ان تتحول الولايات المتحدة الأميركية من بلد للحرية والديمقراطية وان تصبح اشبه بدولة نامية في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر، فهذا امر اصبح يثير حالة من القلق على الصعيد الدولي لأن مثل هذا التحول يعبر عن وجود خلل نوعي داخل المجتمع الاميركي نفسه، وبعبارة ادق فانه لو كانت شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة متأصلة ومتجذرة في بنية المجتمع الأميركي، لما كان من السهل ان تنقلب الموازين والامور بين عشية وضحاها، وان يصبح تمثال الحرية في نيويورك رمزا للدكتاتورية والقمع عبر مفارقة تعد الأولى من نوعها في التاريخ الأميركي حتى الآن. والواقع ان ما يجري على هذا الصعيد داخل الولايات المتحدة يدعو الى الريبة، لأن تداعيات مثل هذا التحول ستطال العالم كله لأن هذا الاخير لابد ان يتأثر بهذا الذي يجري داخل دولة كبرى وعظمى مثل الولايات المتحدة، والذين يتصورون بأن الامور لا يمكن ان تصل الى مثل هذه النتائج والتفاعلات هم على درجة كبيرة من الخطأ والسذاجة السياسية، لأن هناك الكثير من المؤشرات والمعطيات التي تؤكد بأن المفارقة الكبرى التي تعيشها الولايات المتحدة ليست عادية، بل هي تنطوي على الكثير من الدلالات الخطيرة. صدمة سبتمبر واذا كان بعض الدارسين يرى ان الصدمة الكبيرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر من العام الماضي كانت كافية لاحداث مثل هذا التحول الخطير داخل المجتمع الاميركي، وبالتالي الابتعاد عن اجواء الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والاقتراب من مناخات القمع البوليسية وحتى العنصرية التي اخذت تطل برأسها في عدة مواقع داخل الولايات المتحدة، فإن هذا الاعتقاد يحتاج الى مناقشة هادئة ومعمقة في ضوء الفرضية القائلة بأن تلك الاحداث قد تكون مدبرة من قبل قوى اليمين الأميركي من اجل تبرير مثل هذا التحول، وكذلك الاجراءات الاستثنائية التي اتخذت على صعيد العدالة والقانون ونظام المحاكم الخاصة والاستثنائية، وما رافق ذلك من مطاردات وملاحقات لعناصر وأقليات تنتمي الى جنسيات مختلفة وتعيش منذ عشرات السنين داخل الولايات المتحدة. فالاميركيون يعيشون حاليا وسط اجواء ومناخات لاسابق لها، وهم قد وضعوا انفسهم في قفص الاتهام لجهة الاسراع في توجيه الاتهامات الى قوى وعناصر غير قادرة على ان تنفذ احداثا كبيرة وخطيرة بحجم الاحداث التي وقعت في نيويورك وواشنطن يوم الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي تحديداً. اذ ان المراقبين يتابعون بقلق كبير الاجراءات الاستثنائية التي تطبق حاليا في الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر، وهم يجمعون على ان قيام السلطات الأميركية بانشاء محاكم خاصة واستثنائية ومنحها صلاحيات واسعة في القبض على اي شخص كان وايداعه السجن بحجة ممارسة الارهاب، الى جانب التعامل مع عدد من دول العالم على انها «مارقة» ويجب ضربها وتحديها باستمرار، ومن ثم اطلاق يد اجهزة الأمن والاستخبارات في كل مكان داخل المجتمع الاميركي وشن حملة واسعة من المطاردات والملاحقات ضد الاقليات العرقية والدينية ولاسيما العرب والمسلمين، والتصرف وكأن العالم كله قد اصبح غابة مفتوحة امام الذئب الاميركي، سيؤدي الى تعميق الهوة والمفارقة بين شعارات الحرية والعدالة والمساواة المدونة في الدستور الأميركي، وبين الواقع الجديد الذي يحمل في طياته وابعاده ملامح مرحلة الانغلاق والمكارثية بأشد واخطر صورها. اذ ان الولايات المتحدة باتت معزولة على الصعيد العالمي عقب احداث 11 سبتمبر، وذلك على الرغم من ان مختلف الدول والشعوب ابدت تعاطفا مع الأميركيين (الشعب الأميركي) بعد هذه الأحداث. حملة شاملة والسؤال الذي يطرح نفسه هو: الى أين ستقود حملة التعبئة الشاملة التي تشهدها الولايات المتحدة خلال هذه المرحلة؟ هل ان الامر سيقود الى نوع من المكارثية الجديدة التي سبق لها ان دفعت بأميركا الى محاربة العالم ومعاداته في فترتي الخمسينيات والستينيات؟ ام ان منطق العقل والواقع هو الذي سيسود في نهاية المطاف؟ ان من الخطأ الاعتقاد ـ ولو للحظة واحدة ـ بأن المجتمع الأميركي غير قابل للانكسار من الداخل، بل ان التطورات التي اعقبت احداث 11 سبتمبر تؤكد على وجود خلل جذري لدرجة يبدو معها هذا المجتمع الأميركي وكأنه مصنوع من زجاج غير ملون، لأن الامور سرعان ما تكشفت من اعماقها وقدمت الكثير من العناصر والاشياء التي اسقطت الحجب عن المستور، وبالتالي صار الحديث عن مجتمع جديد هو العنوان البارز للمشهد كله. فالاميركيون غارقون في الاوهام الآن، وذلك من خلال التفاهم غير العادي حول الحرب المعلنة التي تشنها ادارة جورج بوش الابن ضد ما يسمى بالارهاب، ويترافق ذلك مع حملة تعبئة واسعة ضد الاقليات العرقية الموجودة داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي يعزز الكثير من التفاعلات والتحديات التي ستقود بالمحصلة الى نوع من المواجهات المفتوحة. وحتى مع الافتراض بأن هذه الحالة لن تدوم طويلا وبالتالي فإن الاجراءات الخاصة والاستثنائية ستزول حتما من داخل المجتمع الأميركي لانها تتناقض ـ بصورة جذرية ـ مع المباديء والشعارات التي يرتكز اليها هذا المجتمع، فإن هذا لا يمنع من التأكيد بأن وقتا اطول سيمر قبل ان تصل الامور الى مثل هذا الانعطاف، لأن الشيء الواضح والمؤكد هو ان الاميركيين ارتهنوا الى ممارسة هذه الطقوس الجديدة التي جعلت من موضوع مكافحة الارهاب الشغل الشاغل لكل الاهتمامات العامة والخاصة في الولايات المتحدة. وبالمحصلة فإن الشعب الاميركي هو الذي سيدفع الثمن، وإلا كيف تفسر ارتفاع العديد من الاصوات داخل الولايات المتحدة التي تطالب بالعودة الى اجواء الحرية والديمقراطية ووقف حملات المطاردة والملاحقة ضد الاقليات الدينية والعرقية والغاء المحاكم الاستثنائية وسحب الصلاحيات الكبيرة التي اعطيت للقضاء العادي الذي تحول الى قضاء قهر وغلبة، في حين ان المطلوب هو المزيد من الحرية والعدالة والمساواة والعودة الى اجواء الالفية الثالثة وبداية عصر جديد؟! ـ صحفي سوري