حملتني الظروف أن أتعامل مع مفوضية العون الإنساني في الأيام الماضية لتسجيل منظمة طوعية. وأشهد أن موظفي المفوضية كانوا في غاية الرقة والتهذيب في التعامل وحب المساعدة في قضاء المهمة المطلوبة، ومع ذلك فقد عانيت كثيرا في إكمال الإجراءات لأن ما كان يمكن قضاؤه في ساعة واحدة استغرق ثلاثة أيام كاملة وأنا على أبواب سفر الى الخارج. ولم يكن التأخير بسبب تعنت أحد المسئولين في المفوضية بل بسبب ضعف الإمكانات، وبعد المسافة، ومركزية القرار، وكثرة مشاغل المسئولين. وأهمية المفوضية لا تحتاج الى شرح فهي تتعامل مع أكثر من مئتي منظمة أجنبية وأكثر من ضعف هذا العدد من الجمعيات الوطنية، دعك من مهامها الأخرى في متابعة تنفيذ برنامج شريان الحياة مع الأمم المتحدة، وإغاثة المتضررين من الحرب أو المجاعة أو الكوارث، ومتابعة قضية السلام وإيواء النازحين. ويحمد للحكومة أنها في السنتين الأخيرتين أرخت قبضتها المتشددة في تسجيل الجمعيات فتسجلت عشرات الجمعيات للنساء والرجال في شتى مجالات الحياة، بعضها يختص بالدراسات في قضايا السلام والديمقراطية والتنمية أي جماع قضايا السودان. وهذه هي مؤسسات المجتمع المدني التي ستدعم بناء الديمقراطية في المستقبل ان شاء الله. وطالما أن مفوضية العون الإنساني تقوم بكل تلك الأعباء الجسام كان ينبغى أن تجد اهتماما أكثر من الدولة، لكنها لا تجد شيئا من ذلك. فموقع المفوضية في منطقة سكنية في أقصى حي أركويت حيث تقطع الكهرباء أكثر ساعات النهار، وطيلة الثلاثة أيام التي داومت خلالها في زيارة المفوضية لم تأت الكهرباء العامة ساعة واحدة. وعندما ضقت ذرعا بتعطل أجهزة الكمبيوتر ومكنة التصوير التي يعتمد عليهما إنجاز مهمتى سألت: أليس عندكم مولد كهربائى في المفوضية؟ ولدهشتي كانت الإجابة نعم ولكنه لا يعمل لأن تكلفة الوقود عالية فوق طاقة المفوضية. وعلمت أنه لا يعمل الا في الحالات النادرة كأن يزورهم كوفي عنان شخصيا أو رئيس الجمهورية أو نائبه الأول! ومبنى المفوضية يتكون من أربعة طوابق ليس به مصعد، علما بأن قسم المنظمات يقع في الطابق الرابع، وحالة المبنى بائسة تقل كثيرا عن مستوى البيوت التي تجاوره. أما أثاثات المبنى فأشبه بأثاثات الورش في المنطقة الصناعية ولم أر مثل بؤسها في أي مصلحة حكومية. وعندما أبديت ملاحظتي حول الموقع والمبنى والأثاثات، قال لي أحدهم ولماذا لا تسأل عن الهيكل الراتبي للعاملين؟ وعلمت عجبا أن مرتب نائب المفوض العام «المسئول الثاني في المفوضية» لا يبلغ مئتي ألف جنيه سوداني، أي أقل من ثمانين دولارا! ألا يحق لمثل هذا أن يمد يده لتلك المنظمات الأجنبية التي تعد ميزانيتها بملايين الدولارات، وبعضها مستعد لدفع ما يلزم حتى يجد تجاوزا من بعض ضوابط القانون؟ لا أظن أن أحدا منهم يفعل ذلك فلا يبدو عليهم آثار نعمة تذكر، ومع ذلك خطر ببالي مقولة عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» لعبد الرحمن بن حاطب عندما سرق غلمانه ناقة رجل من مزينة وذبحوها وأكلوا لحمها: والله لو لا أني أظن أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو أن أحدهم يجد ما حرم الله عليه لأكله لقطعت أيديهم. ولكن والله إذ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك. وطلب منه أن يدفع ضعف ثمن الناقة لصاحبها. وعبد الرحمن بن حاطب هنا هو حكومة الانقاذ التي أجحفت في حق هؤلاء الموظفين الذين استعملتهم وأجاعتهم، ولكن أين لنا بعمر بن الخطاب الذي يوقع عليها غرامة توجعها؟