناك اهتزازا واضحا في اداء الادارة برمتها، خاصة وان الرئيس بوش سبق وان اعلن في اعقاب حدوث الهجمات انه على ثقة في كفاءة اجهزة الامن الاميركية، وانه يوقن ان هذه الاجهزة قادرة على منع وقوع اي اعتداءات، ثم وردت تقارير التقصير هذه لتكشف الحقيقة خاصة ما يتعلق بالمخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالية، كذلك محاولة الحكومة امتصاص غضب الشارع الاميركي الذي لم يعد يشعر بالامن، ويستشعر خطر وقوع المزيد من الهجمات، بسبب افراط وسائل الاعلام ومؤسسات الادارة في اطلاق تحذيرات من وقوع هجمات وعمليات داخل الولايات المتحدة وخارجها بصورة تؤرق الشعب الاميركي مهما كانت درجة ثقته في اجهزته الأمنية، وان ذلك كله يشير الى ان التغيرات الجذرية تلك في حد ذاتها تمثل دليلا على وجود منافسات وصراعات بين الوكالات الأمنية المختلفة، واول انتقاد موجه الى هذه التعديلات يشير الى ان وزارة الامن الداخلي لا تضم وكالة المخابرات المركزية ولا مكتب التحقيقات الفيدرالية، وبالتالي يمكن ان تكون مصدر اجراءات بيروقراطية جديدة ومصدر منافسات على حساب «امن الوطن والمواطنين». الديمقراطية المتآكلة وبناء على ما سبق، يبدو واضحا ان مساحة الحرية والديمقراطية للشعب الاميركي قد تآكلت، مع تراجع الاحساس بالامن والاستقرار في المجتمع، ما بين تقييد للحريات، وانتهاك لخصوصيات المواطنين بدعوى مكافحة الارهاب، وان انعكاسات ذلك باتت واضحة حين غدت اجواء «العدالة الأميركية» والتي كانت الدعاية الاميركية ترفرف حولها، في زمن الحرب الباردة فانها تتكشف شيئا فشيئا وتتعرى بعد احداث سبتمبر، حيث اصبح يقينا ان اميركا لم تكن يوما قادرة على اضفاء جو العدالة بمعناها الحقيقي، وهذا ما يمكن تلمسه من الرئيس بوش ووزير العدل «جون اشكروفت» اللذين رميا جانبا القانون الاميركي بحجة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وهذه السياسة هي في الحقيقة سياسة اليمين المتطرف في أميركا والمندمج مع اليمين الصهيوني للتحكم بالمجتمع الأميركي وصياغة كل السياسة الأميركية بناء على هذا النهج. وقد بدأت العدالة الأميركية حربها ضد العرب والمسلمين داخل اميركا نفسها، حيث شكلت وصاغت قوانين هي في الحقيقة تمييز عنصري ديني كان نتاجه آلاف المعتقلين من العرب والمسلمين، حين زج اناس في السجون من دون محاكمات، وكانت هناك احكام صدرت على اساس ادلة سرية، وهذه قطعا ممارسات غير سليمة حين وضع «اشكروفت» بين يديه الكثير جدا من حريات الناس، كما وسع الكونغرس الاميركي سلطات الحكومة فيما يتعلق بالتحريات السرية وتفويضه لوزير العدل سلطات جديدة تجيز له اعلان مجموعة محلية كمنظمات ارهابية وترحيل اي شخص ينتمي اليها. وفي مرحلة لاحقة اعلن «اشكروفت» عن اقرار اجراءات اضافية تسمح لعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي «الشرطة الاتحادية» بالتجسس على المجموعات المحلية من دون تقديم دليل على حدوث جريمة، كما سمح لهؤلاء العملاء بأن يراقبوا اسر التجمعات العامة والتجمعات في المناسبات الدينية، ومداهماتهم الجمعيات الخيرية والمساجد وتجميد ارصدتها، وادى ذلك الى ان تكمم كل الافواه التي تحاول ان تشير الى ارهابية السياسة الاميركية حتى في داخل اميركا نفسها. ان ذلك بلا شك يشير الى ان وزارة العدل تلك غير قادرة على التمييز بين الاشخاص الذين يقومون بنشاطات اجرامية والمقيمين الذي يحترمون القوانين الامر الذي يدل على تعارض النظام القضائي الاميركي مع الديمقراطية، ليفتح المجال امام هؤلاء للتفكير في اماكن اكثر امنا واستقرارا. بينما تتمثل انعكاسات السياسة الأمنية للولايات المتحدة على علاقاتها الخارجية وفي الشأن الدولي باتجاه الرئيس بوش للعمل الاحادي في التعاطي مع معظم القضايا الحساسة وفي مقدمتها مكافحة الارهاب والتوازن الاستراتيجي العالمي، فقد اهتزت علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين في العالم، فلم يعد أمام ادارة الرئيس الأميركي المتهمة عادة بعدم الخبرة وقلة الحنكة في الشئون الدولية، الا ان تعيد الهيمنة بالقوة على القرار الدولي، والانفراد بصياغة علاقاتها مع الاخرين وفق اسس ومفاهيم جديدة تحكمها الرؤية الأميركية المنفردة والنافرة بعيدا حتى عن اشراك اقرب الحلفاء الأوروبيين ناهيك عن روسيا والصين. الا ان ما يجب الانتباه اليه، ان العالم اجمع وعلى مستوى الجماهير قد اعطى صورة واضحة لرفض كل الشعوب لمفهوم الهيمنة الاميركية، وكذلك لكل آليات الخطاب السياسي الجديد الذي تريد الولايات المتحدة من الجميع ان يتبناه. ويبقى على الذين طال تعاملهم مع أميركا بناء على سياستها الخارجية المعروفة لهم طوال الخمسين عاما الماضية والمنتظر اعلان بطلان مفعولها، ان يبحثوا لانفسهم عن مفاتيح مختلفة تتعامل مع ما هو جديد ومتغير ومختلف، والا وجدوا ان ما في ايديهم من مفاتيح يتوهمونها، لا هي تفتح بابا ولا هي سلمت من الصدأ. ـ كاتبة عراقية